التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح قصيدة (مقاومة يومية)

 #بضات

قصيدة (مقاومة يومية)

----

مغفلق

مكدس لدى عواصف عواقص عوافص

لكنني مبرق مفسق المناكص 

وأحتمي بالله وحده 

ثم بالذي تبقى من عواتقي وخفة المراقص 

***

تجول هبة التزحزح المحببة 

بعالقات ورشرشات محلبة 

وعلى عباءة الرصيف 

خطيئة مذهبة 

طردتها بحكمة متينة مرتبة 

***

غفوت في الندى حالما بالعطور 

واستدامة الجذمور 

وبهجة العصفور والجلاحبة

وبيضة السفور 

والجدة الطيبة 

***

أتكئ اﻵن على دبوسين 

وفي الفؤاد ملهبة 

على سواعد السرير خفقتي ملغبة 

كل الرؤى تبددت 

من رأسي المقحبة 

الصبر حلو يصارع اليأس ذا المرارة المتعبة

___ __ __ ___ __ __ 




*المقطع الأول: التكدس والمعاناة الداخلية  *

مغفلق

مكدس لدى عواصف عواقص عوافص

لكنني مبرق مفسق المناكص 

وأحتمي بالله وحده 

ثم بالذي تبقى من عواتقي وخفة المراقص 

يبدأ الشاعر بوصف حالته بـ"مغفلق"، في إشارة إلى الاسترخاء المترهل، لكنه رغم ذلك *ليس في حالة استرخاء حقيقية* ، بل غارقٌ في التكدس، ويجد نفسه تحت تأثير *عواصفٍ تعقصه وتحنيه* ، وتملأ داخله بمرارة العوافص.  إن تتابع العواصف لا يسمح له بتغيير التكدس لأنها عواقص 

ولا تسمح له بتمدد الشهوة لأنها عوافص مرة .. إن مجيئ المرارة محمولة مع العواصف تعني جهل العلة والمصدر وصعوبة المقاومة 

ورغم هذا التكدس، لا يغيب عنه برق البصيرة الذي يأتي ويختفي، فيغتنم لحظات الإدراك السريعة قبل أن تتلاشى. إنه يعاني بين *ثقل الحياة* و *مرونة الفكر اللحظية* ، ويقاوم النكوص، مدركًا أنه *فسقٌ وخلاعةٌ* .  

ومع هذا الصراع الداخلي، يستند على احتمائه بالله، وعلى *بقايا قوته وعزيمته* ، كما يستعين بما تبقى له من *خفة المراقص* لمواجهة صعوبة التكدس والمرارة التي تعقص رغباته أيضًا.

___ 

*المقطع الثاني: التزحزح واللحظات العابرة  *

تجول هبة التزحزح المحببة 

بعالقات ورشرشات محلبة 

وعلى عباءة الرصيف 

خطيئة مذهبة 

طردتها بحكمة متينة مرتبة

.


تتغير النبرة قليلاً، فيظهر مفهوم *التزحزح* الذي يشبه *البرق العابر* ، فهو ليس حركةً قويةً بل هبةٌ ضعيفةٌ متنقلةٌ، مما يضعها في تناقضٍ مع العواصف العنيفة.  

أثناء هذه الهبة العابرة، يقيم الشاعر *علاقات صغيرة* ورشرشاتٍ محلبة، وهي لحظاتٌ صغيرةٌ لكنها *لذيذةٌ منعشةٌ* ، كما يتفق هذا مع اغتنام برق الإدراك العابر وخفة المراقص التي بقيت لديه، إلا أن هذه الهبات تأتي وتذهب، مما يُجبره على *التواجد على الأرصفة* ، أي في حالةٍ غير مستقرةٍ.  

لكن *إغراء الخطايا المذهبة* يبقى حاضرًا، إذ يُقَابل هذا الشوق اللذيذ لإشراق العالقات والمحلبات *بمواجهة خطيئة جذابة لكن مبتذلة* ، حيث كونها على الرصيف يشير إلى *رخصها وانعدام عمقها* .  

