💎💎💎💎💎
١- «رُبَّ والدٍ يكون السّفهُ صفتَهُ، وله الولدُ الحليمُ، فيعتُو عليه والدُه بسفهِهِ، فلا يُقبلُ منه، ولا يُطاعُ فيه، ويُزجَرُ عنه حتَّى يَكُفَّ أذاه».
علي بن محمد القابسي القيرواني المالكي (403هـ)
___ __ __ ___ __ __
٢- «طِيب الحياة اللازم للصالحين إِنما هو بنَشَاطِ نفوسهم ونُبْلها وقُوَّةَ رَجَائِهم، والرَّجَاءُ للنَّفْس أمرٌ مُلِذٌّ، فبهذا تطيب حياتهم، وأنهم احتقروا الدنيا، فزالت همومها عَنْهم، فإِن انَضَافَ إِلى هذا مَالٌ حلالٌ، وصِحَّةٌ أو قناعةٌ، فذلك كمالٌ، وإِلا فالطِّيبُ فيما ذكرناه رَاتِبٌ».
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢هـ)
___ __ __ ___ __ __
٣- «الفكرة على خَمْسَة أوجه:
فكرة في آيَات الله وعلاماته؛ يتَوَلَّد منها المعرفَة.
وفكرة في آلَاء الله ونعمائه؛ يتَوَلَّد منها المحبَّة.
وفكرة في وعد الله وثوابه؛ يتَوَلَّد منها الرَّغْبَة في الطَّاعَة والموافقة.
وفكرة في وَعِيد الله وعقابه؛ يتَوَلَّد منها الرهبة من المُخَالفَة.
وفكرة في جفَاء النَّفس في جنب إِحْسَان الله إِلَيْهِ؛ يتَوَلَّد مِنْهَا الْحيَاء من الله تَعَالى».
أبو بكر محمد بن حامد الترمذي
___ __ __ ___ __ __
٤- «كانَ ابتداءُ بلاءَ يوسف [عليه السلام] بسببِ رُؤيا رآها فنشرَها وأظهرَها، وسببُ نجاتِه أيضًا كانَ في رُؤيا رآها الملك فأظهرَها؛ ليُعلمَ أنَّ اللهَ يفعلُ ما يُريدُ، كما جعلَ بلاءَه في إظهارِ رُؤيا جعلَ نجاتَه في إظهارِ رُؤيا، فعلمَ الكافَّةُ أنَّ الأمرَ بيدِ اللهِ، يفعلُ ما يشاءُ!».
أبو القاسم عبدالكريم القشيري (ت٤٦٥)
___ __ __ ___ __ __ ___
٥- أفادني الدكتور الحبيب أحمد بلقيس بحكاية لطيفة أخبر بها عبدالعزيز الكناني (ت٢٤٠) رحمه الله عن نفسه في المناظرة المعروفة، وفيها أنه استأذن المأمون في قولٍ قبل المناظرة، وكان مما قال:
«والله ما أعطي يوسف على حسن وجهه بعرتين، ولقد سجن وضيق عليه من أجل حسن وجهه بعد أن وقف على براءته بالشاهد الذي أنطقه الله عز وجل بتصديقه وبيان قوله وبعد إقرار امرأة العزيز إنها هي راودته عن نفسه فاستعصم فحبس بعد ذلك كله لحسن وجهه… فطال في السجن حبسه حتى إذا عبّر الرؤيا ووقف الملك على علمه ومعرفته اشتاق إليه، ورغب في صحبته… فكان هذا الذي بلغه يوسف عليه السلام بكلامه وعلمه لا بجماله».
فتعجب الخليفة، وقال له: «أي شيء أردت بهذا القول، وما الذي دعاك إلى ذكر هذا؟»، فقال الكناني وكان شديد الدمامة: «سمعتُ بعضَ مَنْ هاهنا يقول لأمير المؤمنين: يكفيكَ من كلامِ هذا قبحُ وجههِ، فما يضرُّني قُبْحُ وجهي إذا كان اللّٰه رزقّني فهم كتابه، وفتح له قلبي وأنطق به لساني».
