الغيبة تؤثر في الميل للفواحش وتضعف مقاومتها لأنها توازي وتساوي أكل لحم حرام كما جاء في سورة الحجرات
﴿.... وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يَأكُلَ لَحمَ أَخيهِ مَيتًا فَكَرِهتُموهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]
وأكل الحرام مؤثر في المسألة الجنسية كما قال الله تبارك وتعالى(فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما) طه
أما أكل الميت تحديدا وهو الذي شبهت به الغيبة فقد ورد فيه قول الله تبارك وتعالى
﴿وَما لَكُم أَلّا تَأكُلوا مِمّا ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَقَد فَصَّلَ لَكُم ما حَرَّمَ عَلَيكُم إِلّا مَا اضطُرِرتُم إِلَيهِ وَإِنَّ كَثيرًا لَيُضِلّونَ بِأَهوائِهِم بِغَيرِ عِلمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِالمُعتَدينَوَذَروا ظاهِرَ الإِثمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذينَ يَكسِبونَ الإِثمَ سَيُجزَونَ بِما كانوا يَقتَرِفونَوَلا تَأكُلوا مِمّا لَم يُذكَرِ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَفِسقٌ وَإِنَّ الشَّياطينَ لَيوحونَ إِلى أَولِيائِهِم لِيُجادِلوكُم وَإِن أَطَعتُموهُم إِنَّكُم لَمُشرِكونَ﴾ [الأنعام: ١١٩-١٢١]
فاليهود جادلوا المسلمين في تحريم أكل الميتة وقالوا مستنكرين أنأكل ذبيحتنا ولا نأكل ذبيحة الله . فلم يجادلهم القرآن الكريم وإنما أخبر أن طاعتهم شرك بالله عز وجل وأكد وصف الإشراك بمؤكدين هما (إنّ) ولام التوكيد . وهذه الآية مسبوقة بآية الأمر بترك ظاهر الإثم وباطنه وهي مسبوقة بالأمر بالأكل مما أحل الله ووجوب عدم تحريمه . أي أنها توسطت قضية أكل الحلال وأكل الحرام فلا يصح أن تفصل بين الآيتين دون ارتباط وظاهر الإثم وباطنه عامان في سره وعلانيته لكن خصهما بعض السلف بالفواحش
قال الطبري
(ﻋَﻦْ ﺳَﻌِﻴﺪِ ﺑْﻦِ ﺟُﺒَﻴْﺮٍ، ﻓِﻲ ﻗَﻮْﻟِﻪِ: {ﻭَﺫَﺭُﻭا ﻇﺎﻫﺮ اﻹﺛﻢ ﻭَﺑَﺎﻃِﻨَﻪُ}
[ اﻷﻧﻌﺎﻡ: 120]
ﻗَﺎﻝَ: الظاهر ﻣِﻨْﻪُ: {ﻻَ ﺗَﻨْﻜِﺤُﻮا ﻣَﺎ ﻧَﻜَﺢَ ﺁﺑَﺎﺅُﻛُﻢْ ﻣِﻦَ اﻟﻨِّﺴَﺎءِ ﺇِﻻَّ ﻣَﺎ ﻗَﺪْ ﺳَﻠَﻒَ}
[ اﻟﻨﺴﺎء: 22]
، ﻭَاﻷُْﻣُّﻬَﺎﺕِ، ﻭَاﻟْﺒَﻨَﺎﺕِ، ﻭَاﻷَْﺧَﻮَاﺕِ. ﻭَاﻟْﺒَﺎﻃِﻦُ: اﻟﺰِّﻧَﺎ ﻭَﻗَﺎﻝَ ﺁﺧَﺮُﻭﻥَ: الظاهر: ﺃُﻭﻻَﺕِ اﻟﺮَّاﻳَﺎﺕِ ﻣِﻦَ اﻟﺰَّﻭَاﻧِﻲ، ﻭَاﻟْﺒَﺎﻃِﻦُ: ﺫَﻭَاﺕُ اﻷَْﺧْﺪَاﻥِ )
ثم قال (ﻋَﻦِ اﻟﺴُّﺪِّﻱِّ: {ﻭَﺫَﺭُﻭا ﻇﺎﻫﺮ اﻹﺛﻢ ﻭَﺑَﺎﻃِﻨَﻪُ}
[ اﻷﻧﻌﺎﻡ: 120]
" ﺃَﻣَﺎ ﻇﺎﻫﺮه : ﻓَﺎﻟﺰَّﻭَاﻧِﻲ ﻓِﻲ اﻟْﺤَﻮَاﻧِﻴﺖِ. ﻭَﺃَﻣَّﺎ ﺑَﺎﻃِﻨُﻪُ: ﻓَﺎﻟﺼَّﺪِﻳﻘَﺔُ ﻳَﺘَّﺨِﺬُﻫَﺎ اﻟﺮَّﺟُﻞُ ﻓَﻴَﺄْﺗِﻴﻬَﺎ ﺳِﺮًّا ")
وقد اعترض البعض على تلك الروايات بأن لا وجه للتخصيص وقولهم فيه غفلة .
