التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحسان والانتقام

 💎

﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين۝الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين۝والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون۝أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٦]

___ __ __ ___ __ __ ___ 

¤ تقدم ذكر المغفرة ذكر الجنات لوضر الذنوب المانع من التنعم فلا يستقيم في شعور المرء صفاء التنعم مع بقاء أثر الذنوب .. والمغفرة تشتمل على أمرين :

الأول عدم المعاقبة والثاني تغطية موضعه في النفس بإصلاح وحسن . 

روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه (( أنَّ الطُّفَيْلَ بنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أتى النبيَّ ﷺ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، هلْ لكَ في حِصْنٍ حَصِينٍ ومَنْعَةٍ؟ قالَ: حِصْنٌ كانَ لِدَوْسٍ في الجاهِلِيَّةِ، فأبى ذلكَ النبيُّ ﷺ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلأَنْصارِ، فَلَمّا هاجَرَ النبيُّ ﷺ إلى المَدِينَةِ، هاجَرَ إلَيْهِ الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو وهاجَرَ معهُ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فأخَذَ مَشاقِصَ له، فَقَطَعَ بها بَراجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَداهُ حتّى ماتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو في مَنامِهِ، فَرَآهُ وهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، ورَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فقالَ له: ما صَنَعَ بكَ رَبُّكَ؟ فقالَ: غَفَرَ لي بهِجْرَتي إلى نَبِيِّهِ ﷺ، فقالَ: ما لي أراكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قالَ: قيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ ما أفْسَدْتَ، فَقَصَّها الطُّفَيْلُ على رَسولِ اللهِ ﷺ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: اللَّهُمَّ ولِيَدَيْهِ فاغْفِرْ)) 

والشاهد أن الله غفر له مغفرة عامة تدخله الجنة وتنجيه من العذاب ، لكنه لم يصلح يديه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمغفرة أي بإصلاح اليدين .

وعن أهل الجنة يقول الحق سبحانه وتعالى:

﴿جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير۝وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾ [فاطر: ٣٣-٣٤]

قال عكرمة : حزن الذنوب والسيئات، وخوف رد الطاعات .

ويؤيد اختيار عكرمة التعقيب بذكر المغفرة والشكر

¤ الجامع بين الإنفاق وكظم الغيظ وعدم الانتقام والعفو  هو التنازل ، فالإنفاق تنازل عن ما يملك والعفو تنازل عن الحق . 

وعلى القول بأن المقصود بالفاحشة هو الزنا .. فإن التنازل فيه هو عدم الشح بأن يكون هناك جمال لا يناله 

وفي الجمع بين الإنفاق وعدم اقتراف الفاحشة يأتي قول الله تبارك وتعالى 

﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦٨]

والوعد بالفقر معناه الأمر بالبخل، يقول للمنفق لو أنفقت وتصدقت ستفتقر وتحتاج 

¤ أما الارتباط بين الانتقام والزنا .. فيأتي من فقدان الزنا لقيمة الحب ولأي قيمة معنوية أخرى تبرره .. فيأتي الانتقام من زوج المرأة ووليها كشعور حامل للتمتع بالزنى كمبرر نفسي وليس كمبرر أخلاقي .. بل هو أقوى مبرر على الإطلاق بتلبيسه معنى العدالة ونقصان حق الولي 

يقولون أن الزنا قد يكون وسيلة  للانتقام وهو قول خاطئ .. والصواب فيه 

أن شعور الانتقام وسيلة للزنا ، شعور الانتقام حصان نفسي ينتهزه المنحرف فيركبه ليحقق ما تعسر عليه من اللذة 

ويؤيد هذا المنحى ما جاء  في قصة  يوسف عليه السلام 

﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾ [يوسف: ٢٣]

فإحسان المثوى من العزيز واستشعار أن خيانة هذا المحسن ظلم سبب إنساني قوي لعدم اقتراف الفاحشة 

فيدل على إمكانية عكسه وهو أن ظلم الزوج وإساءته للمنحرف يعدان مبررا نفسيا لارتكاب الفاحشة .. خاصة وأن الانتقام يلبس ثوب العدالة 

فالعافون عن الناس أبعد عن الفواحش.. أما الظالمون  الذين يبتدؤون الظلم والقهر والإذلال طغيانا  ويتخذون ذلك منهاجا فهم أهل الفواحش الذين يستمتعون بالإذلال الجنسي وامتهان إيقاع النساء وقهرهن بالحيل وإشاعة الفاحشة في الناس  ولا يحتاجون لمبررات بل قلوبهم في غمرة من هذه القيم والجدليات شياطين في جثمان إنس

___ 

يقول آرثر ت. جيرسلد في كتاب "عندما يواجه المعلمون أنفسهم" وهو كتاب بحث ميداني شمل أكثر من ألف وثلاثين معلما ومعلمة وهو بطبيعة الحال لم يعتمد الفارق بين الحلال والحرام :

(إن الجنس يهئ  أ كمل خبرة جسمانية من تحقيق الذات . وهو أيضا بالنسبة للكثيرين حجر عثرة في سبيل تحقيق الذاتية والسعى إليها .


