كتب عليكم الصيام )
الملاحظ أن عبارة كتب عليكم في سورة البقرة كلها مرتبطة بالحفاظ على الحياة ودعمها . علما بأن هذه العبارة لم ترد في غير سورة البقرة .
فأولها(كتب عليكم القصاص) وقد قال الله تعالى عن القصاص (ولكم في القصاص حياة) فالقصاص يعالج أثرا من آثار الموت الذي وقع بطريقة آثمة فلا يتكرر . فيلجأ الناس لطريقة أخرى غير القتل لحل مشكلات حياتهم . وسورة البقرة سميت بهذا الاسم ﻷجل قصة البقرة التي ذبحت وجعل لحمها سببا ﻹحياء القتيل ليخبر عن اسم قاتله ويتم القصاص .
-والموضع الثاني (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين واﻷقربين بالمعروف حقا على المتقين) وهو معالجة ﻷثر الموت الطبيعي . بأن لا ينسينا الموت حياة أحبابنا وأهلينا . ونفكر ونحن نستقبل الموت كيف يحيى من بعدنا حياة كريمة . وتؤكده اﻵية "حقا على المتقين" هكذا بمصدر مؤكد بذاته .
واﻵية وإن قيل أنها نسخت بأحكام المواريث إلا أن قيمة التقوى والقيمة التربوية والحياتية فيها ثابتة . إذ ليس معنى أني سأموت أن يموت من بعدي أو يحيا حياة رديئة . وإنه لمن التقوى وأنا مقبل على اﻵخرة أن لا أنسى دنيا أهلي وأقربائي .
-الموضع الرابع (كتب عليكم القتال) وكيف يكون القتل حياة ؟ تعالج السورة هذه المسألة (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون)
حسنا . فهل الذين يتركون القتال ليحيوا أحياء أيضا كما يجب ؟
تعالج السورة هذه المسألة (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون) أخياهم الله فضلا منه وقد كانوا يستحقون أن يظلوا أمواتا جزاء هروبهم من القتال حذر الموت . فاﻵية تقول بوضوح أن الموت والحياة الرديئة جزاء لتاركي القتال وهم ألوف لديهم القدرة والسلاح . وقد جاء ذكر العزة في سورة فاطر مسبوقا بإحياء اﻷرض بعد موتها بماء السماء مختوما بتعبير (هو يبور) وصفا لمكر السيئات . في إشارة واضحة ﻷن الحياة هي العزة ولا حياة بدون عزة .
وقد قال تعالى في سياق الحديث عن القتال (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) قال الزمخشري :"
قيل ﻟﻤﺠﺎﻫﺪﺓ اﻟﻜﻔﺎﺭ، ﻷﻧﻬﻢ ﻟﻮ ﺭﻓﻀﻮﻫﺎ ﻟﻐﻠﺒﻮﻫﻢ ﻭﻗﺘﻠﻮﻫﻢ، ﻛﻘﻮﻟﻪ ﻭَﻟَﻜُﻢْ ﻓِﻲ اﻟْﻘِﺼﺎﺹِ ﺣَﻴﺎﺓٌ ﻭﻗﻴﻞ ﻟﻠﺸﻬﺎﺩﺓ، ﻟﻘﻮﻟﻪ ﺑَﻞْ ﺃَﺣْﻴﺎءٌ ﻋِﻨْﺪَ ﺭَﺑِّﻬِﻢْ."
