– {يسألون أيان يوم الدين} وحق لهم أن يسألوا هذا السؤال . لأنهم مغمورون ضيقون لا تمتد نفوسهم للخلود ولا يطيق إحساسهم الوسع الأبدى ولا وسع الإمكان وقد تكرر لفظ الخلود في موضع قصير في سورة الفرقان للتأكيد عليه { قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا (16)}
وتأثير عدم الايمان بالآخرة والانشغال بها على عقل الانسان قضية منثورة في القرآن الكريم لكن نجتزئ منها بمثال يؤكد المعنى الذي ذهبت إليه
قال تعالى في سورة النجم { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27)}
وقال تعالى في سورة النحل { ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60)}
فاختار سبحانه فعلا واحدا لهم في الموضعين حملهم على وصف الملائكة بالأنثى وهو عدم إيمانهم بالآخرة . والعلة أنهم لانحصار قلوبهم ونفوسهم وللغمرة التي هم فيها المذكورة هنا لا يستطيعون تصور كائنات نورانية جميلة غير مؤنثة . كأشباههم في عصرنا ممن لا يجدون جمالا إنسانيا في الدنيا إلا مقترنا بهذه الغريزة . بخلاف من يؤمن بالآخرة وبإمكانياتها الهائلة {ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا}
وقد ذكر سبحانه في سورة الصافات قصة يونس عليه السلام ونجاته من الضيق في بطن الحوت ثم بدأ خيار جديد وحياة جديدة فأرسل إلى مائة ألف أو يزيدون و أو هنا بمعنى “و” ولكنها جاءت بهذه الصيغة إشارة للكثرة والوفرة والاتساع والإمكانيات . ثم بعدها عقب بالفاء {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون} دلالة على وحدة القضية . وننقل الآيات فهي خير بيان { وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون (147) فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160) فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166)} نعم أيها الضيقون المغمورون . نحن الصافون الذين أقسم الله بنا في أول السورة {والصافات صفا} صفوف حسنة وزجر حسن وتلاوة حسنة . نعم ومن وحدة القضية هنا {فلولا أنه كان من المسبحين}و { وإنا لنحن المسبحون} فالمجال للجميع بلا انحصار . فيونس عليه السلام خرج من بطن الحوت بعد تجربة فاشلة فرزق تجربة واسعة جديدة مئة ألف أو يزيد وكانت تجربة ناجحة ثم تأتي الفاء (فاستفتهم) أي كيف لهم بعد قصة يونس أن يدعوا انحصار قدرة الله فيكون خلقه إما ذكر وإما أنثى فقط . والتسبيح تنزيه عن النقائص ومنها التنزه عن الانحصار والضيق والتسبيح تعجب . من عجائبية القدرة (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) (سبحان الذي خلق اﻷزواج كلها مما تنبت اﻷرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك )
والمقصود أن الذين لا يؤمنون باﻵخرة في غمرة علمية وسلوكية وذكرت نموذجا لغمرتهم وهو وصفهم الملائكة باﻷنثى إنحصارا في غمرة الدنيا .
–
ونجتزئ من باقي السورة بالاشارات السابقة , لكن ننوه أن قصة التبشير باسحق بعد كبر أمه وأبيه جاءت بعد التأكيد على أن في السماء رزقنا وما نوعد وقسم الله بذلك . وننوه للمفارقة بين العجوز العقيم والريح العقيم . حيث خيرت عاد بين ثلاث سحب كما هو مشهور من قصتها . إشارة إلى أن الوسع والخير المدرار كان معروضا وممكنا .كما نشير لجمالية لفظ {بسلطان مبين} في قصة موسى عليه السلام حيث تعني الحجة والبرهان . لكن جماليا تنبه إلى السلطان الذي خسره فرعون من أجل ركن مخفي. بالطبع الركن هنا معناه ما يتقوى به من جمع وجند ومال وحكم . ولكنها جماليا مع نسق السورة الذي بيناه تعني الركن المخفي مقابل المبين . وتعنى فقد المكنة مقابل السلطان. ومن البعد الجمالي لفظة {ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم} ومعناها بيان قوة الله تعالى وأن ذنوبا واحدا يكفي ليغطي الظالمين ويمحوهم وأن أمر الله واحد لا يحتاج لتثنية {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} {فصب عليهم ربك سوط عذاب} {نفخة واحدة} {دكة واحدة} {صيحة واحدة} . ولكنها جاءت بعد ذكر قوة الرزاق {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. فإن للذين ظلموا ذنوبا} فهو قادر أيضا بذنوب واحد أن يغرقنا في النعيم والبركات فجأة وبلا مقدمات . حتى المعاني النفسية الروحية (ربنا أفرغ علينا صبرا) هكذا دعوا أفرغ علينا
– ونختم بذكر الآية الأشهر التي تدعونا للفرار للوسع {ففروا إلى الله} والفاء تعليلية تبني على ما سبق. فما هو الذي سبق؟
والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) }
ففروا إذن ﻷنه القدير لن تهربوا منه ومن آثار قدرته سماء واسعة وأرض مفروشة ممهدة واسعة وتنويع في خلق أزواج النباتات والحيوانات وغيرهما يدل على قدرة التخليق والإنشاء .
وجماليا ففروا إليه إلى الذي خلق واسعا رحبا ومهد فراشا رحبا فكان نعم المهاد . ونوع المطعمات التي تذوقونها والمنظورات التي ترونها فجعلها أزواجا .

تعليقات
إرسال تعليق