▪ سورة الجاثية -١-
¤ قال الله تبارك وتعالى (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين) سورة الجاثية.
الإيمان يتعلق بالغيب وانعدام الأسباب الظاهرة ولذا قال موسى عليه السلام لقومه (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا) سورة يونس. فالتوكل حال انعدام الأسباب أو ضعفها دليل على وجود الإيمان وإلا فما قيمة الإيمان إذا يئس الإنسان عند انعدام الأسباب حوله؟
وجاء إنعدام القيمة الذاتية للأسباب مع ذكر التوكل والإيمان في قول الله تبارك وتعالى ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران: ١٦٠]
والسماوات والأرض لا يتصور سبب يوجدهما أو تفاعل ينشئهما فأقل شخص إيمانا لابد وأن يؤمن بالخالق سبحانه وتعالى .
واشتراط الإيمان في القرآن الكريم يأتي على معنيين .
الأول: أضعف الإيمان وأقله ومنه قول الله تبارك وتعالى ﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٤٨]
فمجيئ التابوت محمولا من الملائكة عيانا دليل لا شك فيه لمن لديه ذرة إيمان .
وقول الله سبحانه وتعالى ﴿ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ٤٩] فهذه المعجزات دليل لا ريب فيه لمن كان له بقية من حاسة الإيمان
ومنه آية سورة الجاثية التي نعلق عليها
فمن لديه ذرة إيمان لا يقول أن السماوات والأرض بدون خالق
الثاني: الإيمان القوي الصادق الحقيقي كقول موسى عليه السلام لقومه الذي ذكرناه . وقول الله سبحانه وتعالى
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨]
إن كان إيمانكم حقيقيا بأن الرزق بالله ومن الله وأن الحرام لا نفع فيه فاتركوا الربا خاصة مع الآية قبلها ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ [البقرة: ٢٧٦]
وقول الله سبحانه وتعالى ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٥]
وقوله جل شأنه ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣]
¤ فأول آية في خلق السماوات والأرض لأقل الناس إيمانا أنه لابد لهما من خالق
ثم الآيات بعد ذلك كثيرة منها الدلالة على صفاته من قدرة وكرم وغنى ورعاية ورحمة وجمال وحكمة وعلم وإحاطة ووحدانية وعدالة وما يستتبعه من تعبد وطمع وخوف وحب وينتج عن ذلك تلقائيا الإيمان بالبعث وحكمة الاختبار كما هو معروف وكما ذكرته من قبل
لكن أذكر ما جاء في نفس السورة وهو قول الله تبارك وتعالى
﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمونوخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون﴾ [الجاثية: ٢١-٢٢]
فاحتجت السورة بالعدالة إذ عدم البعث معناه استواء المسيء والمصلح في نهاية الأمر وذلك ينفيه نظام خلق السماوات والأرض في التفريق بين المختلفين ووضع كل شيء موضعه
﴿وما يستوي الأعمى والبصيرولا الظلمات ولا النورولا الظل ولا الحرور﴾ [فاطر: ١٩-٢١]
يقول السعدي:( فكما أنه من المتقرر عندكم، الذي لا يقبل الشك، أن هذه المذكورات لا تتساوى، فكذلك فلتعلموا أن عدم تساوي المتضادات المعنوية أولى وأولى))
___
ثم قال الله تبارك وتعالى ﴿وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون﴾ [الجاثية: ٤]
واليقين أكثر تحقيقا وملابسة من الإيمان
فنحن نرى بأعيننا معجزة الخلق من ماء في أنفسنا وفي الحيوانات
﴿أفرأيتم ما تمنونأأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ [الواقعة: ٥٨-٥٩]
فالشك في إمكانية البعث بعد ذلك لا يكون من أقل الخلق يقينا
ثم إن الآيات في ذلك كثيرة فمن ذلك أن الله هو الحكم المخصص . فقطرة الماء التي يخلق منها المخلوق لها خصائص محددة لا يمكن الإضافة إليها أو النقص منها وهي تحمل الصفات الوراثية للوالدين والجيل . ولا يمكن وضع نقطة ماء من جنس في رحم جنس آخر فتنتج وتثمر
ثم إن التفريق الدقيق في الأحكام الخلقية على اشتباه المياه يدعو لقبول فرقانه وأحكامه الشرعية
ففي سورة الفرقان -واسم السورة موح- ﴿ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرافلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيراوهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجوراوهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا﴾ [الفرقان: ٥٠-٥٤]
فذكر القرآن وهو الفرقان ثم ذكر تفريقه بين البحرين عذبه وملحه وهما مشتبهان جدا ومختلفان جدا . لكنهما لا يختلطان . فكذلك حلاله وحرامه لن يختلطا في الخلقة والطبيعة وإن اشتبها في الصورة والممارسة لكن أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج ولن يحصل أحد على عذوبة الحلال من كأس الحرام
ثم ذكر الله سبحانه وتعالى تفريقا أدق في الخلقة . وهو الاختلاف بين النسب والصهر إن ابنتك مطابقة في الأنوثة والتكوين لابنة أخيك . لكن حكم الله أن ابنتك حرام على ابنك . وأن ابنة أخيك حلال لابنك . ومن حيث الخلقة والفطرة في الاشتهاء كذلك
وارتباط الحاكمية بخلق البشر والحيوان جاء في قول الله تبارك وتعالى ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيبفاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١٠-١١]
فالذي فصل بين أنواع الحيوانات وأفرادها وخصائص أنسابها وسلالاتها يفصل فيما تختلفون فيه بشرعه وقدره ويوم الحساب.
والناس يحتارون هل الحمل ذكر أم أنثى
والحكم له وحده ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثىمن نطفة إذا تمنى﴾ [النجم: ٤٥-٤٦]
ومن الآيات حكمة التقدير فالله جل جلاله خلق في كل حيوان ما يناسب حياته ومستقبله إنْ أنيابا أو طواحن أو مخالب أو أظلاف، ومعدة تستقبل الجيفة ولا تتأذى ومعدة لا تستقبل إلا النبات والمخلوقة في الحرور ليست كالمخلوقة في الجليد . وتنوع دفاعاتها وأسلحتها.
وحال الإنسان أعمق من ذلك ، فقد خلق الله في كل فرد طبائع وخصائص وقدرات ومشاعر تناسب ما قدر له من حياة وظروف وابتلاء ، بل ومواقف فالتقدير الدقيق لأحوال الحيوان دليل قاطع على ما ذكرته في شأن الإنسان .. ومن العجيب أن يشاهد الإنسان تلك التقديرات المهولة في حيوان البر والبحر ثم يرى أن التقدير يتقاصر عن تفاصيل حياته
ومن ذلك رؤية صفة "الواحد القهار" فالوحدانية تظهر في إتحاد نظام الخلق والقهر يظهر في الخضوع للتركيب وزمانه
﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهارخلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفارخلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون﴾ [الزمر: ٤-٦]
وغير ذلك مما تقاصر عنه نظري
والله أعلم بالصواب

تعليقات
إرسال تعليق