#مثاني_السور_فيض
١- ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [النحل: ١١٠]
٢- ﴿ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [النحل: ١١٩]
_________
● لم ترد جملة(إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) إلا مرتين في سورة النحل . وثلاث مرات في القرآن الكريم والثالثة في سورة الأعراف
● الموضع الأول يحتمل أنه جاء تتميما لما سبقه من العفو عن من قال كلمة الكفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان . فلسائل أن يسأل وماذا عن من فتن وارتد تحت ضغط عذاب هؤلاء. فتأتي الآية أن من هاجر بعد فتنته وردته ليهرب من الفتنة ثم جاهد وصبر فله المغفرة والرحمة . ويرجح بعضهم هذا الوجه بأن الذي نطق كلمة الكفر قهرا وهو مطمئن بالإيمان لا إثم عليه فلا وجه لاشتراط (من بعدها) الذي جاء في الآية . فيمنع أن يكون مقصودا بالآية
قلت : يجوز أن يكون مرادا وتكون كلمة (من بعدها ) للإشادة بحالهم خاصة أن الآية لم تذكر توبة كالموضع الثاني . وأما ذكر المغفرة فالمؤمنون يوم القيامة (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا) خاصة أن قوله تعالى (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) الوارد بعد الموضع الأول يصح أن يكون ظرفا للمغفرة والرحمة . وقد يقوي وجه الإشادة فإن الأعمال التي تحاج وتجادل عن صاحبها يوم القيامة معظمة . كما نصح نبينا صلى الله عليه وسلم لنا أن نقرأ سورة البقرة وآلعمران لأنهما سيجادلان عن صاحبهما يوم القيامة .
وقد قرئت كلمة (فتنوا) بفتح الفاء والتاء بمعنى الذين فتنوا المؤمنين وآذوهم . فتح الله لهم باب التوبة والتغيير .
والواعظ من المسلمين يعظ بهذه الآية ثلاثة أصناف :
الأول - من فتن تحت ضغط التعذيب والقهر فانحرف .. فله فرصة أن يهاجر بعيدا عن الفتنة ثم يجاهد ويصبر
الثاني - من يفتن الناس ويحاربهم ليكفروا كما كفر إذا آنس منه ندما ويقظة
الثالث - من فتن وثبت على الحق أن ينطلق لمجال ومكان جديد . وأن لا يكتفي بتاريخه في الصبر
● الموضع الثاني يخاطب به من حرف الشريعة افتراء (بجهالة) وليست هي الجهالة المعلوماتية . ولكن الحمق والتهور ونقص الحكمة وغلبة الهوى وعدم إدراك العواقب والمقادير . ويخاطب من فعل السوء والمحرمات بناء على ذلك التحريف (بجهالة) وهذه الآية جاءت بعد ذكر معاقبة اليهود مباشرة بتحريم الطيبات عليهم ونظيرها في سورة الأعراف بعد ذكر اتخاذهم العجل .
قال الرازي :
(اﻋﻠﻢ ﺃﻥ اﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﺑﻴﺎﻥ ﺃﻥ اﻻﻓﺘﺮاء ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻭﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﺃﻣﺮ اﻟﻠﻪ ﻻ ﻳﻤﻨﻌﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﺘﻮﺑﺔ ﻭﺣﺼﻮﻝ اﻟﻤﻐﻔﺮﺓ ﻭاﻟﺮﺣﻤﺔ. ﻭﻟﻔﻆ اﻟﺴﻮء ﻳﺘﻨﺎﻭﻝ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻭﻫﻮ اﻟﻜﻔﺮ ﻭاﻟﻤﻌﺎﺻﻲ)
ثم قال :
( ﻓﻘﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﺇﻧﺎ ﻗﺪ ﺑﺎﻟﻐﻨﺎ ﻓﻲ ﺗﻬﺪﻳﺪ ﺃﻭﻟﺌﻚ اﻟﻜﻔﺎﺭ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺤﻠﻠﻮﻥ ﻭﻳﺤﺮﻣﻮﻥ ﺑﻤﻘﺘﻀﻰ اﻟﺸﻬﻮﺓ ﻭاﻟﻔﺮﻳﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﺛﻢ ﺇﻧﺎ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﻧﻘﻮﻝ: ﺇﻥ ﺭﺑﻚ ﻓﻲ ﺣﻖ اﻟﺬﻳﻦ ﻋﻤﻠﻮا اﻟﺴﻮء ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺠﻬﺎﻟﺔ، ﺛﻢ ﺗﺎﺑﻮا ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ، ﺃﻱ ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﺗﻠﻚ اﻟﺴﻴﺌﺔ، ﻭﻗﻴﻞ: ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﺗﻠﻚ اﻟﺠﻬﺎﻟﺔ، ﺛﻢ ﺇﻧﻬﻢ ﺑﻌﺪ اﻟﺘﻮﺑﺔ ﻋﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﺃﺻﻠﺤﻮا، ﺃﻱ ﺁﻣﻨﻮا ﻭﺃﻃﺎﻋﻮا اﻟﻠﻪ.)
ﺛﻢ قال :
( ﻭﺣﺎﺻﻞ اﻟﻜﻼﻡ ﺃﻥ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﺃﻗﺪﻡ ﻋﻠﻰ اﻟﻜﻔﺮ ﻭاﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ﺩﻫﺮا ﺩﻫﻴﺮا ﻭﺃﻣﺪا ﻣﺪﻳﺪا، ﻓﺈﺫا ﺗﺎﺏ ﻋﻨﻪ ﻭﺁﻣﻦ ﻭﺃﺗﻰ ﺑﺎﻷﻋﻤﺎﻝ اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﻓﺈﻥ اﻟﻠﻪ ﻏﻔﻮﺭ ﺭﺣﻴﻢ، ﻳﻘﺒﻞ ﺗﻮﺑﺘﻪ ﻭﻳﺨﻠﺼﻪ ﻣﻦ اﻟﻌﺬاﺏ.)
● والفارق بين الموضعين أن كلمة (من بعدها) في الموضع الأول على القول بأن فتنوا أي عذبوا وصبروا قيلت للإشادة كقوله تعالى (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) فهي أقرب لاستحقاق فضل الله ومغفرته ورحمته
وكلمة (من بعدها) في الموضع الثاني للاشتراط فهي أقرب لإيجاب التوبة والإصلاح . نظرا لعلو المقام الأول خاصة أنه لم يذكر فيه توبة
● وفي الموضعين كلمة (ربك) بإضافة اسم الرب جل شأنه لخليله صلى الله عليه وسلم. وفيها ما يذاق ولا يسعف فيه التعبير
والله أعلم

تعليقات
إرسال تعليق