و "ﻋَﻦْ ﻋُﺮْﻭَﺓَ ﺑْﻦِ اﻟﺰُّﺑَﻴْﺮِ ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ اﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮا اﺳْﺘَﺠِﻴﺒُﻮا ﻟِﻠَّﻪِ ﻭَﻟِﻠﺮَّﺳُﻮﻝِ ﺇِﺫا ﺩَﻋﺎﻛُﻢْ ﻟِﻤﺎ ﻳُﺤْﻴِﻴﻜُﻢْ ﺃَﻱْ ﻟِﻠْﺤَﺮْﺏِ اﻟَّﺘِﻲ ﺃَﻋَﺰَّﻛُﻢُ اﻟﻠَّﻪُ ﺗَﻌَﺎﻟَﻰ ﺑِﻬَﺎ ﺑَﻌْﺪَ اﻟﺬُّﻝِّ، ﻭَﻗَﻮَّاﻛُﻢْ ﺑِﻬَﺎ ﺑَﻌْﺪَ اﻟﻀَّﻌْﻒِ، ﻭَﻣَﻨَﻌَﻜُﻢْ ﻣِﻦْ ﻋَﺪُﻭِّﻛُﻢْ ﺑَﻌْﺪَ اﻟْﻘَﻬْﺮِ ﻣِﻨْﻬُﻢْ ﻟَﻜُﻢْ"
لكن اﻵيةةعامة كما قال الجمهور بدليل ما جاء في البخاري
ﻋَﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ اﻟْﻤُﻌَﻠَّﻰ ﻗَﺎﻝَ: ﻛﻨﺖ ﺃُﺻَﻠِّﻲ ﻓِﻲ اﻟْﻤَﺴْﺠِﺪ، ﻓﺪﻋﺎﻧﻲ ﺭَﺳُﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﻭَﺳﻠﻢ ﻓَﻠﻢ ﺃﺟﺒﻪ، ﺛﻢَّ ﺃَﺗَﻴْﺘﻪ ﻓَﻘﻠﺖ: ﻳَﺎ ﺭَﺳُﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺇِﻧِّﻲ ﻛﻨﺖ ﺃُﺻَﻠِّﻲ. ﻓَﻘَﺎﻝَ: " ﺃﻟﻢ ﻳﻘﻞ اﻟﻠﻪ {اﺳْﺘﺠِﻴﺒُﻮا ﻟﻠﻪ ﻭَﻟِﻠﺮَّﺳُﻮﻝِ ﺇِﺫا ﺩﻋﺎﻛﻢ}
[ اﻷَْﻧْﻔَﺎﻝ]
ﺛﻢَّ ﻗَﺎﻝَ ﻟﻲ: " ﻷﻋﻠﻤﻨﻚ ﺳُﻮﺭَﺓ ﻫِﻲَ ﺃﻋﻈﻢ اﻟﺴُّﻮﺭ ﻓِﻲ اﻟْﻘُﺮْﺁﻥ ﻗﺒﻞ ﺃَﻥ ﺗﺨﺮﺝ ﻣﻦ اﻟْﻤَﺴْﺠِﺪ " ﺛﻢَّ ﺃَﺧﺬ ﺑﻴَﺪﻱ، ﻓَﻠَﻤَّﺎ ﺃَﺭَاﺩَ ﺃَﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﻗﻠﺖ: ﺃﻟﻢ ﺗﻘﻞ: " ﻷﻋﻠﻤﻨﻚ ﺳُﻮﺭَﺓ ﻫِﻲَ ﺃﻋﻈﻢ ﺳُﻮﺭَﺓ ﻓِﻲ اﻟْﻘُﺮْﺁﻥ "؟ ﻗَﺎﻝَ: {اﻟْﺤَﻤﺪ ﻟﻠﻪ ﺭﺏ اﻟْﻌَﺎﻟﻤﻴﻦ}
[ اﻟْﻔَﺎﺗِﺤَﺔ]
. ﻗَﺎﻝَ: " ﻫِﻲَ اﻟﺴَّﺒﻊ اﻟﻤﺜﺎﻧﻲ ﻭَاﻟْﻘُﺮْﺁﻥ اﻟْﻌَﻈِﻴﻢ اﻟﺬﻯ ﺃُﻭﺗِﻴﺘﻪُ ". والقرآن حياة وروح ومثله الله ورسوله بماء السماء (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) وعلى ذكر القرآن ننتقل لذكر شهر الصيام (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وتلك أول صفة حياتية يتعلق فيها (كتب عليكم الصيام) بمعنى الحيوية واﻹحياء .
وأيضا فإن شهر رمضان تفتح فيه أبواب الجنة . وكما أن للنار نفس نحسه في الشتاء والصيف من حرها وبردها . فلا معنى لفتح أبواب الجنة إن لم يكن لها أثر نحسه . والجنة حيوان كما وصفها الله تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر إحياء اﻷرض بغد موتها بالماء . أي ليس هذا هو اﻹحياء بل (وإن الدار اﻵخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) فالماء في الدنيا يحيي البذور أما ماء الجنة قبل دخولها فيحيى أجساما تفحمت .فكيف تكون أنماط وأنواع اﻹحياء بعد دخولها . فالصفة اﻹخيائية ثابتة للجنة . وفتح أبوابها في رمضان قبس من ذلك اﻹحياء .
ثم تأتي صدقة الفطر . والصدقة تطفئ الخطيئة . تطفئ . و تنمي (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وقد شبهت بالسنابل والحدائق في سورة البقرة .
وختاما ليس أبلغ من أن يأتي تعبير كتب عليكم فقط في سورة البقرة بقرة اﻹحياء . وأن تأتي التعبيرات كلها للإحياء ومعالجة آثار الموت والقتل تغليبا للحياة . ومن ضمنها(كتب عليكم الصيام)
بلاغ وأي بلاغ

تعليقات
إرسال تعليق