توحيد الله عز وجلّ بالعبادة ليس فيه رفعة لمقام الله تعالى وتقدس . فهو الغني بعزته وعلوه
بل هو رفعة لمقام العبد وتنزيه له عن الدون والحقارة والصغار والانحطاط
فقد كان سبحانه قادرا على أن يلزمنا بعبادة مخلوق من مخلوقاته العظيمة ويجعل المحنة والحساب على هذا
ولكنه كرمنا ولم يرض لنا المهانة وهذا ظاهر في حالنا في الدنيا
﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلايوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلاومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾ [الإسراء: ٧٠-٧٢]
قال الألوسي عن كلمة (يوم) : ( ﺟﻮﺯ ﺃﻳﻀﺎ ﻛﻮﻧﻪ ﻇﺮﻓﺎ ﻟﻔﻀﻠﻨﺎﻫﻢ ﻗﺎﻝ: ﻭﺗﻔﻀﻴﻞ اﻟﺒﺸﺮ ﻋﻠﻰ ﺳﺎﺋﺮ اﻟﺤﻴﻮاﻧﺎﺕ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﺑﻴﻦ ﻭﺑﻪ ﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺤﺎﺓ )
وقوله جل شأنه (ومن كان في هذه أعمى) يشمل العمى عن الإكرام والتفضيل وأنه مقصود وحكمة وغاية يقتضي إدراكها السعي لتمامها الدنيوي والأخروي
والملاحظ أن الإلحاد في عصرنا قائم على نفي هذا الإصطفاء والإكرام الخاص وأن البشر مجرد وساخات كونية
قال الطبري (ﻋَﻦْ ﻣُﺤَﻤَّﺪِ ﺑْﻦِ ﺃَﺑِﻲ ﻣُﻮﺳَﻰ، ﻗَﺎﻝَ: ﺳُﺌِﻞَ ﻋَﻦْ ﻫَﺬِﻩِ اﻵْﻳَﺔِ، {ﻭَﻣَﻦْ ﻛَﺎﻥَ ﻓِﻲ ﻫَﺬِﻩِ ﺃَﻋْﻤَﻰ ﻓَﻬُﻮَ ﻓِﻲ اﻵْﺧِﺮَﺓِ -
[ 10]
- ﺃَﻋْﻤَﻰ ﻭَﺃَﺿَﻞُّ ﺳَﺒِﻴﻼً}
[ اﻹﺳﺮاء: 72]
ﻓَﻘَﺎﻝَ: ﻗَﺎﻝَ {ﻭَﻟَﻘَﺪْ ﻛَﺮَّﻣْﻨَﺎ ﺑَﻨِﻲ ﺁﺩَﻡَ ﻭَﺣَﻤَﻠْﻨَﺎﻫُﻢْ ﻓِﻲ اﻟْﺒَﺮِّ ﻭَاﻟْﺒَﺤْﺮِ ﻭَﺭَﺯَﻗْﻨَﺎﻫُﻢْ ﻣِﻦَ اﻟﻄَّﻴِّﺒَﺎﺕِ ﻭَﻓَﻀَّﻠْﻨَﺎﻫُﻢْ ﻋَﻠَﻰ ﻛَﺜِﻴﺮٍ ﻣِﻤَّﻦْ ﺧَﻠَﻘْﻨَﺎ ﺗَﻔْﻀِﻴﻼً}
[ اﻹﺳﺮاء: 70]
ﻗَﺎﻝَ: ﻣِﻦْ ﻋَﻤِّﻲ ﻋَﻦْ ﺷُﻜْﺮِ ﻫَﺬِﻩِ اﻟﻨِّﻌَﻢِ ﻓِﻲ اﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ، ﻓَﻬُﻮَ ﻓِﻲ اﻵْﺧِﺮَﺓِ ﺃَﻋْﻤَﻰ ﻭَﺃَﺿَﻞُّ ﺳَﺒِﻴﻼً)
وقال القرطبي (ﻗَﺎﻝَ ﻋِﻜْﺮِﻣَﺔُ: ﺟَﺎءَ ﻧَﻔَﺮٌ ﻣِﻦْ ﺃﻫﻞ اﻟﻴﻤﻦ ﺇِﻟَﻰ اﺑْﻦِ ﻋَﺒَّﺎﺱٍ ﻓَﺴَﺄَﻟُﻮﻩُ ﻋَﻦْ ﻫَﺬِﻩِ اﻵْﻳَﺔِ ﻓَﻘَﺎﻝَ: اﻗْﺮَءُﻭا ﻣَﺎ ﻗَﺒْﻠَﻬَﺎ ﺭَﺑُّﻜُﻢُ اﻟَّﺬِﻱ ﻳُﺰْﺟِﻲ ﻟَﻜُﻢُ اﻟْﻔُﻠْﻚَ ﻓِﻲ اﻟْﺒَﺤْﺮِ - ﺇِﻟَﻰ- ﺗَﻔْﻀِﻴﻼً. ﻗَﺎﻝَ اﺑْﻦُ ﻋَﺒَّﺎﺱٍ: ﻣَﻦْ ﻛَﺎﻥَ ﻓِﻲ ﻫَﺬِﻩِ اﻟﻨِّﻌَﻢِ ﻭَاﻵْﻳَﺎﺕِ اﻟَّﺘِﻲ ﺭَﺃَﻯ ﺃَﻋْﻤَﻰ ﻓَﻬُﻮَ ﻋَﻦِ اﻵْﺧِﺮَﺓِ اﻟَّﺘِﻲ ﻟَﻢْ ﻳُﻌَﺎﻳِﻦْ ﺃَﻋْﻤَﻰ ﻭَﺃَﺿَﻞُّ ﺳَﺒِﻴﻼً. ﻭَﻗِﻴﻞَ: اﻟْﻤَﻌْﻨَﻰ ﻣَﻦْ ﻋَﻤِﻲَ ﻋَﻦِ اﻟﻨِّﻌَﻢِ اﻟَّﺘِﻲ ﺃَﻧْﻌَﻢَ اﻟﻠَّﻪُ ﺑِﻬَﺎ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﻓِﻲ اﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻓَﻬُﻮَ ﻋَﻦْ ﻧِﻌَﻢِ اﻵْﺧِﺮَﺓِ ﺃَﻋْﻤَﻰ)
