💎
ﻗﻮل الله ﻋﺰ ﻭﺟﻞ: (ﻣَﺎ ﻳَﻔْﻌَﻞُ اﻟﻠﻪ ﺑِﻌَﺬَاﺑِﻜُﻢْ ﺇِﻥْ ﺷَﻜَﺮْﺗُﻢْ ﻭَﺁﻣَﻨْﺘُﻢْ ﻭﻛﺎﻥ اﻟﻠَّﻪُ ﺷﺎﻛﺮا ﻋَﻠِﻴﻤًﺎ) [ النساء:١٤٧]
في الآية ثلاث مسائل:
¤ الأولى: علو الله عن فعل لا حكمة فيه إذ لا معنى لتعذيب المحسن أو تعذيب من لا يستحق التعذيب .. وهو في البشر لا يكون إلا عن ظلم أو عجز عن الوصول للغرض إلا بالتعذيب . أو سادية ومرض أو لهو ذميم
قال الراغب الأصبهاني:
(ﺃﻱ ﺗﻌﺎﻟﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻦ ﻋﺬاﺑﻜﻢ ﻓﻼ ﻳﻌﺬﺑﻜﻢ ﺇﺫا ﻋﺮﻓﺘﻢ ﻭﻭﻓﻴﺘﻢ حقه)
وقال الزمخشري:
((ﻣﺎ ﻳَﻔْﻌَﻞُ اﻟﻠَّﻪُ ﺑِﻌَﺬاﺑِﻜُﻢْ ﺃﻳﺘﺸﻔﻰ ﺑﻪ ﻣﻦ اﻟﻐﻴﻆ، ﺃﻡ ﻳﺪﺭﻙ ﺑﻪ اﻟﺜﺎﺭ، ﺃﻡ ﻳﺴﺘﺠﻠﺐ ﺑﻪ ﻧﻔﻌﺎً، ﺃﻡ ﻳﺴﺘﺪﻓﻊ ﺑﻪ ﺿﺮﺭاً ﻛﻤﺎ ﻳﻔﻌﻞ اﻟﻤﻠﻮﻙ ﺑﻌﺬاﺑﻬﻢ، ﻭﻫﻮ اﻟﻐﻨﻰّ اﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﻲء ﻣﻦ ﺫﻟﻚ. ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺃﻣﺮ ﺃﻭﺟﺒﺘﻪ اﻟﺤﻜﻤﺔ ﺃﻥ ﻳﻌﺎﻗﺐ اﻟﻤﺴﻲء، ﻓﺈﻥ ﻗﻤﺘﻢ ﺑﺸﻜﺮ ﻧﻌﻤﺘﻪ ﻭﺁﻣﻨﺘﻢ ﺑﻪ ﻓﻘﺪ ﺃﺑﻌﺪﺗﻢ ﻋﻦ ﺃﻧﻔﺴﻜﻢ اﺳﺘﺤﻘﺎﻕ اﻟﻌﺬاﺏ))
وقال صاحب الظلال:
((ﻧﻌﻢ! ﻣﺎ ﻳﻔﻌﻞ اﻟﻠﻪ ﺑﻌﺬاﺑﻜﻢ- ﺇﻥ ﺷﻜﺮﺗﻢ ﻭﺁﻣﻨﺘﻢ؟ ﺇﻥ ﻋﺬاﺑﻪ ﻟﺠﺰاء ﻋﻠﻰ اﻟﺠﺤﻮﺩ ﻭاﻟﻜﻔﺮاﻥ ﻭﺗﻬﺪﻳﺪ ﻟﻌﻠﻪ ﻳﻘﻮﺩ ﺇﻟﻰ اﻟﺸﻜﺮ ﻭاﻹﻳﻤﺎﻥ.. ﺇﻧﻬﺎ ﻟﻴﺴﺖ ﺷﻬﻮﺓ اﻟﺘﻌﺬﻳﺐ، ﻭﻻ ﺭﻏﺒﺔ اﻟﺘﻨﻜﻴﻞ ﻭﻻ اﻟﺘﺬاﺫ اﻵﻻﻡ، ﻭﻻ ﺇﻇﻬﺎﺭ اﻟﺒﻄﺶ ﻭاﻟﺴﻠﻄﺎﻥ.. ﺗﻌﺎﻟﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﻛﻠﻪ ﻋﻠﻮاً ﻛﺒﻴﺮاً.. ﻓﻤﺘﻰ اﺗﻘﻴﺘﻢ ﺑﺎﻟﺸﻜﺮ ﻭاﻹﻳﻤﺎﻥ ﻓﻬﻨﺎﻟﻚ اﻟﻐﻔﺮاﻥ ﻭاﻟﺮﺿﻮاﻥ.
ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺷﻜﺮ اﻟﻠﻪ- ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ- ﻟﻌﺒﺪﻩ. ﻭﻋﻠﻤﻪ- ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ- ﺑﻌﺒﺪﻩ))
¤ الثانية: سر تقديم الشكر على الإيمان أن اجتماع الإنعام مع الإيلام تناقض غير سائغ لا يرفعه إلا عدم الشكر فإن حلّ النكران والكفران مكان الشكر كان التعذيب من المنعم سائغا، والإيمان بدون شكر لا يمنع وجاهة التعذيب بعد الإنعام .. والآية تسأل سؤالا تستنكر فيه وجود وجه سائغ لتعذيب الشاكر وتقرر أن التعذيب حينئذ لا يناسب جلال الله تباركت أسماؤه
وقال الراغب الأصبهاني:
(ﺇﻥ ﻗﻴﻞ: ﻟﻢ ﺃﺧﺮ اﻹﻳﻤﺎﻥ ﻋﻦ اﻟﺸﻜﺮ؟
ﻗﻴﻞ: ﻷﻧﻪ ﻋﻨﻲ ﺑﻪ ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﻨﻌﻤﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﺘﻮﺻﻞ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ المنعم،
ﻭﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﻤﻨﻌﻢ ﻫﻲ اﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻓﺈﺫا اﻟﺸﻜﺮ ﻋﻠﻰ ﻫﺬا اﻟﻮﺟﻪ ﻣﻘﺪﻡ ﻋﻠﻰ اﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻷﻧﻪ ﺃﺭﻓﻊ ﻣﻨﻪ ﻭﻫﻮ ﻻ ﻳﻨﻔﻚ ﻋﻦ اﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭاﻹﻳﻤﺎﻥ ﻗﺪ ﻳﻨﻔﻚ ﻋﻨﻪ)
وقال الزمخشري:
((ﻓﺈﻥ ﻗﻠﺖ: ﻟﻢ ﻗﺪﻡ اﻟﺸﻜﺮ ﻋﻠﻰ اﻹﻳﻤﺎﻥ؟ ﻗﻠﺖ: ﻷﻥ اﻟﻌﺎﻗﻞ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ اﻟﻨﻌﻤﺔ اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻓﻲ ﺧﻠﻘﻪ ﻭﺗﻌﺮﻳﻀﻪ ﻟﻠﻤﻨﺎﻓﻊ، ﻓﻴﺸﻜﺮ ﺷﻜﺮاً ﻣﺒﻬﻤﺎ، ﻓﺈﺫا اﻧﺘﻬﻰ ﺑﻪ اﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﻤﻨﻌﻢ ﺁﻣﻦ ﺑﻪ ﺛﻢ ﺷﻜﺮ ﺷﻜﺮاً ﻣﻔﺼﻼ، ﻓﻜﺎﻥ اﻟﺸﻜﺮ ﻣﺘﻘﺪﻣﺎ ﻋﻠﻰ اﻻﻳﻤﺎﻥ، ﻭﻛﺄﻧﻪ ﺃﺻﻞ اﻟﺘﻜﻠﻴﻒ ﻭﻣﺪاﺭﻩ)) ويرد فكرة الشكر المبهم هذه ما ذكره الأصبهاني من أن الشكر لا ينفك عن إيمان والمقصود زيادة معرفة المنعم وتحقق توحيده والبراءة من الطاغوت والأنداد
¤ الثالثة: سر ذكر اسم الله "الشاكر" مقابلة للشكر من الناس ، وهو لوجهين:
الأول: أن الشكر صفته وهو يحب صفاته العلية الجميلة ويعظمها فمن اتصف بها من البشر على قدر طاقته أو فعل ما تقتضيها كان حريّا بمحبته وإعزازه وكرمه
الثاني: أن الله تبارك وتعالى يشكر شكر الشاكرين .. فهو ينعم ثم يشكر من شكر نعمته .. وفيه الرفق بضعف البشر وضآلة حالهم ورأفة الله تبارك وتعالى .