الشاعر لا ينجرف وراء إغرائها، بل يستعين *بحكمةٍ متينةٍ ومرتبةٍ* ليحمي نفسه، مما يكشف عن الحاجة الملحة إلى قوةٍ عقليةٍ منظمةٍ لمواجهة الإغراءات المغرية وسط معاناةٍ شعوريةٍ مستمرةٍ.

إن حبه للتزحزح تعبير عن قيمة النجاة حتى ولو كانت نجاة بالتزحزح .. كأنها استحضار للنص القرآني (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) إن ذكر الخطيئة كمضاد للتزحزح يرجح هذا المنحى بقوة 

___ 

*المقطع الثالث: التأمل في القيم الفطرية  *

غفوت في الندى حالما بالعطور 

واستدامة الجذمور 

وبهجة العصفور والجلاحبة

وبيضة السفور 

والجدة الطيبة 

.

بعد الصراع والمقاومة، ينزلق الشاعر إلى *غفوةٍ هادئةٍ في الندى* ، حيث يدخل في حالةٍ من الاسترخاء المؤقت *تتماشى مع احتفائه بالمشاعر الطبيعية الخالصة* .  

النوم هنا ليس في مكانٍ مغلقٍ، بل في *سماءٍ مكشوفةٍ حيث الندى يلامس الروح برقةٍ، بعيدًا عن الإغراءات المادية والفخر الاجتماعي* . هنا، يعود الشاعر إلى *تقييماته الفطرية* ، فيرى أن الندى يُمثّل قيمةً ترطيبيةً بسيطةً ومداعبةً تحتفي بها روحه.  

تمامًا كما يحتفي بـ *بهجة العصفور والجلاحبة* ، ويستحضر *حنين الجدات الطيبات* ، وهي مشاعرٌ لا يلتفت لها الناس وسط ضوضاء الحياة ومغرياتها.  

ورغم هذا الاحتفاء بالقيم البسيطة، فإن الشاعر يظل *متمسكًا باستدامة جذوره القديمة (الجذمور)، فلا يحب تغييرها* ، لكنه في الوقت نفسه *يرغب في استدامة الأشياء المستحدثة مثل البيضة والعصفور* ، مما يعكس نزعةً نحو التوازن بين القديم والجديد.  

وهنا، لا تفوته *رمزية السفور في البيضة* ، إذ يرى فيها *وضوحًا ونقاءً* ، وهو جزءٌ من تجربته الفريدة في اكتشاف القيم حتى وإن كانت ضئيلةً وعابرةً.

إن مرواحته بين العصفور والأجداد والبيضة والجدات تعني عزوفا عن طغيان الفتوة وعدم انبهار بعوارم السطوة 

___ 

*المقطع الرابع: الاتكاء على الألم والصراع الأخير  *

أتكئ اﻵن على دبوسين 

وفي الفؤاد ملهبة 

على سواعد السرير خفقتي ملغبة 

كل الرؤى تبددت 

من رأسي المقحبة 

الصبر حلو يصارع اليأس ذا المرارة المتعبة

.

لكن *هذه الغفوة في الندى لا يمكن أن تستمر* ، حيث أن برد الليل *يُجبر الشاعر على الرحيل نحو السرير* ، فيترك المساحات المفتوحة ويعود إلى مكانٍ مغلق.  

ومع ذلك، فإن *راحته في السرير ليست راحةً حقيقيةً* ، إذ يتكئ على *دبوسين* ، مما يخلق شعورًا بالمبالغة في الألم المستمر. وهنا قد تكون كلمة *"نتوئين"* أكثر ملاءمةً في التعبير عن القلق العميق الذي يعيشه الشاعر، إذ أن "دبوسين" قد تكون شديدة في تصوير الألم، خصوصًا مع تناقضها مع "سواعد السرير"، التي يُحاول عبرها *استدرار عطف الجمادات* ، كما لو كان يبحث عن دفءٍ ماديٍ يعوّض دفء المشاعر الذي افتقده.  

