#مثاني_القرآن_فيض
١- ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنا بَعضَهُم عَلى بَعضٍ مِنهُم مَن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعضَهُم دَرَجاتٍ وَآتَينا عيسَى ابنَ مَريَمَ البَيِّناتِ وَأَيَّدناهُ بِروحِ القُدُسِ وَلَو شاءَ اللَّهُ مَا اقتَتَلَ الَّذينَ مِن بَعدِهِم مِن بَعدِ ما جاءَتهُمُ البَيِّناتُ وَلكِنِ اختَلَفوا فَمِنهُم مَن آمَنَ وَمِنهُم مَن كَفَرَ وَلَو شاءَ اللَّهُ مَا اقتَتَلوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفعَلُ ما يُريدُيا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَنفِقوا مِمّا رَزَقناكُم مِن قَبلِ أَن يَأتِيَ يَومٌ لا بَيعٌ فيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالكافِرونَ هُمُ الظّالِمونَاللَّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ الحَيُّ القَيّومُ لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَومٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ مَن ذَا الَّذي يَشفَعُ عِندَهُ إِلّا بِإِذنِهِ يَعلَمُ ما بَينَ أَيديهِم وَما خَلفَهُم وَلا يُحيطونَ بِشَيءٍ مِن عِلمِهِ إِلّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرسِيُّهُ السَّماواتِ وَالأَرضَ وَلا يَئودُهُ حِفظُهُما وَهُوَ العَلِيُّ العَظيمُلا إِكراهَ فِي الدّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكفُر بِالطّاغوتِ وَيُؤمِن بِاللَّهِ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقى لَا انفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَميعٌ عَليمٌاللَّهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنوا يُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ وَالَّذينَ كَفَروا أَولِياؤُهُمُ الطّاغوتُ يُخرِجونَهُم مِنَ النّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ﴾ [البقرة: ٢٥٣-٢٥٧]
٢- ﴿حمعسقكَذلِكَ يوحي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذينَ مِن قَبلِكَ اللَّهُ العَزيزُ الحَكيمُلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ وَهُوَ العَلِيُّ العَظيمُتَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرنَ مِن فَوقِهِنَّ وَالمَلائِكَةُ يُسَبِّحونَ بِحَمدِ رَبِّهِم وَيَستَغفِرونَ لِمَن فِي الأَرضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الغَفورُ الرَّحيمُوَالَّذينَ اتَّخَذوا مِن دونِهِ أَولِياءَ اللَّهُ حَفيظٌ عَلَيهِم وَما أَنتَ عَلَيهِم بِوَكيلٍوَكَذلِكَ أَوحَينا إِلَيكَ قُرآنًا عَرَبِيًّا لِتُنذِرَ أُمَّ القُرى وَمَن حَولَها وَتُنذِرَ يَومَ الجَمعِ لا رَيبَ فيهِ فَريقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَريقٌ فِي السَّعيرِوَلَو شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُم أُمَّةً واحِدَةً وَلكِن يُدخِلُ مَن يَشاءُ في رَحمَتِهِ وَالظّالِمونَ ما لَهُم مِن وَلِيٍّ وَلا نَصيرٍ﴾ [الشورى: ١-٨]
______________
● لم يرد الإسمين الجليلين ( العلي العظيم ) مقترنين إلا في هذين الموضعين في سورة البقرة والشورى
● وما فهمته أنهما يوازنان بين ولاية الله على خلقه ووكالته وقربه منهم وعلوه وعظمته جل شأنه . كالمعنيين الواردين في سورة البقرة ﴿وَلِلَّهِ المَشرِقُ وَالمَغرِبُ فَأَينَما تُوَلّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَليمٌوَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبحانَهُ بَل لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ كُلٌّ لَهُ قانِتونَبَديعُ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَإِذا قَضى أَمرًا فَإِنَّما يَقولُ لَهُ كُن فَيَكونُوَقالَ الَّذينَ لا يَعلَمونَ لَولا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَو تَأتينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم مِثلَ قَولِهِم تَشابَهَت قُلوبُهُم قَد بَيَّنَّا الآياتِ لِقَومٍ يوقِنونَ﴾ [البقرة: ١١٥-١١٨]
فذكرت الآيات أن التوجه لله لا مشكلة فيه فحيثما توجهتم فوجه الله قريب منكم يقبل عليكم حين تقبلون عليه .
ثم تعود الآيات فتستدرك أن هذا القرب ليس معناه مخالطة الله جل جلاله لخلقه . فيسبح الله ذاته الكريمة عن الولد . وينكر قول الذين يطلبون أن يكلمهم الله .
● ونبدأ مع موضع سورة البقرة حيث يبتدئ بتكليم الله لموسى عليه السلام وهو قرب عظيم من الرب سبحانه واصطفاء لعبده موسى عليه السلام ثم هو رعاية لبني إسرائيل أن اصطفى الله كليمه رسولا إليهم . والعلاقة بين هذا واسم الله العلي العظيم هي ما ورد في قوله تبارك وتعالى ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلّا وَحيًا أَو مِن وَراءِ حِجابٍ أَو يُرسِلَ رَسولًا فَيوحِيَ بِإِذنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]
فختم الآية باسمه العلي ليفهمنا أن تكليمه للبشر تقريبا لا يتعارض مع عزته عليا حكيما .
