#مثاني_القرآن_فيض
١- ﴿مَثَلُ الَّذينَ اتَّخَذوا مِن دونِ اللَّهِ أَولِياءَ كَمَثَلِ العَنكَبوتِ اتَّخَذَت بَيتًا وَإِنَّ أَوهَنَ البُيوتِ لَبَيتُ العَنكَبوتِ لَو كانوا يَعلَمونَإِنَّ اللَّهَ يَعلَمُ ما يَدعونَ مِن دونِهِ مِن شَيءٍ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُوَتِلكَ الأَمثالُ نَضرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعقِلُها إِلَّا العالِمونَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالأَرضَ بِالحَقِّ إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لِلمُؤمِنينَاتلُ ما أوحِيَ إِلَيكَ مِنَ الكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ وَلَذِكرُ اللَّهِ أَكبَرُ وَاللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعونَوَلا تُجادِلوا أَهلَ الكِتابِ إِلّا بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ إِلَّا الَّذينَ ظَلَموا مِنهُم وَقولوا آمَنّا بِالَّذي أُنزِلَ إِلَينا وَأُنزِلَ إِلَيكُم وَإِلهُنا وَإِلهُكُم واحِدٌ وَنَحنُ لَهُ مُسلِمونَ﴾ [العنكبوت: ٤١-٤٦]
٢- ﴿ثُمَّ جَعَلناكَ عَلى شَريعَةٍ مِنَ الأَمرِ فَاتَّبِعها وَلا تَتَّبِع أَهواءَ الَّذينَ لا يَعلَمونَإِنَّهُم لَن يُغنوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَإِنَّ الظّالِمينَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ المُتَّقينَهذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدًى وَرَحمَةٌ لِقَومٍ يوقِنونَأَم حَسِبَ الَّذينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحياهُم وَمَماتُهُم ساءَ ما يَحكُمونَوَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالأَرضَ بِالحَقِّ وَلِتُجزى كُلُّ نَفسٍ بِما كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمونَأَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمعِهِ وَقَلبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهديهِ مِن بَعدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرونَوَقالوا ما هِيَ إِلّا حَياتُنَا الدُّنيا نَموتُ وَنَحيا وَما يُهلِكُنا إِلَّا الدَّهرُ وَما لَهُم بِذلِكَ مِن عِلمٍ إِن هُم إِلّا يَظُنّونَ﴾ [الجاثية: ١٨-٢٤]
____________
● لم ترد جملة(خلق الله السماوات والأرض بالحق ) إلا في هذين الموضعين
والحق في الموضع الأول مضاد للباطل الزائف الهالك فهو بمعنى الثابت الحقيقي
وفي الثاني مضاد للعبث وعدم العدل
فهو بمعنى العدل والحكمة
● ففي الموضع الأول تركيز على الولاء والمودة الباطلة الضائعة التي لا تقوم على أساس متين . فذكر بيت العنكبوت بما فيه من وهن وسوء علاقات أسرية في حياة العنكبوت ثم ذكر الفحشاء وما فيها من مودة حراقة زائفة منقلبة مضرة مظلمة
وقد سبق في السورة ذكر قوم لوط وهلاكهم بعد مودتهم الفاحشة القبيحة
ومن قبل ذكرت قصة إبراهيم وفيها مع هذل الموضع ثنائية موحية لم تتكرر في السورة . فهنا (إن في ذلك لآية للمؤمنين) وهناك (لآيات لقوم يؤمنون)
﴿فَما كانَ جَوابَ قَومِهِ إِلّا أَن قالُوا اقتُلوهُ أَو حَرِّقوهُ فَأَنجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يُؤمِنونَوَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذتُم مِن دونِ اللَّهِ أَوثانًا مَوَدَّةَ بَينِكُم فِي الحَياةِ الدُّنيا ثُمَّ يَومَ القِيامَةِ يَكفُرُ بَعضُكُم بِبَعضٍ وَيَلعَنُ بَعضُكُم بَعضًا وَمَأواكُمُ النّارُ وَما لَكُم مِن ناصِرينَ﴾ [العنكبوت: ٢٤-٢٥]
فهذه قيمة الولاءات والمودات . نجاني الله من النار فأنا خليله تخللت قلبي محبته وأنتم لكم النار ولمودتكم الهلاك والتقطع والإنقلاب . وفيه إشارة للتناسب بين حب الله تعالى وبرد القلب وسلامته من إهلاك اللهب والحرائق لخصائصه والبعد عن خصائص اللهب من الإندفاع والهيجان . وإن وقع بعض البلاء لمحب الله تعالى
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دونِ اللَّهِ أَندادًا يُحِبّونَهُم كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذينَ آمَنوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَو يَرَى الَّذينَ ظَلَموا إِذ يَرَونَ العَذابَ أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَميعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَديدُ العَذابِإِذ تَبَرَّأَ الَّذينَ اتُّبِعوا مِنَ الَّذينَ اتَّبَعوا وَرَأَوُا العَذابَ وَتَقَطَّعَت بِهِمُ الأَسبابُوَقالَ الَّذينَ اتَّبَعوا لَو أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنهُم كَما تَبَرَّءوا مِنّا كَذلِكَ يُريهِمُ اللَّهُ أَعمالَهُم حَسَراتٍ عَلَيهِم وَما هُم بِخارِجينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٥-١٦٧]
وذكرت الآيات الصلاة كمضاد للفحشاء إذا الصلاة تستغرق كيان المصلي كما تستغرق الفحشاء كيان الزاني .
