حينما يعرقلك النحو عن الفهم
.........
قال الله تعالى وتبارك ( ﴿أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبينوأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾
[مريم: 38-39]
في توجيه قوله تعالى (وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) نحويا يذكر قولان :
اﻷول :أن الجملة حالية متعلقة بقوله تعالى (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) ولا يخفى بعده وافتعاله لطول الجملة الفاصلة ولقوة تعلق الغفلة بانقضاء اﻷمر والحسرة كما يقال تم كل شيء وأنت تغط في النوم
الثاني : أن الجملة حالية متعلقة بأنذرهم . وهو تناقض صارخ ﻷن المعنى سيكون :تحين وتقصد حالة غفلتهم وعدم قابليتهم لﻹيمان فأنذرهم فيها . ولا يخفى بطلانه
وهو يتضمن أن جملة وأنذرهم خبرية وليست إنشائية أي أنهم اعتمدوا المعنى الخبري في بنية اﻹنشاء . أي أنك حين ستنذرهم سيكونوا على تلك الحال من الغفلة وعدم قبول اﻹيمان . فأقول أن اﻷولى هو المعنى الخبري في تحتم قدوم ذلك اليوم الذي يجب الاستعداد له قبل مجيئه ﻷن الخسارة فيه ليس لها من تلاف (قضي اﻷمر)
والتوجيه اﻷول يعني أنهم أدخلوا جملة (وهم في غفلة) في الاستدراك الوارد في قوله (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) . فأقول معنى الاستدراك رائع لكن اﻷولى أن يكون الاستدراك معنويا . من الفزع والاستعداد الواجب . أي يجب أن يفزعوا ويتقوا لكنهم في غفلة لكنهم لا يؤمنون.
ونخلص من ذلك أن الواو في جملة (وهم في غفلة) استئنافية تضمنت معنى الاستدراك من مقدر واجب هو التقوى والاستعداد . وتعاملت مع جملة (يوم الحسرة إذ قضي اﻷمر ) من منظور خبري .
فيكون حينئذ لﻹنذار حكمة وغاية . بخلاف ما قرروه فيقضي بمعنى مخالف للحكمة وهو تحين إنذارهم حالة غفلتهم .
كما قال تعالى ( ﻣَﺎ ﺧَﻠَﻘْﻨَﺎ اﻟﺴَّﻤﺎﻭاﺕِ ﻭَاﻷَْﺭْﺽَ ﻭَﻣﺎ ﺑَﻴْﻨَﻬُﻤﺎ ﺇِﻻَّ ﺑِﺎﻟْﺤَﻖِّ ﻭَﺃَﺟَﻞٍ ﻣُﺴَﻤًّﻰ ﻭَاﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻛَﻔَﺮُﻭا ﻋَﻤَّﺎ ﺃﻧﺬﺭﻭا ﻣﻌﺮﺿﻮﻥ (3))
وقد قال تعالى فلما ﺫﻫﺒﻮا ﺑﻪ ﻭﺃﺟﻤﻌﻮا ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻠﻮﻩ ﻓﻲ ﻏﻴﺎﺑﺖ اﻟﺠﺐ ﻭﺃﻭﺣﻴﻨﺎ ﺇﻟﻴﻪ ﻟﺘﻨﺒﺌﻨﻬﻢ ﺑﺄﻣﺮﻫﻢ ﻫﺬا ﻭﻫﻢ ﻻ ﻳﺸﻌﺮﻭﻥ (15)) فهذه جملة اشتراطية عوملت كجملة معطوف عليها فكان جوابها (وأوحينا إليه) في صورة المعطوف . يقولون نحويا الواو زائدة . لكن احذر أن يعرقلك النحو فتظن أنها فضلة في المعنى بل هي مضيفة إلى معنى جواب الشرط معنى العطف ومعنى الاسئناف بما له من جلال .ومعنى استمرارية القص بما له من أنس وتشويق واستفد أنه إذا جاز تحول الجملة نحويا جاز تحولها معنويا من باب أولى

تعليقات
إرسال تعليق