___ __ __ ___ __ __ ___
٦- «يُقال: إنَّ الله تعالى أفردَ يُوسُفَ عليه السَّلامُ مِن بينِ أشكالِه بشيئين: بحُسنِ الخِلقةِ، وزيادةِ العِلمِ، فصارَ جمالُه سببَ بلائِه، وصارَ علمُه سببَ نجاتِه؛ لتُعلَمَ مزيَّةُ العلمِ على غيرِه، ولهذا قيلَ: العلمُ يُعطِي وإن يُبطِي».
أبو القاسم عبدالكريم القشيري (ت٤٦٥)
___ __ __ ___ __ __
٧- «إن المساعدة الذاتية Self-help اختراع حديث. ففي مرحلة ما، أُقنعنا بفكرة أن الإنسان قادر على شفاء نفسه بمفرده؛ من خلال تبني عقلية معينة، أو قراءة كتاب، أو ممارسة تمرين، أو اتباع روتين محدد. لكن طوال التاريخ، كان الناس يتلقون العون من الآخرين: من الحكماء، والكهنة، والحاخامات… فأعمق التحولات التي يمرّ بها المرء كانت دائمًا ذات طابعٍ علائقي؛ إذ تتطلب حضور عقلٍ آخر وقلبٍ آخر!».
Galit Atlas
___ __ __ ___ __ __
٨- «لا شيء يغرس التواضع في النفس مثل الاشتغال بالزراعة. فحتى أبسط الخطط قلّما تجري على ما يُراد لها؛ إذ للطبيعة تدبيرها الخاص، فتنبثق الأعشاب الدخيلة لتبدد وهم سيطرتنا، حتى على أضيق رقعة من عالمنا. وفي هذا العمل، يجد المرء نفسه منصرفًا إلى تأمل أصله: ممَّ خُلق، وما الذي لا غنى له عنه، وإلى ما هو صائر -لا محالة- إلى التراب…
إذا أردت التخلّص من الأعشاب الضارة، فلا
يكفي أن تقتلعها فحسب؛ بل قد تجد نفسك في النهاية أمام أعشاب أكثر مما كان لديك في البداية. كيف يحدث ذلك؟ لأنك لا تكتفي بكشف البذور المدفونة للضوء والهواء، بل تترك التربة مكشوفة ومفككة، فتجعلها بيئة مناسبة لنمو بذور جديدة.
لذلك، إذا كنت تريد حقًا حماية حديقتك من الأعشاب، فعليك أن تملأها بالنباتات التي ترغب فيها، بحيث لا تترك مساحة مكشوفة من التربة. في مثل هذه الحالة، لن تجد الأعشاب فرصة للنمو، وإن ظهرت بعضها هنا أو هناك، سيكون من السهل التخلص منها».
Reid Makowsky, Gardening and the Moral Life
___ __ __ ___ __ _____
٩- «إن ما كان يزعجني لدى دوستويفسكي هو أجواء كتبه، ذاك العالَم الذي يتحول فيه كل شيء إلى مشاعر، أو بعبارة أخرى: حيث ترتفع المشاعر لتبلغ درجة القيمة أو الحقيقة…
للحساسية أهميتها البالغة لأي إنسان، لكنها تصبح مخيفة متى ما تحوّلت إلى قيمة، أو معيار للحقيقة، أو مبرر لتصرُّف معين.
يمكن لأكثر المشاعر الوطنية نبلًا أن تبرر أسوأ الفظاعات، كما يمكن للإنسان، باسم الحب، وبقلب مفعم بالعواطف المتقدة، أن ينحدر إلى أدنى دركات الانحطاط.