لكن فجأةً، *تتبدد الرؤى الجميلة* ، تلك المتعلقة بالقيم الفطرية التي رأيناها في المقطع السابق—العصفور، الجذمور، السفور، والعطور، لتترك الشاعر *عاريًا أمام رأسه المقحبة المدخولة بالمفسدات* ، أي أنه الآن مُثقلٌ بأفكارٍ تفسد عليه صفاء اللحظة السابقة.  

لكن رغم ذلك، *تبقى حلاوة الصبر، آخر ما لديه، تصارع مرارة اليأس المتعبة* ، ليكون الصبر هو الملاذ الأخير أمام الانهيار الكامل.

بطبيعة الحال يمكننا إدراك أن لحظات الغفلقة كانت في الصباح وأن لحظات الرصيف كانت في النهار ولحظات الغفوة في الندي كانت في بداية الليل ، ولحظات السرير وقت الخلود للنوم ، مما يعني أن تبدد الرؤى والرأس المدخولة ستتبدل بغيرها عند بزوغ النهار

إن الشاعر يحكي عن مقاومة يومية أو يوميات مقاومة 


---




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

السائحات والحجارة

 #مثاني_القرآن_فيض  ١- ﴿وَإِن كُنتُم في رَيبٍ مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبدِنا فَأتوا بِسورَةٍ مِن مِثلِهِ وَادعوا شُهَداءَكُم مِن دونِ اللَّهِ إِن كُنتُم صادِقينَ۝فَإِن لَم تَفعَلوا وَلَن تَفعَلوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتي وَقودُهَا النّاسُ وَالحِجارَةُ أُعِدَّت لِلكافِرينَ۝وَبَشِّرِ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ كُلَّما رُزِقوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزقًا قالوا هذَا الَّذي رُزِقنا مِن قَبلُ وَأُتوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُم فيها أَزواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُم فيها خالِدونَ۝إِنَّ اللَّهَ لا يَستَحيي أَن يَضرِبَ مَثَلًا ما بَعوضَةً فَما فَوقَها فَأَمَّا الَّذينَ آمَنوا فَيَعلَمونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِم وَأَمَّا الَّذينَ كَفَروا فَيَقولونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثيرًا وَيَهدي بِهِ كَثيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الفاسِقينَ۝الَّذينَ يَنقُضونَ عَهدَ اللَّهِ مِن بَعدِ ميثاقِهِ وَيَقطَعونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يوصَلَ وَيُفسِدونَ فِي الأَرضِ أُولئِكَ هُمُ الخاسِرونَ﴾ [البقرة: ٢٣-٢٧] ٢- ﴿إِن تَتوبا إ...

قطوف من سير أعلام النبلاء ١٩

 💎💎💎💎💎 قطوف من النبلاء ١٩ ___  هُدْبَةُ بنُ خَالِدِ بنِ أَسْوَدَ بنِ هُدْبَةَ القَيْسِيُّ * (خَ، م، د، س) الحَافِظُ، الصَّادِقُ، مُسْنِدُ وَقْتِهِ، أَبُو خَالِدٍ القَيْسِيُّ، الثَّوْبَانِيُّ، البَصْرِيُّ. وَيُقَالُ لَهُ: هَدَّابٌ. وَهُوَ أَخُو الحَافِظِ أُمَيَّةَ بنِ خَالِدٍ. وُلِدَ: بَعْدَ الأَرْبَعِيْنَ وَمائَةٍ بِقَلِيْلٍ. وَصَلَّى عَلَى: شُعْبَةَ. اختَلَفُوا فِي تَارِيْخِ مَوْتهِ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ: أَنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلاَثِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلاَثِيْنَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ ثَمَانٍ. ___  قال الذهبي: ((قَالَ عَبْدَانُ: سَمِعْتُ عَبَّاسَ بنَ عَبْدِ العَظِيْمِ يَقُوْلُ: هِيَ كُتُبُ أُمَيَّةَ بنِ خَالِدٍ -يَعْنِي: الَّذِي يُحَدِّثُ بِهَا هُدْبَةُ. قُلْتُ: رَافَقَ أَخَاهُ فِي الطَّلَبِ، وَتَشَارَكَا فِي ضَبْطِ الكُتُبِ، فَسَاغَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ مِنْ كُتُبِ أَخِيْهِ، فَكَيْفَ بِالمَاضِينَ، لَوْ رَأَوْنَا اليَوْمَ نَسْمَعُ مِنْ أَيِّ صَحِيفَةٍ مُصَحّ...

