قال ذو النون المصري:
ثلاثة من أعلام الرحمة للخلق :
١- انزواء العقل للملهوفين ، وبكاء القلب لليتيم والمسكين
٢- وفقدان الشماتة بمصائب المسلمين
٣- وبذل النصيحة لهم متجرعا لمرارة ظنونهم ، وإرشادهم إلى مصالحهم وإن جهّلوه وكرهوه
_______________
¤ أما إنزواء العقل فهو انقطاع النظر عن التدبير والعواقب إنحصارا واقتصارا على إغاثة الملهوف ومن مظاهره الفدائية . ويدل له كلمة "اقتحم" في قول الله تبارك وتعالى ﴿فَلَا اقتَحَمَ العَقَبَةَوَما أَدراكَ مَا العَقَبَةُفَكُّ رَقَبَةٍأَو إِطعامٌ في يَومٍ ذي مَسغَبَةٍيَتيمًا ذا مَقرَبَةٍأَو مِسكينًا ذا مَترَبَةٍثُمَّ كانَ مِنَ الَّذينَ آمَنوا وَتَواصَوا بِالصَّبرِ وَتَواصَوا بِالمَرحَمَةِ﴾ [البلد: ١١-١٧]
فإن الاقتحام لا يتم إلا بفقدان قدر من الحسابات للمجهول
¤ والشماتة بمصائب المسلمين إنما يكون سببها المخالفة والنزاع السابقين في رأي أو عمل أو دنيا وإذا كان العنصر الأول ينزوي فيه العقل بسبب الرحمة فإن هذا العنصر يتضخم فيه العقل بسبب الرحمة إبقاء للأصول المشتركة على الفروع المختلف فيها . فتكون الرحمة هي الفرس الحامل لفارس الحكمة ليوصله للمدارك القيمة
¤ يأتي سوء الظن بالناصح وتجهيله من خدعة نمطية يقع فيها العقل حين يعتمد فكرة صحيحة وهي أن غير المنطقي لابد وأن يكون ذاتيا سببه ذات ونفس الإنسان كجبن أو خيانة أو تهور أو تعصب أو تميع
والخدعة تأتي حين لا يدرك عقل المنصوح علة منطقية لنصح الناصح فيميل تلقائيا لجعل العلة نفسية ويندفع في ذلك وربما تعمد المغرضون إشاعة ذلك التحليل الخاطئ
فيقول لنا أبو الفيض ذو النون: إن الرحيم حقا هو الذي يتجرع مرارة تلك الظنون فيستمر في تقديم النصح حتى وإن وصفه المنصوحون بالجهل وأبدوا له الكراهية .. فرحمة قلبه تغلب ذلك كله.
والله أعلم بالصواب

تعليقات
إرسال تعليق