تتحول الحساسية التي تحل محل التفكير العقلاني إلى أساس لسوء التفاهم والتعصب، وتصبح -كما قال كارل غوستاف يونغ- "البنية الجوهرية للوحشية"».
ميلان كونديرا
___ __ __ ___ __ __ ___
١٠- «قال ابن شوذب [ت156هـ]: اجتمع قوم فتذاكروا أي النعم أفضل، فقال رجل: ما ستر اللّٰه عنا من أصوات الملائكة، فلولا ذلك ما هنأنا طعام ولا شراب. فقال الآخر: ما ستر الله به بعضنا عن بعض. قيل: فيرون أن قول ذا أرجح».
___ __ __ ___ __ __ ___
١١- «… ثم قالَ حينَ انفصلَ عن المرأتين، واستقرَّ في الظل: ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إليَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾؛ فهذا دعاءٌ إلى اللّٰه عزَّ وجل ينطقُ الماضي ويرادُ به المستقبلُ، إلا أن في ذلك فائدةٌ، وهي: أنه لشدةِ إيمانِهِ أنَّ اللهَ تعالى لا يغفله، وأن رزقه سيأتيه؛ صار المستقبل عنده في حكم الماضي».
___ __ __ ___ __ __ ___
١٢- أبو المظفر الوزير يحيى ابن هبيرة (ت٥٦٠) رحمه الله
«كنتَ دومًا تباشرني -بقسوتك الرحيمة- صابًا مرّ القرف على جميع مسرّاتي المحرمة؛ لتصرفني عنها إلى طلب مسرَّات لا قرف فيها!».
- القديس أوغسطين ت 430م، الاعترافات
___ __ __ ___ __ _____
١٣- قرأت مؤخرًا مقالة حسنة تكشف عن جانب دقيق من أسرار فشل بعض “الأذكياء” أو تأخرهم، ومما ورد فيها:
«عندما يصبح “الذّكاء” هويتك، تبدأ باتخاذ قرارات غريبة: تُجادل لتنتصر، لا لتتعلّم. لأنّ الخطأ يعني أنك لست ذكيًا. فتُدافع عن رأيك، حتى وأنت تدرك وهنه. وتلوي عنق المنطق حتى لا تعترف بغلطك. لا يبقى هدفك الحقيقة، بل حماية الصّفة. تستهلك محتوى يجعلك تشعر بالذّكاء، لا محتوى يتحدّاك أو يدفعك للتفكير. بل محتوى يؤكّد ما تؤمن به مسبقًا. تبحث عن مقالات تُعزّز نظرتك للعالم، وعن كتب تُشير إليها لتبدو مثقفًا. أفكار تُشعرك بأنك تنتمي إلى “نخبة الأذكياء”.
وتتجنّب المواقف التي قد تبدو فيها غبيًا: مهارات جديدة ستكون فيها مبتدئًا، ومسائل صعبة قد تعجز عن حلّها، وأسئلة لا تعرف لها إجابة، وأي شيء قد يفضح أنك لست بالذكاء الذي تُظهره. تفعل فقط ما تُحسنه، لأن الإتقان يُثبت أنك ذكي، أما الفشل فيُشكّك بذلك. فتظل في "منطقة الراحة"، تُطوّر مهارات لا تهم، وتتجنّب كل ما له قيمة.
وحين تُجرّب شيئًا جديدًا، تستسلم عند أول عقبة، لأن المعاناة تعني أنك لست موهوبًا فيه بالفطرة، وهذا يعني -ربما- أنك لست بالذّكاء الذي كنت تظنّه. وهذا الشعور لا يُطاق!