والملاحظ أن آيات رعاية البشر في البحر ثم آية الإكرام وحملهم في البر والبحر جاءت بعد قصة سجود الملائكة لآدم التي ورد فيها لفظ التكريم أيضا
﴿قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٦٢]
وبين آيتي التكريم سبع آيات . وبين آية التكريم الثانية وبين آية الصلاة لتحصيل المقام المحمود لنبينا صلى الله عليه وسلم سبع آيات أيضا
﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء: ٧٨-٧٩]
وممن لاحظ الاتصال بين آيتي التكريم الشيخ سيد قطب حيث يقول (ﻭﻗﺪ ﻛﺮﻡ اﻟﻠﻪ ﻫﺬا اﻟﻤﺨﻠﻮﻕ اﻟﺒﺸﺮﻱ ﻋﻠﻰ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺧﻠﻘﻪ. ﻛﺮﻣﻪ ﺑﺨﻠﻘﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ اﻟﻬﻴﺌﺔ، ﺑﻬﺬﻩ اﻟﻔﻄﺮﺓ اﻟﺘﻲ ﺗﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ اﻟﻄﻴﻦ ﻭاﻟﻨﻔﺨﺔ، ﻓﺘﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ اﻷﺭﺽ ﻭاﻟﺴﻤﺎء ﻓﻲ ﺫﻟﻚ اﻟﻜﻴﺎﻥ! ﻭﻛﺮﻣﻪ ﺑﺎﻻﺳﺘﻌﺪاﺩاﺕ اﻟﺘﻲ ﺃﻭﺩﻋﻬﺎ ﻓﻄﺮﺗﻪ ﻭاﻟﺘﻲ اﺳﺘﺄﻫﻞ ﺑﻬﺎ اﻟﺨﻼﻓﺔ ﻓﻲ اﻷﺭﺽ، ﻳﻐﻴﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻳﺒﺪﻝ، ﻭﻳﻨﺘﺞ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻳﻨﺸﻰء، ﻭﻳﺮﻛﺐ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻳﺤﻠﻞ، ﻭﻳﺒﻠﻎ ﺑﻬﺎ اﻟﻜﻤﺎﻝ اﻟﻤﻘﺪﺭ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ.
ﻭﻛﺮﻣﻪ ﺑﺘﺴﺨﻴﺮ اﻟﻘﻮﻯ اﻟﻜﻮﻧﻴﺔ ﻟﻪ ﻓﻲ اﻷﺭﺽ ﻭﺇﻣﺪاﺩﻩ ﺑﻌﻮﻥ اﻟﻘﻮﻯ اﻟﻜﻮﻧﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻜﻮاﻛﺐ ﻭاﻷﻓﻼﻙ..
ﻭﻛﺮﻣﻪ ﺑﺬﻟﻚ اﻻﺳﺘﻘﺒﺎﻝ اﻟﻔﺨﻢ اﻟﺬﻱ اﺳﺘﻘﺒﻠﻪ ﺑﻪ اﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻭﺑﺬﻟﻚ اﻟﻤﻮﻛﺐ اﻟﺬﻱ ﺗﺴﺠﺪ ﻓﻴﻪ اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻭﻳﻌﻠﻦ ﻓﻴﻪ اﻟﺨﺎﻟﻖ ﺟﻞ ﺷﺄﻧﻪ ﺗﻜﺮﻳﻢ ﻫﺬا اﻹﻧﺴﺎﻥ)
___ __ __ ___ __ __
قال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله :
"من مثلك يا ابن آدم ؟ ..
خُلِّيَ بينك وبين المحراب ..
كلما شئت دخلت على الله،
ليس بينك وبينه ترجمان".

تعليقات
إرسال تعليق