قال الشيخ عبد القادر الجيلاني:
لا تقولن يافقير اليد ، بامولى عنه الدنيا وأبناؤها ، ياخامل الذكر بين ملوك الدنيا وأربابها ، ياجائع يا نايع ياعريان الجسد ياظمآن الكبد با مشتتا في كل زاوية من الأرض من مسجد و بقاع خراب ، ومردودا من كل باب ، ومدفوعا عن كل مراد ، ومنكسرا ومزدحما في قلبه كل حاجة ومرام إن الله تعالى أفقرني وذوى عنى الدنيا وغرنى ، وتركني وقلاني وفرقني ولم يجمعنى وأهاننى ولم يعطني من الدنيا كفاية ، وأخملني ولم يرفع ذكرى بين الخليقة وإخواني ، وأسبل على غيرى نعمة منه سابغة يتقلب فيها في ليله ونهاره ، وفضله على وعلى أهل ديارى وكلانا مسلمان مؤمنان ويجمعنا أبونا آدم وأمنا حواء عليهما السلام ، أما أنت فقد فعل الله ذلك بك ، لأن طينتك حرة وندى رحمة الله متدارك عليك من الصبر والرضا واليقين والموافقة والعلم. وأنوار الإيمان و التوحيد متراكم لديك ، فشجرة إيمانك وغرسها و بذرها ثابتة مكينة مورقة مثمرة متزايدة منشعبة غضة مظللة متفرعة ، فهي كل يوم في زيادة ونمو ، فلا حاجة بها إلى سباطة وعلف لتنمى بها وتربى ، وقد فرغ الله عز وجل من أمرك على ذلك ، وأعطاك في الآخرة دار البقاء وخولك فيها ، وأجزل عطاءك في العقبى مما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . قال الله تعالى ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) أي ماعملوا في الدنيا من أداء الأوامر ، والصبر على ترك المناهي ، والتسليم والتفويض إليه في المقدور ، والموافقة له في جميع الأمور . وأما الغير الذي أعطاه الله عز وجل الدنيا وخوله ونعمه بها وأسبغ عليه فضله
فعل به ذلك ، لأن محل إيمانه أرض سبخة وصخر لايكاد يثبت فيها الماء وتنبت فيها الأشجار ، ويتربى فيها الزرع والثمار فصب عليها أنواع سباطه وغيرها مما يربى به النبات والأشجار ، وهي الدنيا وحطامها ليحفظ بها ما أنبت فيها من شجرة الإيمان وغرس الأعمال ، فلو قطع ذلك عنها لجف النبات والأشجار ، وانقطعت الثمار، فخربت الديار ، وهو عز وجل مريد عمارتها ، فشجرة إيمان الغنى ضعيفة المنبت وخال عما هو مشحون به منبت شجرة إيمانك يا فقير ، فقوتها وبقاؤها بما ترى عنده من الدنيا وأنواع النعيم ، فلو قطع ذلك عنه مع ضعف الشجرة جفت ، فكان كفرا وجحودا وإلحاقا بالمنافقين والمرتدين والكفار ، اللهم إلا أن يبعث الله عز وجل إلى الغنى عساكر الصبر والرضا واليقين والتوفيق والعلم وأنواع المعارف فيتقوى الإيمان بها فحينئذ لايبالى بانقطاع الغنى والنعيم ، والله الهادى الموفق .
_____
ويقول :
(الشيخ الجيلاني :
فإذا جاء نهيه عز وجل فكن كأنك مسترخي المفاصل ، مسكن الحواس ، مضيق الذرع ، متماوت الجسد زائل القوى ، منطمس الوسوم ، منمحى الرسوم، منسي الأثر مظلم القنا ، متهدم البناء ، خاوى البيت ساقط العرش ، لاحس ولا أثر فليكن سمعك كأنه أصم وعلى ذلك مخلوق وبصرك كانه معصب أو مرمود أو مطموس وشفتاك كأن بهما قرحة وبثورا ، ولسانك كان به خرسا وكلولا وأسنانك كان بهما ضربانا وألما نشورا ، ويداك كان بهما شللا وعن البطش قصورا ورجلاك كأن بهما رعدة وارتعاشا وجروحا ، وفرجك كأن به عنة وبغير ذلك الشأن مشغولا ، وبطنك كان به امتلاء وارتواء وعن الطعام غنىً ، وعقلك كأنك مجنون ومخبول وجسدك كأنك ميت وإلى القبر محمول ، ، فالتسامع والتسارع في الأمر ، والتقاعد والتجاعد والتقاصر في النهي ، والتماوت والتعادم والتفاني في القدر ، فاشرب هذه الشربة ، وتداو بهذا الدواء ، وتغذ بهذا الغذاء تنجح وتشفى • وتمان من أمراض القلوب وعلل الأهواء ، بإذن الله تعالى إن شاء الله .
___________
هذا رابط لباقي القطوف (اضغط في الأسفل )

تعليقات
إرسال تعليق