فكّر في ما الذي تضحّي به فعليًا مقابل الحفاظ على هذه “الصفة”؟
أنت لا تجرّب الشيء الذي يثير فضولك لأنك قد لا تتقنه. لا تطرح السؤال لأنّه قد يكشف أنك لا تعرف أمرًا بديهيًا. لا تبدأ المشروع لأنك لا تملك كل الأجوبة بعد. فتبقى عالقًا في فعل الأشياء التي تجيدها بالفعل، أشياء آمنة، أشياء تؤكد لنفسك أنك ذكي. لكن هذه الأشياء لا تُنميك، بل تُبقيك مرتاحًا بينما توهم نفسك أنك تتصرف بذكاء.
تمرّ السنوات. تنظر إلى الآخرين وهم يفعلون أشياء مثيرة وتتساءل: لماذا لست أنا؟
الإجابة يسيرة: لأنهم كانوا مستعدين لأن يبدوا أغبياء. أنت لم تكن كذلك. ذكاؤك لا يُبقيك في المقدمة، بل يُبقيك عالقًا. لأنك تهتم أكثر بالصفة، بالتصنيف، أكثر مما تهتم بما يمكنك أن تصبح عليه فعلاً!».
___ __ __ ___ __ __
١٤- «أَجرَى الحقُّ سبحانه عادته في خَواصٌ أوليائِه على تأديبِهم عنِ السُّكونِ إلى غيرِه، والارتياح إلى الأُنْسِ بما تتعلّق به حُظوظُ الأنفُسِ مِنَ العزّ والجَاهِ والمالِ والأهلِ والوَلَدِ وطيبِ العَيشِ ولذّةِ الاِتّصالِ؛ كآدم عليه السلام لما أعجبتْهُ الجنّة، وتوطّنتْ نفسُه فيها على الخُلَودِ أُزْعِجَ منها بالخُروج، وإبراهيم عليه السلام لما أعجبَه ولَدُه إسماعيلُ أُمِرَ بذَبحِه، ويعقوب عليه السلام لما أحَبَّ يُوسُفَ ابْتُليَ بفِراقِه، وغيرِ ذلك ممّا لو تتبّعناه طال».
(قطب الدّين محَمّد بن أحْمَد بن علي القسْطلانيّ ت ٦٨٦ رحمه الله)
___ __ __ ___ __ __ ___
١٥- «كان لدى الفلاسفة المسيحيين
إدراك فريد للحزن الذي قد يثيره الجمال. يقول مفكّر القرون الوسطى هيو سان فكتور: "من المؤكّد أننا نشعر بمسرّة عندما نُعجَب بجمال أشياء مرئية. لكننا نعيش، في الوقت نفسه، إحساسًا بخواءٍ هائل!".
إن التفسير الديني لهذا الحزن… هو أننا نرى في الأشياء الجميلة رموزًا لحياة نقيّة عرفنا نعيمها عندما كنا في الجنة. ومع إمكان العودة إلى ذلك الوجود السامي في الفردوس يومًا ما، إلا أن خطايا آدم وحواء تحرمنا هذه الفرصة على الأرض.. وهذا يعني أن الجمال جزء من الفردوس الأعلى، وأن رؤيته تحزننا لأنها توقظ فينا إحساسنا بالخسارة، وتذكي توقَنا إلى حياة حُرمنا حلاوتها!».
___
١٦- «المواظبة على الأوراد هو الطريق إلى اللّٰه للعِباد، وخواصهم من الزهاد والعُبّاد، لأن الناظرين بنور البصيرة علموا أنه لا نجاة إلا في لقاء اللّٰه عز وجل، وأنه لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد محبًّا لله وعارفًا بمولاه، وإن المحبة والأنس لا يحصل إلا من دوام ذكر المحبوب، والمواظبة على فكر المطلوب، وإن المعرفة لا تحصل إلا بدوام الذكر والفكر فيه، وفي صفاته وأفعاله، وليس في الوجود سوى ذاته وصفاته وأفعاله في مصنوعاته، ثم لم يتيسر دوام الذكر المحبوب والفكر إلا بتوديع الدنيا وشهواتها، والاكتفاء منها على قدْر البُلغة وضرورياتها، وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل وساعات النهار في وظائف الأذكار ولطائف الأفكار».