قال الراغب الأصبهاني
((ﻭﻭﺻﻔﻪ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺎﻟﺸﻜﺮ ﺗﻨﺒﻴﻬﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﻘﺎﺑﻠﻬﻢ ﺑﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻨﻬﻢ، ﻓﻘﺪ ﺗﻘﺪﻡ ﺃﻥ اﻟﺸﻜﺮ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ اﻟﻤﻮﻟﻰ ﻟﻠﻌﺒﺪ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﻣﻘﺎﺑﻠﺘﻪ ﺑﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺧﺪﻣﺘﻪ))
وقال صاحب الظلال:
((ﻭﺷﻜﺮ اﻟﻠﻪ- ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ- ﻟﻠﻌﺒﺪ، ﻳﻠﻤﺲ اﻟﻘﻠﺐ ﻟﻤﺴﺔ ﺭﻓﻴﻘﺔ ﻋﻤﻴﻘﺔ.. ﺇﻧﻪ ﻣﻌﻠﻮﻡ ﺃﻥ اﻟﺸﻜﺮ ﻣﻦ اﻟﻠﻪ- ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ- ﻣﻌﻨﺎﻩ اﻟﺮﺿﻰ، ﻭﻣﻌﻨﺎﻩ ﻣﺎ ﻳﻼﺯﻡ اﻟﺮﺿﻰ ﻣﻦ اﻟﺜﻮاﺏ.. ﻭﻟﻜﻦ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﺑﺄﻥ اﻟﻠﻪ- ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ- ﺷﺎﻛﺮ.. ﺗﻌﺒﻴﺮ ﻋﻤﻴﻖ اﻹﻳﺤﺎء! ﻭﺇﺫا ﻛﺎﻥ اﻟﺨﺎﻟﻖ اﻟﻤﻨﺸﺊ، اﻟﻤﻨﻌﻢ اﻟﻤﺘﻔﻀﻞ، اﻟﻐﻨﻲ ﻋﻦ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ.. ﻳﺸﻜﺮ ﻟﻌﺒﺎﺩﻩ ﺻﻼﺣﻬﻢ ﻭﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ ﻭﺷﻜﺮﻫﻢ ﻭاﻣﺘﻨﺎﻧﻬﻢ.. ﻭﻫﻮ ﻏﻨﻲ ﻋﻨﻬﻢ ﻭﻋﻦ ﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ ﻭﻋﻦ ﺷﻜﺮﻫﻢ ﻭاﻣﺘﻨﺎﻧﻬﻢ.. ﺇﺫا ﻛﺎﻥ اﻟﺨﺎﻟﻖ اﻟﻤﻨﺸﺊ، اﻟﻤﻨﻌﻢ اﻟﻤﺘﻔﻀﻞ، اﻟﻐﻨﻲ ﻋﻦ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ ﻳﺸﻜﺮ.. ﻓﻤﺎﺫا ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻠﻌﺒﺎﺩ اﻟﻤﺨﻠﻮﻗﻴﻦ اﻟﻤﺤﺪﺛﻴﻦ اﻟﻤﻐﻤﻮﺭﻳﻦ ﺑﻨﻌﻤﺔ اﻟﻠﻪ.. ﺗﺠﺎﻩ اﻟﺨﺎﻟﻖ اﻟﺮاﺯﻕ اﻟﻤﻨﻌﻢ اﻟﻤﺘﻔﻀﻞ اﻟﻜﺮﻳﻢ؟! ﺃﻻ ﺇﻧﻬﺎ اﻟﻠﻤﺴﺔ اﻟﺮﻓﻴﻘﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﻨﺘﻔﺾ ﻟﻬﺎ اﻟﻘﻠﺐ ﻭﻳﺨﺠﻞ ﻭﻳﺴﺘﺠﻴﺐ.
ﺃﻻ ﺇﻧﻬﺎ اﻹﺷﺎﺭﺓ اﻟﻤﻨﻴﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺎﻟﻢ اﻟﻄﺮﻳﻖ.. اﻟﻄﺮﻳﻖ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ اﻟﻮاﻫﺐ اﻟﻤﻨﻌﻢ، اﻟﺸﺎﻛﺮ اﻟﻌﻠﻴﻢ))

تعليقات
إرسال تعليق