وهناك الكثير عن الجنس الذي يزخر بالتناقض .


فعن طريق الصلة الجنسية الوثيقة مع إنسان حبيب يستطيع المرء أن يحقق أعمق خبرة من الارتباط والتعلق بإنسان آخر . ولكن من الممكن أيضاً أن يدخل المرء فى خبرة جنسية بنوع من الفصل والعزل الذي هو نقيض الوصل والارتباط بالغير


إن الجنس قد يكون تعبيراً عن الرقة والحنان ، ولكن من الممكن أيضاً أن يكون أداة تخدم الغل والكره والمقت . إنه أداة من أدوات المشاركة ، ولكن من الممكن أيضاً أن يكون وسيلة للأخذ بلا إعطاء أو

الإعطاء بلا أخذ 

وقد يستعمل كأداة للغزو أو للتنفيس عن الكره ، أو وسيلة للانتقام ، أو محاولة لتسكين مشاعر النقص ، أو لتفريج القلق ، أو لإثبات رجولة  المرء وفحولته أو أنوثته إن كان امرأة وهكذا )) 

ثم يقول:

(فالرجال والنساء تحدثوا عما بهم من اضطرابات ، لأن علاقاتهم الجنسية تتألف ، فيما يبدو لهم ، من مجرد جماع جسماني بدون أية عاطفة مكنونة أو ألفة سيكولوجية تتسم بالمودة والرحمة .


ولقد نوقشت المشكلات الجنسية أيضاً في سياق المغزى وانعدام. المغزى عندما قال الناس في واقع الأمر : « لى علاقات جنسية مع هذا الرجل ( أو المرأة ) ولكنه أو ( ولكنها ) لا يعنى فعلا أى شيء بالنسبة لى ، إذ الأمر لا يزيد على المضى في بعض حركات ، وهذه الحركات وحدها لا تعنى كثيرا ))

ثم يقول:

(وثمة نفر قليل فاخر بحريته الجنسية ، ولكن حقيقة كونهم يتيهون بذلك يفصح عما يعتمل في نفوسهم من قلق ، كما لو كانوا يدركون أن الشخص من الممكن أن يتنقل من مغامرة جنسية لأخرى ، ومع ذلك الجنس يظل فريدا وحيدا شاعر بالوحشة ، وأنه إنسان لم يجد أى شيء ذا مغزى أو معنى في علاقاته بالآخرين ، أو أى معنى جوهري في داخل ذاته))



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطوف من سير أعلام النبلاء ١٩

 💎💎💎💎💎 قطوف من النبلاء ١٩ ___  هُدْبَةُ بنُ خَالِدِ بنِ أَسْوَدَ بنِ هُدْبَةَ القَيْسِيُّ * (خَ، م، د، س) الحَافِظُ، الصَّادِقُ، مُسْنِدُ وَقْتِهِ، أَبُو خَالِدٍ القَيْسِيُّ، الثَّوْبَانِيُّ، البَصْرِيُّ. وَيُقَالُ لَهُ: هَدَّابٌ. وَهُوَ أَخُو الحَافِظِ أُمَيَّةَ بنِ خَالِدٍ. وُلِدَ: بَعْدَ الأَرْبَعِيْنَ وَمائَةٍ بِقَلِيْلٍ. وَصَلَّى عَلَى: شُعْبَةَ. اختَلَفُوا فِي تَارِيْخِ مَوْتهِ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ: أَنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلاَثِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلاَثِيْنَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ ثَمَانٍ. ___  قال الذهبي: ((قَالَ عَبْدَانُ: سَمِعْتُ عَبَّاسَ بنَ عَبْدِ العَظِيْمِ يَقُوْلُ: هِيَ كُتُبُ أُمَيَّةَ بنِ خَالِدٍ -يَعْنِي: الَّذِي يُحَدِّثُ بِهَا هُدْبَةُ. قُلْتُ: رَافَقَ أَخَاهُ فِي الطَّلَبِ، وَتَشَارَكَا فِي ضَبْطِ الكُتُبِ، فَسَاغَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ مِنْ كُتُبِ أَخِيْهِ، فَكَيْفَ بِالمَاضِينَ، لَوْ رَأَوْنَا اليَوْمَ نَسْمَعُ مِنْ أَيِّ صَحِيفَةٍ مُصَحّ...