ملا علي القاري ت ١٠١٤هـ
___ __ __ ___ __ __ ___
١٧- «في كُلّ نفسٍ شرٌّ يُتقى، فكلّما كَثر أصحابك كَثُرَ ما تَتقيه!».
عبدالمنعم بن عمر بن حسان الجلياني الأندلسي (ت٦٠٢) رحمه الله
___ __ __ ___ __ _____
١٨- «مَن أرادَ مَعرفةَ اللهِ فلا يُهمِلْ شيئًا مِنَ الوجودِ، ويَنظُرْ في تفاصيلِ أحوالِه وأحوالِ غيرِه، حركةً وسكونًا، وفي ارتباطِ العالَمِ بعضِه ببعضٍ، ولهذا أشارَ بعضُهم إلى أنَّ حقيقةَ العِلمِ بالقُدرةِ إنما تَصِحُّ بعِلمِ الارتباطِ من التشريح والطبيعياتِ. فمَن لم يقدر على ذلك، فله في تفاصيلِ أحوالِ الناسِ كفايةٌ، إذْ لم تَتَّفِقْ هممهم في المطالبِ، ومتى اتَّفَقَتْ فالحركاتُ مختلفةٌ، ولهذا اختارَ العارفونَ سُكنى المدائنِ والبِلادِ الكثيرةِ التنويع، وتعرّفوا أحوالُ الناسِ على حدِّ الشرعِ، فاعلم ذلك».
أبو العباس أحمد زرُّوق البرنسي المالكي ت٨٩٩ رحمه الله
___ __ __ ___ __ __
١٩- «ما يُسمّى بالاطلاع السطحي على كل شيء a smattering of everything لا يُنتج إلا متعالمًا أجوفًا.
لقد طال تأملي، مؤخرًا، كم كنت سأكون رجلًا تعيسًا الآن، لو لم أكتسب في شبابي شيئًا من رصيد العلم وذوقه. ماذا كنت سأصنع بنفسي، في هذا العمر، من دونهما؟ لا شك أنني، كما يفعل كثير من الجهلة، كنت لأُدمّر صحتي وعقلي بتبديد الليالي بلا طائل، أو، ربما، كنت سأنتحر، كما فعل رجل ذات مرة، مللًا من ارتداء وخلع حذائه وجواربه كل يوم!
لم يبقَ لي اليوم سوى كتبي، وهي وحدها رفيقتي، وأجد، كل يوم، صدق قول شيشرون عن المعرفة، إذ قال: (هذه الانشغالات تُغذّي الصبا، وتُمتع الشيخوخة، وتُزيّن أوقات الرخاء، وتكون ملاذًا وعزاء في الشدائد)».
