#مثاني_القرآن_فيض
١- ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبينوكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ [الأنعام: ٧٤-٧٥]
٢-﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدونوكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدونقال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرونفانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبينوإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدونإلا الذي فطرني فإنه سيهدينوجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ [الزخرف: ٢٢-٢٨]
___ __ __ ___ __ __ ___
● لم ترد جملة(قال إبراهيم لأبيه) إلا في هذين الموضعين
● سياق الموضع الأول عن إنكار التقدير الخاطئ للمخلوقات سواء الأصنام بجعلها آلهة أو ملكوت السماوات والأرض بجعله عبثية لا حكمة وراءها ولا بعث ولا نشور .
كما جاء بعد قصة إبراهيم عليه السلام بآيات (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء)
وقد أنكر إبراهيم عليه السلام اتخاذ الأصنام آلهة ففتح له ملكوت السماوات والأرض
والتضاد بين عبادة المخلوق وملكوت السماوات والأرض يظهر من حيث
- الضيق : فيتسع الغرض من الخلق والزوجات والذرية بتذكر الآخرة ووسعها ومن قبل ذلك لقاء الله تبارك وتعالى
بينما كل ذلك لا وجود له في عبادة الأصنام
وتتسع الأخوة البشرية من حيث شمول المنهج بينما تتمزق تلك الأخوة بتعدد آلهة كل طائفة
وتتسع الأخوة الإيمانية مع الملائكة والجن والحور العين بينما لا وجود لذلك عند عبدة المخلوقات
وقد وسع الله لإبراهيم في ذريته كما جاء في الآيات بعد ذلك
﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنينوزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحينوإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمينومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٨٤-٨٧]
وبطبيعة الحال فهذا الوسع مبني على توسيع شعور الأبوة في قلبه
فلما قال له ربه (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي) ودعا (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) وخاطب الله العرب قائلا (ملة أبيكم إبراهيم)
ثم دعا لكل المؤمنين ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾ [إبراهيم: ٤١]
- ومن حيث الهداية والطريق السالك المفهوم . فقال عن نفسه (حنيفا) أي مائلا إلى غرض واحد تنتظم فيه تنوعات ومفردات الحياة . فالحنف في اللغة الميل
بينما سبق قول الله تبارك وتعالى عن عابد المخلوقات
﴿قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمينوأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرونوهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير﴾ [الأنعام: ٧١-٧٣]
وكلمة "حيران" من فرائد القرآن الكريم
فعبدة الذات والمخلوقات لا يمتلكون أغراضا صالحة حكيمة للحياة
- ومن حيث الأمن في الحال والمآل : والأمن يظهر في دورات الفلك والخلق الثابتة كما قال تعالى (والسماء رفعها ووضع الميزان)
وأول الأمن وأهمه أن لا تشعر الأمة أن الله خالق هذا الملكوت ومدبره عليها وإنما هو معها. حيث قال إبراهيم عليه السلام
﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمونالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨١-٨٢]
فتوحيد الله هو منبع الأمن بأنواعه
وقبل قصة إبراهيم عليه السلام بتسع آيات جاء قول الله تبارك وتعالى
﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾ [الأنعام: ٦٥]
و حول هذا المعنى عموما جاء قول الله تبارك وتعالى
﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيبولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديدأن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصيرولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير﴾ [سبأ: ٩-١٢]
فذكر عدم الأمان في السماء والأرض إلا بالله ثم ذكر خضوع الجبال في الأرض والطير في السماء لداوود المنيب عليه السلام وثبات نظام الغدو والرواح لسليمان عليه السلام
ثم بعد قصة داوود وسليمان جاءت قصة سبأ وفيها
﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنينفقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ [سبأ: ١٨-١٩]
فذكر رحلتهم الآمنة المقدرة كما ذكر رحلة سليمان عليه السلام
وعن رحلة قريش
﴿لإيلاف قريشإيلافهم رحلة الشتاء والصيففليعبدوا رب هذا البيتالذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ [قريش: ١-٤]
ونظيره قول الله تبارك وتعالى
﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبونأفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمونأوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبونأفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرونأولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون﴾ [الأعراف: ٩٦-١٠٠]
ومن الضلالات الشائعة ما يشاع عن كواكب ستضرب الأرض من الفضاء والمذنبات القادمة التي تلاشتها الأرض بأعجوبة .. والجفاف القادم وحروب المياه ومخلوقات الأطباق الطائرة التي تراقب الأرض ومخلوقات جوف الأرض التي قد تخرج وغير ذلك من التفزيعات
● الموضع الثاني عن التقدير الصحيح للذات . فبينما قال إبراهيم عليه السلام في الموضع الأول (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض)
قال في الثاني (إلا الذي فطرني فإنه سيهدين)
فهو ليس عبدا للآباء وهم لم يخلقوه .. هم أداة لوجوده وخالقهم وخالقه هو الله . وهم ليسوا الهداة . انتماؤه لله الذي خلقه أولا قبل أن يكون لآبائه .فإذا هم قالوا عن آبائهم (إنا على آثارهم مهتدون) فهو يقول الذي فطرني هو الذي سيهديني وأنا على هداه
لكن ذلك لا يمنع أن يكون الأب الموحد علما لهداية عقبه من بعده
ذلك لا يمنع أن نعتبر ونقدر الطبيعة البشرية في محبة الآباء ومحبة الاقتداء بهم
(وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون)
وقد اتخذه عقبه قدوة
﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمونأم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٢-١٣٣]
وقال يوسف عليه السلام
﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ [يوسف: ٣٨]
وقد أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يعلن اتباعه لملة إبراهيم حنيفا
وفي صحيح البخاري
(كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ، ويقولُ: إنَّ أَبَاكُما كانَ يُعَوِّذُ بهَا إسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِن كُلِّ شيطَانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ)
والله أعلم

تعليقات
إرسال تعليق