لا تضرب من قيده الله

 💎💎💎💎💎 الذين استعملوا البشاعات لإذلال الشعوب وقهر إرادتها فشلوا عبر التاريخ، وسيفشلون اليوم، ذلك أنهم في مواجهة مباشرة مع الله عز وجل، إذ هو خالق بنية الإنسان ونفسيته على هذا الضعف وتلك القيود، فمن يضرب من قيده الله يكون في مواجهة مباشرة مع الله، استغلال طبيعة البنية للترويع وإثارة الذعر حمق صرف فالبنية صنع الله، نحن كبشر نقول عن الذي يتحمل نتيجة فعله أن لديه شعور عال بالمسؤولية ، فكيف بالله عز وجل. قال الله تبارك وتعالى ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه كرها ووضعته كرها) فجعل الله تبارك وتعالى إكراهه للأم على الحمل والولادة علة لفريضة برها. وأيضا فإن الناس قد يستسلمون لمن يرجون رحمته وبعض خيره إذا هم استسلموا أما ممارس البشاعات فييأسون من خيره، وممارس البشاعات يضع الناس أمام إنسحاق وجودي إذا هم استسلموا له، وهذا الانسحاق بما فيه من فقد للقيمة والمعنى أشد من بشاعاته

آثار لا تصح في حلية الأولياء ٨

 💎💎💎💎💎 آثار لا تصح في حلية الأولياء ٨ ___  ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺟﻌﻔﺮ ﺑﻦ ﺣﻤﺪاﻥ، ﺛﻨﺎ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ، ﺣﺪﺛﻨﻲ ﺃﺑﻲ، ﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺑﻜﺮ، ﺛﻨﺎ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﻣﺴﻌﺪﺓ، ﻗﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ اﻟﺮﻭﻣﻲ، ﻗﺎﻝ: ﺑﻠﻐﻨﻲ ﺃﻥ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﻗﺎﻝ: «ﻟﻮ ﺃﻧﻲ ﺑﻴﻦ اﻟﺠﻨﺔ ﻭاﻟﻨﺎﺭ، ﻭﻻ ﺃﺩﺭﻱ ﺇﻟﻰ ﺃﻳﺘﻬﻤﺎ ﻳﺆﻣﺮ ﺑﻲ ﻻﺧﺘﺮﺕ ﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﺭﻣﺎﺩا ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺃﻋﻠﻢ ﺇﻟﻰ ﺃﻳﺘﻬﻤﺎ ﺃﺻﻴﺮ» ¤ من التقريب: علي بن مسعدة. صدوق له أوهام، وعبد الله الرومي مقبول _____ __ ___ __ __ ___   ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ، ﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺇﺳﺤﺎﻕ، ﺛﻨﺎ ﻗﺘﻴﺒﺔ ﺑﻦ ﺳﻌﻴﺪ، ﺛﻨﺎ اﻟﻠﻴﺚ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﺎﻣﺮ ﺑﻦ ﺭﺑﻴﻌﺔ، ﺃﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮا ﻣﻊ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ اﻟﺪاﺭ، ﻓﻘﺎﻝ: «أﻭﻳﻢ اﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺯﻧﻴﺖ ﻓﻲ ﺟﺎﻫﻠﻴﺔ ﻭﻻ ﺇﺳﻼﻡ  ﻭﻣﺎ اﺯﺩﺩﺕ ﻟﻹﺳﻼﻡ ﺇﻻ ﺣﻴﺎء» ¤ إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق القصار . لا يعرف حاله ___ __ __ ___ __ __ ___  ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺃﺣﻤﺪ، ﺛﻨﺎ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻣﺮﻳﻢ، ﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻳﻮﺳﻒ اﻟﻔﺮﻳﺎﺑﻲ، ﺛﻨﺎ ﺳﻔﻴﺎﻥ اﻟﺜﻮﺭﻱ، ﻋﻦ اﻟﺼﻠﺖ ﺑﻦ ﺩﻳﻨﺎﺭ، ﻋﻦ ﻋﻘﺒﺔ ﺑﻦ ﺻﻬﺒﺎﻥ، ﻗﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﻋﻔﺎﻥ، ﻳﻘﻮﻝ: «ﻣﺎ ﺃﺧﺬﺗﻪ ﺑﻴﻤﻴﻨﻲ ﻣﻨﺬ ﺃﺳﻠﻤﺖ»، ﻳﻌﻨﻲ ﺫﻛﺮﻩ ¤ في التقريب: الصلت، بفتح أوله وآخره مثناة، ...