Philip Dormer Stanhope
(1694 - 1773)
___ __ __ ___ __ __ ___
٢٠- أن تحسّ بقدرة خفيّة تنقذك من وسط أزمة اكتئاب، فتستعيد بهجة الحياة بلا سبب واضح. أن تنحرف لاشعوريًا عن السيارة التي تقف فجأة أمامك في اللحظة الأخيرة، فتتفادى حادثة مكلّفة. أن تأتيك رسالة ما، من صديق، أو متابع لا تعرفه، فتقع منك موقعًا يهز كيانك، تدرك حينها أنها رسالة من السماء. أن تندفع بعلّة غامضة فتتصل بوالدتك فتسمع منها ما يمنحك الطاقة اللازمة لبقية الأسبوع. أن تسامحك زوجتك على إساءة ما، مع كونك لا تستحق.. وأن تظل تحبّك برغم كل شيء. أن لا يطمئن قلبك لفتاة تراءت لك، من غير سبب مطلقًا، فتنصرف عن خطبتها، ثم تعلم لاحقًا كم كان قرارك حكيماً. أن يظهر لك فجأة صديق عظيم، لم تبحث عنه، تقابله لأول مرة، فتشكّ أنك تعرفه منذ الأزمنة السحيقة. أن تلهم إجابات حاسمة على شكوك أو أسئلة عارضة، تمر بك، أو بآخرين، إجابات لم تقرأها يومًا في كتاب ولا سمعتها من أحد. أن تظل عيوبك ماثلة أمام عينيك، فتنشغل بها، وتخجل من التحديق في عيوب الآخرين. أن يثني عليك إنسان بثناء صادق، ينتشلك من لحظة احتقار حادة لذاتك، فتستعيد توازنك. أن يحتقرك شخص أو ينتقصك بحدة فيتضعضع كبرياؤك، وتنكمش، وتعلم مقدار ضعفك. أن تغمض عينيك كل مساء فيأتيك النوم، ويأخذ بيدك بلطف، بدون مهدئات ولا عقاقير. أن يمنحك الله الحيوية اللازمة لتتفادى التبلّد البارد أمام مباهج الحياة، وحتى آلامها. أن تظل تنبض بإرادة صلبة برغم كآبة الظروف، وبقلب هادئ في سياق عاصف، وبحب جميل في بيئة عاتية، وبإحساس متفرد في معيشة متشابهة. أن يرزقك الله البصيرة الموفقة لترى ألطافه الخفية في نفسك، وفي ما حولك من ماجريات الدنيا.
هذه رذاذات من أمطار اللطف الرباني، والعناية الإلهية، الهاطلة على قلوبنا كل يوم.
___ __ __ ___ __ __ ___
٢١- «ذُكَرَ لي أنَّ أبا عبدِ اللهِ الغَزَّالَ رضيَ اللهُ عنه كان جالسًا في دُكَّانِهِ، وقد جاءَهُ رجلٌ بحفيدِه، وشكا كَثرةَ لَعبِه وبَطالَتِه، ليُؤدِّبَهُ الشيخُ، ويَزجُرَهُ عن اللَّعبِ، فقال له الشيخُ: مُرَّ والعَب، فتعجَّبنا من الشيخِ؛ كيف يأمرُ الصغيرَ باللَّعِبِ؟! فعرَفَ الشيخُ ما خطرَ في قلوبِنا، فقال: يا إخوانُ، هذه شبيبةٌ متى سُجِنت عن وقتِ ظُهورِها رجعَت إلى الباطنِ فخمدَت، فنخافُ عليه إذا كبِرَ أن تظهَرَ في غيرِ وقتِها، فأنا أريدُ أن يأخذَ الصبيُّ نَهمَتَه من اللَّعِبِ في وقتِ بطالتِه وصِغَرِه».
أبو عبدالله محمد بن أحمد القرشي (ت ٥٩٩) رحمه الله
___ __ __ ___ __ _____
٢٢- ذكر عبدالوهاب الشعراني (ت٩٧٣) أن مما اتصف به شيوخه:
«تَعظيمُ أَحَدِهِم لِلمَنامِ الَّذي يَراهُ، ثُمَّ تَقييدُهُ في كِتابٍ على الفَورِ إِذا استَيقَظَ وَكَتابَتُهُ وَهُوَ على طَهارَةٍ دونَ حَدَثٍ، مِن حَيثُ إِنَّهُ مِن جُملَةِ وَحيِ اللهِ تَعالى إِلى قُلوبِ عِبادِهِ على لِسانِ مَلَكِ الإِلهامِ، وَمِن فَوائِدِ تَقييدِهِ في كِتابٍ عَقِبَ الاستِيقاظِ مِنَ النَّومِ: الأَمانُ مِنَ الزِّيادَةِ أَوِ النَّقصِ فيهِ بِكَلِمَةٍ أَو حَرفٍ».