كما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع قالَ:( اللَّهُمَّ لكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي وَعَصَبِي)
أما مضادتها للمنكر وهو الشاذ مضاد المعروف فمن حيث الحسن والاصطفاف . فاصطفاف الصفوف في الصلاة من أهم الأمور في صلاة الجماعة . والتعبير بقول (أقم الصلاة) يوحي بذلك .وقول الله تعالى (والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه )
وفي حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد قال (اللَّهُمَّ لكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ )
وعن العلاقة بين توجيه الوجه لله وحسن الأخلاق جاء في أول الحديث (كانَ إذَا قَامَ إلى الصَّلَاةِ، قالَ: وَجَّهْتُ وَجْهي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا، وَما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لا شَرِيكَ له، وَبِذلكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بذَنْبِي، فَاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأخْلَاقِ، لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ )
ونظيره في القرآن الكريم (قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين )
وذكرت الآية (ولذكر الله أكبر) أي أن الفائدة الوجودية من ذكر الله في الصلاة والتحقق بذلك الذكر أكبر من الفائدة الوجودية في النهي عن عدمية الفحشاء والمنكر .
ثم ذكرت الآية التالية حسنا آخر يبتعد به صاحبه سوء الاختلاف ونكيره . وهو الإحسان في مجادلة أهل الكتاب .
ونصت على صورة من ذلك الإحسان وهو قبول ما عندهم من الحق وعدم إنكاره وعدم التفريق بين المتماثل على غير أساس (وَقولوا آمَنّا بِالَّذي أُنزِلَ إِلَينا وَأُنزِلَ إِلَيكُم وَإِلهُنا وَإِلهُكُم واحِدٌ )
والتسوية بين المختلفين منكر كما جاء في وصف الظهار (الذين يظاهرون من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا )
وعلاقة عدم الاختلاف بالصلاة جاء في قول الله تبارك وتعالى﴿مُنيبينَ إِلَيهِ وَاتَّقوهُ وَأَقيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكونوا مِنَ المُشرِكينَمِنَ الَّذينَ فَرَّقوا دينَهُم وَكانوا شِيَعًا كُلُّ حِزبٍ بِما لَدَيهِم فَرِحونَ﴾ [الروم: ٣١-٣٢]
وفي الحديث الشريف عن عدم الاختلاف في تسوية الصفوف في الصلاة (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم )
ولا يخفى أن باطن ذلك كله هو توحيد الله تبارك وتعالى فتوحيد الحق سبحانه هو أحسن الحسن ومنه الحسن كله
﴿وَمَن أَحسَنُ دينًا مِمَّن أَسلَمَ وَجهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبراهيمَ حَنيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبراهيمَ خَليلًا﴾ [النساء: ١٢٥]
وقد جاء التعبير عن ذلك بلفظ له خصوصية بالزهو والجمال وهو لفظ "صبغة"
﴿صِبغَةَ اللَّهِ وَمَن أَحسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبغَةً وَنَحنُ لَهُ عابِدونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]
صبغني الله وإياك من عنده صبغة حسن لا تزول أبدا الآبدين .
● بداية الموضع الثاني فيها ذكر الاختلاف بين أهل الكتاب . وهي مضادة لنهاية الوارد الذي اخترته في الموضع الأول . مضادة بالغة .. فبينما يؤمر المسلم بعدم مخالفة أهل الكتاب في الحق الذي عندهم تخبرنا الآية هنا باختلافهم فيما بينهم
ومن التسوية المنكرة القبيحة القول بعدم وجود يوم القيامة لأن معناه استواء الصالح بالفاسد في النهاية وتعقب الآية على ذلك (ساء ما يحكمون)
ثم هو بالإضافة لذلك السوء عبث إذ هو خلق خلق عظيم ثم إهلاكه بلا فائدة ولا غرض ولا حكمة ولذلك جاء التعبير بالعطف (وخلق الله السماوات والأرض بالحق )
ومن التشابه بين الموضعين ذكر الولاء الباطل وأنه لن ينفع (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) وذكر الزيف غير الحقيقي حيث تكرر هنا ذكر اتباع الأهواء وما تنشؤه من أباطيل
وفي السورة جاء بعدها بآيتين ﴿وَلِلَّهِ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَيَومَ تَقومُ السّاعَةُ يَومَئِذٍ يَخسَرُ المُبطِلونَ﴾ [الجاثية: ٢٧]
أما في سورة العنكبوت فقد جاء بعد ذلك الموضع الذي اخترته بخمس آيات ذكر خسارة المبطلون ﴿قُل كَفى بِاللَّهِ بَيني وَبَينَكُم شَهيدًا يَعلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَالَّذينَ آمَنوا بِالباطِلِ وَكَفَروا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الخاسِرونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢]
والله أعلم

تعليقات
إرسال تعليق