#مثاني_القرآن_فيض
١- ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنونوالذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقونقل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرونوأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقونولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمينوكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرينوإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيموكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين﴾ [الأنعام: ٤٨-٥٥]
٢- ﴿ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلونويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرونولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين﴾ [هود: ٢٩-٣١]
___ __ __ ___ __ __ ___
● لم ترد جملة(خزائن الله) إلا في هذين الموضعين وقد اقترنا بذكر الموقف من المستضعفين وعدم طردهم فأمر الله نبينا صلى الله عليه وسلم بعدم طردهم ليرضي المستكبرين من الكافرين . وقال نوح عليه السلام ما أنا بطاردهم
● في الموضع الأول ذكر الله أنه يرسل المرسلين فقط مبشرين ومنذرين . ولا زيادة فهم لا يملكون هداية أحد ولا يملكون أن يأتوا بجنات وأنهار وجبال ذهب مقابل أن يؤمن الناس ولا يعلمون الغيب ولا يصعدون في السماء صعود الملائكة كذلك لا يملكون أن يأتوا بالعذاب وإن أنذروا به
فقط يبايعون عن الله والثمن جنة الآخرة والنجاة من جهنم
ولذا لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة زمن الاستضعاف وأراد قوم أن ينصروه مقابل أن يكون لهم الأمر والسلطان بعده رفض ذلك
وبايعه الأنصار على أن تكون لهم الجنة ولا مزيد فاهتبلها الأنصار ولم يفوتوها
ومن كرم الله تبارك وتعالى على الأنصار أنهم لم يلوا بعد ذلك من الحكم شيئا وأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيلقون أثرة بعده وأمرهم أن يصبروا حتى يلقوه على الحوض
لتصفو لهم بيعتهم ويكملوا عدم شحهم بالدنيا وهم الذين قال الله فيهم (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)
ولذا جاء في الموضع الأول أن النذارة النافعة لمن يفكر في حشره إلى ربه ويحسب حساب ذلك الحشر
● في الموضع الأول جملة (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون) ومعناها يخرج على وجهين:
الأول: أن إبصار المبصر حقيقة المخلوقات يقتضي أن لا يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعجزات فما هو إلا بشر لا يملك لمن لديه بصر
وتوضحها ثنائيتها
﴿قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ [الرعد: ١٦]
الثاني: أنني لا أملك هذه الآيات التي تطلبون ويغني عنها لمن يبصر آيات الله الكونية والقرآنية وقد تقدم هذا المعنى في الكونيات قبل عشر آيات فقال جل جلاله :
﴿وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمونوما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ [الأنعام: ٣٧-٣٨]
فدواب الأرض وطيورها آيات تغني عما تطلبون
وفي السمعيات ﴿وما يستوي الأعمى والبصيرولا الظلمات ولا النورولا الظل ولا الحروروما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبورإن أنت إلا نذيرإنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر: ١٩-٢٤]
وجملة (وما يستوي الأعمى والبصير) ثنائية . هذه في السمعيات والثانية في الكونيات
﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمونوما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون﴾ [غافر: ٥٧-٥٨]
● جملة (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين) أختار فيها تغاير الضمائر فالضمير في كلمة "فتطردهم" عائد على المؤمنين . والضمير في كلمة "حسابهم" عائد على الكافرين
قال الزمخشري (ﻭﻗﻴﻞ: اﻟﻀﻤﻴﺮ ﻟﻠﻤﺸﺮﻛﻴﻦ. ﻭاﻟﻤﻌﻨﻰ: ﻻ ﻳﺆاﺧﺬﻭﻥ ﺑﺤﺴﺎﺑﻚ ﻭﻻ ﺃﻧﺖ بحسابهم، ﺣﺘﻰ ﻳﻬﻤﻚ إيمانهم ﻭﻳﺤﺮّﻙ اﻟﺤﺮﺹ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺗﻄﺮﺩ المؤمنين ﻓَﺘَﻄْﺮُﺩَﻫُﻢْ)
● جملة (ولتستبين سبيل المجرمين) فيها بيان أن طريقة ومنهاج المجرمين هي الطبقية المنحرفة المستعلية بالزخرف والسلطان . وهذه الطبقية عميقة فيهم لدرجة أن يعتقدوا أنهم مختارون مصطفون من الله فقالوا (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا)
