2- سورة الذاريات :منظور جمالي ومناسبات
– {والسماء ذات الحبك} ويعنينا من معنى الحبك هنا مما ذكره السلف دلالة التقسيم الحسن المزدان . وأيضا اختيارهم مشابها له ناتج عن مر الرياح
{تفسير ابن كثير / دار طيبة (7/ 414)
قال الضحاك، والمِنْهَال بن عمرو، وغيرهما: مثل تجعد الماء والرمل والزرع إذا ضربته الريح، فينسج بعضه بعضا طرائق طرائق، فذلك الحبك.} ولهم أقوال في معنى الزينة والحسن والبهاء والمتانة . فيقسم سبحانه بهذا الحسن والنظام على قبح واختلال قولهم . وفيه الاستدلال بالنظام القائم على استحالة أن يتساوى الظالم والمظلوم والمحسن والمسيئ في نهاية الأمر فيصيران للعدم أو لجزاء واحد .لأن منشئ هذه الحبكة هو الذي أقسم. وبها أقسم
-{يؤفك عنه من أفك} هذا ائتفاك حسن لأنه انصراف وانقلاب عن القول المختلف. وهو متسق جماليا مع ذكر الحبك التي شبهت بالرياح التي ترسم الأمواج وسيور الرمال بتقليبها . ومع ذكر الرياح في أول السورة وعلى قول في أول أربع آيات في السورة {معجم مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 118)
والمؤتفكات: الرياح التي تختلف مَهابُّها. يقولون:”إذا كثُرت المؤتفكات زَكَتِ الأرض}
– الخراصون ) هم المختلقون المقدرون بخيالهم وظنونهم . ولكن جماليا مادة الخرص تدور حول تقدير المكيال والميزان والخرص بفتح الخاء والراء هو الجوع . وهم في غمرة . غمرة واحدة فقط . تغطيهم وتنسيهم الوسع في { السماء ذات الحبك } {وفي السماء رزقكم وما توعدون} {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون}
يقول الشيخ سيد قطب:
{ هذه السورة : بافتتاحها على هذا النحو ، ثم بسياقها كله ، تستهدف أمرا واضحا في سياقها كله .. ربط القلب البشري بالسماء وتعليقه بغيب اللّه المكنون وتخليصه من أوهاق الأرض ، وإطلاقه من كل عائق يحول بينه وبين التجرد لعبادة اللّه ، والانطلاق إليه جملة ، والفرار إليه كلية ، استجابة لقوله في السورة : «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» .. وتحقيقا لإرادته في عباده : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» ..
ولما كان الانشغال بالرزق وما يخبئه القدر عنه هو أكثف تلك العوائق وأشدها فقد عني في هذه السورة بإطلاق الحس من إساره ، وتطمين النفس من جهته ، وتعليق القلب بالسماء في شأنه ، لا بالأرض وأسبابها القريبة.
وتكررت الإشارة إلى هذا الأمر في السورة في مواضع متفرقة منها. إما مباشرة كقوله : «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ» .. «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» .. وإما تعريضا كقوله يصور حال عباده المتقين مع المال :
«وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» .. ووصفه لجود إبراهيم وسخائه وهو يقري ضيوفه القلائل – أو من حسبهم ضيوفه من الملائكة – بعجل سمين ، يسارع به إليهم عقب وفودهم إليه ، وبمجرد إلقاء السلام عليه ، وهو لم يعرفهم إلا منذ لحظة! فتخليص القلب من أوهاق الأرض ، وإطلاقه من إسار الرزق ، وتعليقه بالسماء ، ترف أشواقه حولها ، ويتطلع إلى خالقها في علاه ، بلا عائق يحول بينه وبين الانطلاق ، ويعوقه عن الفرار إلى اللّه. هو محور السورة بكل موضوعاتها وقضاياها التي تطرقها. ومن ثم كان هذا الافتتاح ، وكان ذلك الإيقاع الغامض في أولها ، وكان القسم بعده بالسماء ، وكان تكرار الإشارة إلى السماء أيضا }

تعليقات
إرسال تعليق