___ __ __ ___ __ __ ___
٢٣- «على مدى عقود، درس الدكتور جون غوتّمان العلاقات الزوجية من خلال تسجيلات قصيرة لأزواج يخوضون نقاشات أو خلافات. كانت هذه المقاطع، التي لا تتجاوز مدتها ١٥ دقيقة، تُحلَّل بدقة بحيث تُسند عاطفة معينة -كالإشمئزاز أو الحزن أو الحياد أو الانسحاب- إلى كل ثانية من التفاعل.
ومن خلال هذه الدقائق القليلة فحسب، استطاع غوتّمان أن يتنبّأ -بنسبة دقّة تقارب ٩٠٪- بما إذا كان الزوجان سيبقيان على زواجهما بعد خمسة عشر عامًا أم لا. وقد ثبت أن الازدراء والاحتقار هو أدقّ المؤشرات وأقواها على تفكّك العلاقة الزوجية.
ولا يقتصر أثر الازدراء على تسميم العلاقة فحسب، بل يمتدّ ليُسمّم الجسد أيضًا؛ فقد وجد غوتّمان أن مقدار الوقت الذي يستمع فيه أحد الطرفين إلى شريكه وهو يخاطبه بازدراء يتنبّأ بعدد الأمراض المعدية التي قد يُصاب بها خلال الأعوام الأربعة اللاحقة»
___ __ __ ___ __ __ ___
٢٤- «ثَمَّةَ فكرةٌ سخيفةٌ شائعة مؤدّاها أنّ الأخيار لا يعرفون ماهية الإغراء. وهذه كذبةٌ بيّنة؛ لأن الذين يقاومون الإغراء هم -وحدهم- الذين يدركون شدّتَه، وأما من ينهزم له بعد خمس دقائق، فإنه لا يعلم البتّة كيف كان سيكون حاله لو صبر ساعة. ومن ثمَّ فإنّ الأشرار -من وجهٍ ما- أقلّ الناس معرفةً بالشرّ؛ لأنهم اعتادوا دائمًا الاستسلام له. ولا يعرف المرء قوّة نزوعه إلى الشرّ إلا إذا قاومه».
Clive Staples Lewis
(1898–1963)
___ __ __ ___ __ __ ___
٢٥- في مخالطة الناس لا بد من الأذى، ولأننا من الناس فلا بد أن نكون قد آذينا إنسانًا يومًا ما!.
وبعض النفوس لا تتوقع أذى الآخرين، بل تتفاجأ به دائمًا، وكأن أذى الناس لا بد له من مُوجِب؛ بينما تثبت الخبرة في الحياة والمعرفة بالطبائع والنفوس أن الناس لا يحتاجون إلى سبب كي يؤذوا غيرهم، فقد يؤذي المرء غيره، أو حتى صاحبه، بكلمة أو فعل، لا لشيء أو غرض معقول، بل بدافع الاستمتاع المحض، أو لفرض السلطة، أو بسبب قلة المبالاة، أو لكون عدم الإيذاء فيه نوع من المشقة المتوهَّمة، أو تلذذًا بالأذى المجرد.
والذي يلزم العاقل ألا يستكثر الإساءة من الآخرين، وأن يتوقع الأذى، حتى ممن يعتبرهم مقرَّبين أو من أصحابه. وعليه أن يقاوم حساسيته المفرطة -إن كان كذلك- من أذى الآخرين، فإنه لا بد له من ذلك، لأن الإيذاء من جملة الكَبَدِ الذي لا ينفك عنه الإنسان، ولا يتحرز منه إلا بالعزلة الشديدة، على أنها هي الأخرى لا تخلو من آلامٍ مبرحة تخصُّها!
___ __ __ ___ __ __ ___
٢٦- «يَقصدُ أهلَ الفضلِ دون الورى
مصائبُ الدنيا وآفاتها
كالطير لا يُحْبسُ مِن بينها
إلا التي تُطربُ أصواتها!».