آثار لا تصح في حلية الأولياء ٨

 💎💎💎💎💎 آثار لا تصح في حلية الأولياء ٨ ___  ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺟﻌﻔﺮ ﺑﻦ ﺣﻤﺪاﻥ، ﺛﻨﺎ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ، ﺣﺪﺛﻨﻲ ﺃﺑﻲ، ﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺑﻜﺮ، ﺛﻨﺎ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﻣﺴﻌﺪﺓ، ﻗﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ اﻟﺮﻭﻣﻲ، ﻗﺎﻝ: ﺑﻠﻐﻨﻲ ﺃﻥ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﻗﺎﻝ: «ﻟﻮ ﺃﻧﻲ ﺑﻴﻦ اﻟﺠﻨﺔ ﻭاﻟﻨﺎﺭ، ﻭﻻ ﺃﺩﺭﻱ ﺇﻟﻰ ﺃﻳﺘﻬﻤﺎ ﻳﺆﻣﺮ ﺑﻲ ﻻﺧﺘﺮﺕ ﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﺭﻣﺎﺩا ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺃﻋﻠﻢ ﺇﻟﻰ ﺃﻳﺘﻬﻤﺎ ﺃﺻﻴﺮ» ¤ من التقريب: علي بن مسعدة. صدوق له أوهام، وعبد الله الرومي مقبول _____ __ ___ __ __ ___   ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ، ﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺇﺳﺤﺎﻕ، ﺛﻨﺎ ﻗﺘﻴﺒﺔ ﺑﻦ ﺳﻌﻴﺪ، ﺛﻨﺎ اﻟﻠﻴﺚ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﺎﻣﺮ ﺑﻦ ﺭﺑﻴﻌﺔ، ﺃﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮا ﻣﻊ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ اﻟﺪاﺭ، ﻓﻘﺎﻝ: «أﻭﻳﻢ اﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺯﻧﻴﺖ ﻓﻲ ﺟﺎﻫﻠﻴﺔ ﻭﻻ ﺇﺳﻼﻡ  ﻭﻣﺎ اﺯﺩﺩﺕ ﻟﻹﺳﻼﻡ ﺇﻻ ﺣﻴﺎء» ¤ إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق القصار . لا يعرف حاله ___ __ __ ___ __ __ ___  ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﺃﺣﻤﺪ، ﺛﻨﺎ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻣﺮﻳﻢ، ﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻳﻮﺳﻒ اﻟﻔﺮﻳﺎﺑﻲ، ﺛﻨﺎ ﺳﻔﻴﺎﻥ اﻟﺜﻮﺭﻱ، ﻋﻦ اﻟﺼﻠﺖ ﺑﻦ ﺩﻳﻨﺎﺭ، ﻋﻦ ﻋﻘﺒﺔ ﺑﻦ ﺻﻬﺒﺎﻥ، ﻗﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﻋﻔﺎﻥ، ﻳﻘﻮﻝ: «ﻣﺎ ﺃﺧﺬﺗﻪ ﺑﻴﻤﻴﻨﻲ ﻣﻨﺬ ﺃﺳﻠﻤﺖ»، ﻳﻌﻨﻲ ﺫﻛﺮﻩ ¤ في التقريب: الصلت، بفتح أوله وآخره مثناة، ...