قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم
﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيموعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيميا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٧-١١٩]
التوبة من الله في هذه الآيات بمعنى التوفيق للعمل الصالح وليست بمعنى العفو عن الذنوب باستثناء 'تاب" الأخيرة فهمي بمعنى العفو والمغفرة
والمعنى أن الله سبحانه وتعالى سيوفق نبيه صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار للطاعة والصلاح جزاء الخروج لغزوة تبوك على ما فيها من العسرة . ويؤيد معنى التوفيق أن التوبة جاءت مقابلة للزيغ (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم) أي وفقهم للخروج وحماهم من زيغ القعود
ويكون الفارق بين "تاب" الأولى والثانية أن جملة (تاب الله) للمستقبل أي سيوفقهم الله لعمل الصالحات ليرفع درجاتهم . و"تاب عليهم" عن الماضي أي وفقهم للخروج لتلك الغزوة ليكونوا ممن حكم بالتوبة عليهم مستقبلا توفيقا ورعاية
ولا شك أن التوبة هنا تتضمن مغفرة الذنوب لأن الله سبحانه وتعالى إذا كان غرضه رفع درجاتهم بالتوفيق فلابد وأم يكون ذلك متضمنا مغفرة الذنوب أو توفيقهم للاستغفار .
وتوبته سبحانه وتعالى على الثلاثة الذين خلفوا بمعنى توفيقهم لعدم الكذب كما كذب غيرهم
ومما يبين أن التوبة تأتي بمعنى التوفيق قول الله تبارك وتعالى
﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرينثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم﴾ [التوبة: ٢٦-٢٧]
قال الطبري (ﺛﻢ ﻳَﺘَﻔَﻀَّﻞُ اﻟﻠَّﻪُ ﺑِﺘَﻮْﻓِﻴﻘِﻪِ ﻟِﻠﺘَّﻮْﺑَﺔِ ﻭَاﻹِْﻧَﺎﺑَﺔِ ﺇِﻟَﻴْﻪِ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪِ ﻋَﺬَاﺑِﻪِ اﻟَّﺬِﻱ ﺑِﻪِ ﻋﺬَّﺏَ ﻣَﻦْ ﻫَﻠَﻚَ منهم ﻗَﺘْﻼً ﺑِﺎﻟﺴَّﻴْﻒِ ﻋَﻠَﻰ ﻣَﻦْ ﻳَﺸَﺎءُ، ﺃَﻱْ ﻳَﺘُﻮﺏُ اﻟﻠَّﻪُ ﻋَﻠَﻰ ﻣَﻦْ ﻳَﺸَﺎءُ ﻣِﻦَ اﻷَْﺣْﻴَﺎءِ ﻳُﻘْﺒِﻞُ ﺑِﻪِ ﺇِﻟَﻰ ﻃَﺎﻋَﺘِﻪِ)
💎 وجملة (ثم تاب عليهم ليتوبوا) أي غفر لهم ليستقيموا على التوبة والصلاح فإن التوبة حالة عامة للمؤمنين كقول الله سبحانه و تعالى(وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون) فعمم الله التوبة للجميع
ووجه أن البشرى بعفو من الله تبارك وتعالى سبب لاستقامة العبد ما جاء في سورة البقرة
﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦٨]
فإن الشيطان يأمر العبد بالبخل ويقول له احتفظ بمالك للأيام السوداء التي لا كسب فيها والأيام تتقلب . وإنك إذا أنفقت لن تجد بديلا . فيعالج الله تباركت أسماؤه هذه الفتنة بوعده الفضل والسعة على العبد .
ثم إن الشيطان يأمر العبد بالفحشاء فيعالج الله تباركت أسماؤه هذه الفتنة بوعده بالمغفرة . وهو معنى غامض فما المعالجة والنهي عن الفاحشة في معنى أنك إن ارتكبت الفاحشة غفرنا لك . بل قد يتوهم منه الاستمرار على الفاحشة .
ولكن المعنى أن العبد إذا وقع في بعض الأخطاء المتعلقة بالفاحشة توهم أنه صار ملوثا فساء تصوره عن نفسه وأنه لا يمكن أن يكون من الأطهار الأبرار فيستمر على الفاحشة والتلوث فالله سبحانه وتعالى يعده المغفرة وأن التطهير في قدرته والبدايات الجديدة متاحة . ويلزم منه أن تكون المغفرة معالجة للآثار النفسية للسقطات المخزية فالمغفرة حالة ولا تقتصر على كونها فعلا . كما قال الله تبارك وتعالى (أعد الله لهم مغفرة)
وهذا ملاحظ في كثير ممن تاب وصار من الدعاة والصالحين أن يكون شديد الإنكار والكراهية والمكافحة لما كان يفعله سابقا
ومما وقع لي في هذا المعنى أن أخا سألني عن منام رؤي فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأمر بضم رجل إلى أتباعه وكانوا يجلسون مكونين مربع ولا أذكر تعبير النبي صلى الله عليه وسلم لكن المعنى أنه وليهم ويحبهم .
وكان هذا الرجل لا يصلي مطلقا لسنوات . فسألني الأخ هل أخبره أم أم ذلك قد يجعله يغتر . فقلت له المنام جاء من الله تبارك وتعالى ليخبر به صاحب الشأن . فبلغه المنام فحدث أن الرجل استقام على الصلاة استقامة تعجب الناس لها.
فهذا وجه (ثم تاب عليهم ليتوبوا) أي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر توبته عليهم ومغفرته لهم ليستقيموا على الصلاح والأوبة
والله أعلم بالصواب

تعليقات
إرسال تعليق