ثم ذكر إيتاء الله تبارك وتعالى لعيسى المعجزات كنوع من رعاية البشر . وقد يعترض البعض فإنهم اختلفوا حد القتال مع تلك الرعاية وترد الآيات ردا تعليليا ثم ردا إيمانيا بأن العيب فيهم حين اختلفوا وتجادلوا وصاروا فرقا وتحزبات ثم ترد الآيات بالعلة الإيمانية وهي أن الله يفعل ما يريد
ثم حضت آية على الإنفاق وعلاقتها بالسياق من حيث البينات أن الصدقة برهان تزيد في العلم والحكمة كما في الحديث (الصلاة نور والصبر ضياء والصدقة برهان)
ومن حيث القتال والاختلاف أن الشح أهلك من كان قبلنا كما في الحديث الشريف. والصدقة تؤلف كما في سورة التوبة (والمؤلفة قلوبهم) كأحد وجوه النفقة .
ومن حيث الولاء فالله يخبرنا أن الصداقة والشفاعة لا تغني شيئا يوم القيامة إلا ما قدم الإنسان .
ثم تأتي آية الكرسي توازن بين قيوميته سبحانه وتعالى وقربه وعلمه بما بين أيديهم وما خلفهم وبين حجب علمه وعلوه وعظمته واتساع كرسيه . ثم ذكر أن (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) ثم ذكر سبحانه نماذج من تنويره . وهي تنويره للعزير وإبراهيم عليهما السلام في قضية إحياء الموتى .
● موضع سورة الشورى مفتتح بالحروف المقطعة (حم . عسق . كذلك يوحي إليك) وقد قرئت بفتح الحاء وكسرها . ومعنى القرب والولاية فيه يفوق الخيال مع أنه واقع . فالله يوحي كلماته بحروف كحروفنا . ولكن تنبه فالآية تختم بأنه عزيز . لا يوصل إليه ممتنع لا يخالط . والتالية تختم بأنه علي عظيم . فليس معنى قراءتنا للحروف أننا أخرجنا الكلمات عن علوها . فالله كما وصف نفسه بأنه علي حكيم لا يكلم البشر إلا من وراء حجاب وصف الكتاب بأنه علي حكيم حتى ولو كان عربيا ﴿إِنّا جَعَلناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعقِلونَوَإِنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَينا لَعَلِيٌّ حَكيمٌ﴾ [الزخرف: ٣-٤]
ثم ذكر الله ولايته ووكالته وكما قال في موضع البقرة (ولو شاء الله ما اقتتلوا) قال هنا (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة)
● بقي أن أقول أن ما ذكرته ليس معناه عدم تعلق الدعاء باسم الله العلي العظيم بل السياق يدل على عظيم تعلقهما
فالعلو يعني عدم الانحصار والعظمة تعني عدم القلة وقد تمر بالإنسان حالة لا يتصور فيها حلا لكربه وأزمته فاسم الله العلي يحل له المشكلة فإذا كان التسبيح بمعنى تنزيه علو الله (سبح اسم ربك الأعلى ) فإن الله قد قال (سبحان الذي أسرى) وقد يستعظم الإنسان طلبا والله أعظم . وقد يستعظم ذنبا والله يقول (فسبح بحمد ربك واستغفره) ومعنا في موضع الشورى (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) والإنسان قد يشتاق لانعتاق من الحصرة والضغطة والضيق (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح) (والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه )
ومعنا في السياق عطاياه العظيمة لموسى وعيسى وتخليصه للمؤمنين من الظلمات ومن عظيم عطاياه القرآن الكريم كلامه
● ثم نأتي لأخطر وأدق المسائل في العلو وعدم الانحصار ... وركز معي فهي مسألة عظيمة ..
وهي عدم انحصار قربه ... قربه العلي .. لا يعجزه أن يقترب من أضأل الضآل كما يعجز جسمنا عن الدخول لجحر ضيق وحادثة موت الطفل الجزائري في البئر شاهدة .. لا تعجزه مخلوقية المخلوق عن مقاربتها ولا يخشى على نزاهته منها ..
لا يعجزه أن نتلو كلامه .. كلامه هو ... الذي قاله حرفا حرفا (حم .عسق) دون أن تصير صفته مخلوقة ...
إذا استوعبت هذه المسألة فقد نحيت بحول الله كثيرا جدا من ضلال الأمم .
إذا استوعبتها ستفهم لماذا قال الله تعالى
﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ إِذ قالوا ما أَنزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيءٍ }
وقوله تبارك وتعالى ﴿وَقُلِ الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي لَم يَتَّخِذ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَهُ شَريكٌ فِي المُلكِ وَلَم يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرهُ تَكبيرًا. الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي أَنزَلَ عَلى عَبدِهِ الكِتابَ وَلَم يَجعَل لَهُ عِوَجًا﴾
نعم كبره تكبيرا عن أن يكون له ولد وأن يقترب ذلك القرب واحمده تحميدا أنه ليس له ولد .
ثم كبره تكبيرا على أن أنزل الكتاب .. أليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنة القراءة التكبير عند أوائل السور من أول سورة الضحى
واحمده تحميدا أن أنزل الكتاب .
● هو علو قرب حيث لم تعجزه مخلوقيتنا كما ادعى من ضل من المسلمين
ثم هو ولاية من الولي الحميد ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذي نَزَّلَ الكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]
فأي شيء تستعظمه على كرمه وقد كرمك بأن تنطق كلامه جل كلامه العلي الحكيم .
والله أعلم

تعليقات
إرسال تعليق