#مثاني_القرآن_فيض
١- ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طينثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾ [المؤمنون: ١٢-١٣]
٢- ﴿ألم نخلقكم من ماء مهينفجعلناه في قرار مكينإلى قدر معلومفقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٠-٢٣]
_________
● لم ترد جملة(قرار مكين ) إلا في هذين الموضعين
وكلمة قرار تتعلق بالسكون والطمأنينة والاستقرار
وكلمة مكين تتعلق بالحفظ
وهما يتعلقان باسم الله المؤمن كما بينت سورة المؤمنون . وإسم السورة مرتبط لفظا ومعنى بالأمن والأمانة فقد قال إبراهيم عليه السلام (فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون . الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) .
وبعد ذكر القرار المكين ذكر الله مراحل خلق الإنسان في نظامها الثابت في سبع مراحل قال النووي بعد ذكر هذه الآية (فهذه سبع تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه . وكان ابن عباس يقول : خلق ابن آدم من سبع ، ثم يتلو هذه الآية)
ومراحل خلقه في بطن أمه متساوية . كما جاء في الحديث الصحيح (ﺇِﻥ ﺧﻠﻖ ﺃﺣﺪﻛُﻢ ﻳﺠﻤﻊ ﻓِﻲ ﺑﻄﻦ ﺃﻣﻪ ﺃَﺭْﺑَﻌِﻴﻦَ ﻳَﻮْﻣًﺎ، ﺛﻢ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻠﻘﺔ ﻣﺜﻞ ﺫﻟﻚ، ﺛﻢَّ ﻳﻜﻮﻥ ﻣُﻀْﻐَﺔ ﻣﺜﻞ ﺫَﻟِﻚ) ووحدة النظام وثباته وعدم تغيره دلالة على اسمه تعالى المؤمن . ثم ذكر الله سبع سماوات طرائق. وطرائق أي متطابقة متساوية فذكر سبعا بعد سبع. وهي ممسوكة هي والأرض التي جعلها الله قرارا (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) وهذا من مظاهر اسمه تعالى المؤمن وجملة (الأرض قرارا) من مثاني القرآن وقد ذكرت مقترنة بخلق الإنسان وتصويره وكما ذكر هنا رزق الثمرات ذكر أيضا في قوله جل شأنه ( ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين﴾ [غافر: ٦٤]
ثم ذكر الله في سورة المؤمنون ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون﴾ فتسكين الماء وسكونه من مظاهر اسمه المؤمن
ثم ذكر الله سفينة نوح عليه السلام ودلالتها على اسمه المؤمن لا تخفى . ثم ذكر لفظ القرار مع الأكل. والقرار من مثاني السورة ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعينيا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم﴾ [المؤمنون: ٥٠-٥١]
وهو من مظاهر اسمه المؤمن .
ومن فرائد السورة جملة يجير ولا يجار عليه في قوله تبارك وتعالى(﴿قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون﴾ [المؤمنون: ٨٨]
وهي من مظاهر اسم الله المؤمن . جعلني الله وإياكم في جواره وأمانه وضمانه .
وفيها من مثاني القرآن قوله تبارك وتعالى(بيده ملكوت كل شيء) وهي هنا عن مبالغة الحفظ وفي سورة يس عن مبالغة القدرة والتصرف إذ سبقها (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا )
وليس من غرضي هنا تفصيل المعاني
كذلك ليس من غرضي ذكر علاقة ذلك بالأخلاقيات الواردة في السورة . لكن أشير لما تيسر . قلت أن القرار سكون ومكين حفظ . وقد تكرر في أول السورة ذكر الصلاة مرتين . الأولى قوله تبارك تعالى (الذين هم في صلاتهم خاشعون) وذلك معنى السكون والطمأنينة في النفس المقارب للقرار خاصة مع قول نبينا صلى الله عليه وسلم(وجعلت قرة عيني في الصلاة ) . والثانية قوله تبارك وتعالى( والذين هم على صلواتهم يحافظون) وذلك معنى الحفظ المقارب لكلمة مكين . وأقتصر على ذلك فباقي المعاني ميسور ظهور ارتباطها بالقرار المكين وباسم الله المؤمن .
● في سورة المرسلات جاء بعد ذكر القرار المكين ذكر القدر المعلوم وهو الولادة ومعه مدة التخليق والحمل . ثم ذكر الأرض الكافتة أي الجامعة الضامة الساكنة القارة . خاصة مع ذكر الرواسي . ثم انفردت السورة بذكر الشرر . شرر جهنم الذي هو في حجمه كالقصور . تخويفا وإرعابا واضطرابا وتغيظا .. لمن لم يؤمنه ربه وهو وحده المؤمن حقا. وذكر الظل الذي لا يظل ولا يغني من اللهب فيفقد معنى السكون والراحة تحته . ثم ذكر الظلال والعيون للمتقين حيث يطيب الجلوس والسكن .
● ومما اتفقت فيه السورتان أن (الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار)
ففي المرسلات﴿كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون﴾ [المرسلات: ٤٦]
وفي المؤمنون ﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنيننسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾ [المؤمنون: ٥٥-٥٦]
ومر في أول السورة ذكر المترفين وعاقبتهم .
● بطبيعة الحال هذه ليست دراسة لأبعاد اسم الله المؤمن وإنما هي ملاحظات عابرة. فالدراسة تحتاج لجهد ووقت وحسن تخليص وتلخيص لا يتوفر لي من أربعته شيء
لكن عموما وضوح القرار والسكون والحفظ في الكون كغرض ومقصود وفعل إلهي .. يجعلنا نطمئن ونسعى للدخول في أمانه في الدنيا ودار المأوى في الآخرة .
كما أن تفرده سبحانه بذلك يجعلنا نخاف من مخالفته وتوجل قلوبنا كما جاء في سورة المؤمنون ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقونوالذين هم بآيات ربهم يؤمنونوالذين هم بربهم لا يشركونوالذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعونأولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقونولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦٢]
ولا ينبغي أن تظن أن الوجل نقيض القرار والسكون فهذا الوجل هو صفة المخبتين المتواضعين
﴿.... وبشر المخبتينالذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [الحج: ٣٤-٣٥]
والله أعلم

تعليقات
إرسال تعليق