وفي الأحقاف (﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم﴾ [الأحقاف: ١١]
فالمجرمون لن يقبلوا أبدا بالمساواة ولا بشيوع النعمة والفضل والأمر عندهم عقيدة
وجملة (سبيل المجرمين) من فرائد القرآن . قرأها حفص بالرفع أي أن فاعل الاستبانة هي السبيل
وقرأها نافع وغيره بالنصب أي أن فاعل الاستبانة هو النبي صلى الله عليه وسلم
● جملة (أليس الله بأعلم بالشاكرين) فيها أن الشاكر محل النعم وأولها نعمة الهداية
● في الموضع الثاني (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم) فيه تفعيل التقييم الأخروي في معاملة الناس فإن نوحا عليه السلام علل عدم طردهم بأن لهم مكانة عند الله يوم القيامة
● اقترن نفي طلب نوح عليه السلام المال بعدم طرده للضعفاء من المؤمنين ووجهه أن الدعوة ليست لمن يدفع حتى أقرب الدافعين وأقصى من ليس لديه مال
● زاد الموضع الثاني على ذكر الخزائن وعلم الغيب والملائكية جملة (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) اي لا أملك من أمر الهداية والآخرة شيئا كما لا أملك من أمر الدنيا شيئا
● اتفقت جملة (الله أعلم بما أنفسهم) مع جملة (أليس الله بأعلم بالشاكرين)
● تعلق الولاء للمؤمنين ولو كانوا فقراء ضعفاء بجملة (خزائن الله) هو الطمع في تلك الخزائن فإنك إذا راعيت وواليت شخصا ضعيفا قريبا من ملك من ملوك الدنيا متصف بالكرم لكأفأك وجازاك وكنت بتلك الرعاية والولاية حكيما ومن أعرض عنه وجافاه لضعفه متوليا بعض الأقوياء جاهلا أحمقا
فكيف بملك الملوك وأكرم الأكرمين سبحانه وتعالى
ولكن الناس ينزلقون في خذلان المؤمنين المستضعفين وإقصائهم غفلة عن خزائن الله واغترارا بعطايا البشر أو خوفا من قوتهم وسلطتهم أو تعظيما لها
___ __ __ ___ __ __
● نقول:
¤ قال سيد قطب (ﺇﻧﻬﺎ ﻋﺰﺓ ﻫﺬﻩ اﻟﻌﻘﻴﺪﺓ، ﻭاﺳﺘﻌﻼﺅﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﻗﻴﻢ اﻷﺭﺽ اﻟﺰاﺋﻔﺔ، ﻭﺗﺨﻠﺼﻬﺎ ﻣﻦ اﻻﻋﺘﺒﺎﺭاﺕ اﻟﺒﺸﺮﻳﺔ اﻟﺼﻐﻴﺮﺓ..
ﻟﻘﺪ ﺃﻣﺮ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ- ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ- ﺃﻥ ﻳﻘﺪﻣﻬﺎ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺩﻭﻥ ﺯﺧﺮﻑ ﻭﻻ ﻃﻼء ﻭﺩﻭﻥ ﺇﻃﻤﺎﻉ ﻓﻲ ﺷﻲء ﻣﻦ ﻗﻴﻢ اﻷﺭﺽ ﻭﻻ ﺇﻏﺮاء.. ﻛﺬﻟﻚ ﺃﻣﺮ ﺃﻥ ﻳﻮﺟﻪ ﻋﻨﺎﻳﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﻣﻦ ﻳﺮﺟﻰ ﻣﻨﻬﻢ اﻻﻧﺘﻔﺎﻉ ﺑﺎﻟﺪﻋﻮﺓ، ﻭﺃﻥ ﻳﺆﻭﻱ ﺇﻟﻴﻪ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﻠﻘﻮﻧﻬﺎ ﻣﺨﻠﺼﻴﻦ ﻭﻳﺘﺠﻬﻮﻥ ﺑﻘﻠﻮﺑﻬﻢ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ ﻭﺣﺪﻩ ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ ﻭﺟﻬﻪ ﻭﺃﻻ ﻳﻘﻴﻢ ﻭﺯﻧﺎً ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﻟﺸﻲء ﻣﻦ ﻗﻴﻢ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺠﺎﻫﻠﻲ اﻟﺰاﺋﻔﺔ ﻭﻻ ﻟﺸﻲء ﻣﻦ اﻋﺘﺒﺎﺭاﺕ اﻟﺒﺸﺮ اﻟﺼﻐﻴﺮﺓ)
¤ قال الفخر الرازي:
ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعَقْلَ والشرع تطابقا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُؤْمِنِ الْبَرِّ التَّقِيِّ وَمِنْ إِهَانَةِ الْفَاجِرِ الْكَافِرِ، فَلَوْ قَلَبْتَ الْقِصَّةَ وَعَكَسْتَ الْقَضِيَّةَ وَقَرَّبْتَ الْكَافِرَ الْفَاجِرَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وَطَرَدْتَ الْمُؤْمِنَ التَّقِيَّ عَلَى سَبِيلِ الْإِهَانَةِ كُنْتَ عَلَى ضِدِّ أَمْرِ اللَّه تَعَالَى، وَعَلَى عَكْسِ حُكْمِهِ وَكُنْتَ فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى ضِدِّ مَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى مِنْ إِيصَالِ الثَّوَابِ إِلَى الْمُحِقِّينَ، وَالْعِقَابِ إِلَى الْمُبْطِلِينَ وَحِينَئِذٍ أَصِيرُ مُسْتَوْجِبًا لِلْعِقَابِ الْعَظِيمِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّه تَعَالَى وَمَنِ الَّذِي يُخَلِّصُنِي مِنْ عَذَابِ اللَّه أَفَلَا تَذَكَّرُونَ فَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ
¤ قال الماتريدي:
لا يحتمل أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقرب أعداءه ويدني مجلسهم منه، ويبعد الأولياء، هذا لا يفعله سفيه فضلا أن يفعله رسول اللَّه المصطفى على جميع بريته، أو يخطر بباله شيء من ذلك

تعليقات
إرسال تعليق