فلو قالوا بالعموم مع مزيد العناية بالنهي عن الفواحش لكان أوفق خاصة مع قول الله تبارك وتعالى(قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) مقابلا لعدم تحريم الأكل واللباس الحلال . ومع ورود الارتباط بين أكل الحرام والحلال والفواحش في غير موضع من كتاب الله جل شأنه
فقد ذكرت موضع سورة طه
وفي سورة البقرة
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلوا مِمّا فِي الأَرضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشَّيطانِ إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبينٌإِنَّما يَأمُرُكُم بِالسّوءِ وَالفَحشاءِ وَأَن تَقولوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعلَمونَ﴾ [البقرة: ١٦٨-١٦٩]
ومثله في سورة الأعراف ﴿يا بَني آدَمَ خُذوا زينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ وَكُلوا وَاشرَبوا وَلا تُسرِفوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفينَقُل مَن حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ قُل هِيَ لِلَّذينَ آمَنوا فِي الحَياةِ الدُّنيا خالِصَةً يَومَ القِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعلَمونَقُل إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وَما بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغيَ بِغَيرِ الحَقِّ وَأَن تُشرِكوا بِاللَّهِ ما لَم يُنَزِّل بِهِ سُلطانًا وَأَن تَقولوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعلَمونَ﴾ [الأعراف: ٣١-٣٣]
فنرى في الموضعين اقتران قضية الأكل بقضية الفواحش بقضية القول على الله بغير علم
وهذا يوضح لنا كلمة (وذروا) التي وردت في القرآن الكريم أربع مرات
١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَروا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِن كُنتُم مُؤمِنينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ففيها النهي عن أكل المال الحرام
٢- ﴿وَذَروا ظاهِرَ الإِثمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذينَ يَكسِبونَ الإِثمَ سَيُجزَونَ بِما كانوا يَقتَرِفونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠] وهي الآية محل نقاشنا
٣- ﴿وَلِلَّهِ الأَسماءُ الحُسنى فَادعوهُ بِها وَذَرُوا الَّذينَ يُلحِدونَ في أَسمائِهِ سَيُجزَونَ ما كانوا يَعمَلونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]
وفيها النهي عن القول على الله بغير علم
٤- ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا نودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلى ذِكرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيعَ ذلِكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمونَ﴾ [الجمعة: ٩]
وفيها تحريم البيع وقت الجمعة كتحريم الربا في سورة البقرة
فتحصل النهي عن أكل الحرام وعن القول على الله بغير علم في المواضع الثلاثة فبقي النهي عن الفواحش فيلزم من إحكام الكتاب الحكيم أن يكون الموضع الرابع عن ذلك النهي .
ومما يستفاد من هذا التأني والتحوط عند استغراب نص وارد عن التابعين في التفسير وفي الدين عموما
والله أعلم بالصواب

تعليقات
إرسال تعليق