___ __ __ ___ __ __ ___
٢٧- «لقد عرفتُ زيجات سعيدة كثيرة، لكنني لم أعرف زيجة متوافقة compatible حقًا؛ فغاية الزواج الأساسية أن يخوض الزوجان تلك اللحظة التي يغدو فيها عدم التوافق أمرًا لا شك فيه، وأن ينجوا منها معًا؛ فالرجل والمرأة -بطبيعتهما- غير متوافقين!».
Gilbert Keith Chesterton
(1874 – 1936)
___ __ __ ___ __ __ ___
٢٨- في عام ١٧٦٦ كان ديدرو قد بلغ من العمر ٥٣ عامًا، فأتاه المال فجأة بعد طول فقرٍ وشدّة؛ فقد عاش حياته مترجمًا ومحرّرًا، مع شحّ في العيش وضيق في النفقة، حتى همّ ببيع مكتبته ليُزوّج ابنته، فلما بلغ الخبر كاترين سلطانة روسيا وراعية أهل الفكر، اشترت مكتبته بمبلغ كبير، وأبقت له الانتفاع بها، وأجرت له راتبًا سنويًا.
___ __ __ ___ __ __ ___
٢٩- «أفضلَ العلومِ: فهمُ سرِّ الحكمةِ في حُكمِ الحكيمِ تعالى؛ لأنَّه يقوَى به الإيمانُ، وفيه عونٌ على النَّفسِ، يؤيِّد ذلك قولُه تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، فإنَّ اليقينَ لا يحصلُ في الغالبِ إلَّا بالنَّظِرِ والفَهمِ والتَّدبُّر».
ابن أبي جمرة الأندلسي (ت ٦٩٥هـ) رحمه الله
___ __ __ ___ __ _____
٣٠- في كتابه "القومية وبدائلها" لم يستطع كارل دويتش أن يكتم ازدراءه لمن تأخذهم العصبية القومية؛ وكتب: «إن الشعب -كما يقول مَثَل أوروبي أسيف- هو جماعة من الناس يجمعهم وَهْمٌ مشترك بشأن أصولهم، وكراهية مشتركة لجيرانهم!»
___ __ __ ___ __ __ ___
٣١- «يا لبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات [لتعليم بني إسرائيل الخضوع له]، وقد كان ذلك أسهل طريق لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التاريخ!».
شاعر الأردية الساخر أكبر الإله آبادي (ت 1921)
___ __ __ ___ __ __ ___
٣٢- «جميع هذه الأشياء التي لا يَعْرى من علمها أحد هي حاصلة في ذهن الإنسان من أول وجوده، غريزيّة فيه. غير أن الإنسان ربما لم يشعر بما هو حاصل في ذهنه، حتى إذا سمع اللفظ الدالّ عليه؛ شعر حينئذٍ أنها كانت في ذهنه. وكذلك ربما لم تنفصل هذه الأشياء بعضها عن بعض في ذهنه؛ حتى يرى الإنسان بذهنه كل واحد منها على حِياله؛ حتى إذا سمع الألفاظ المتباينة الدالة عليها رآها منفصلة متميزة في ذهنه. فلذلك ينبغي -فيما اتفق منها أنْ لا يُشعر به أو لا يُشعر بفصل بعضه عن بعض-؛ أن يُعدّد ألفاظها الدالة عليها؛ فحينئذٍ يشعر بها الإنسان، ويرى كل واحد على حِياله».
أبو نصر الفارابي ت٣٣٩هـ
(بدلالة مشكورة من أ. نوران رضا )
___ __ __ ___ __ __ ___
٣٣- «على مدى ما يقارب الثلاثين عامًا من ممارستي للتحليل النفسي والعلاج النفسي، سنحت لي فرصة فريدة لمراقبة الناس وهم يكافحون لفهم حقيقتهم، وما الذي يُشكّل ذواتهم. وأدرك مرارًا، كل يوم تقريبًا، كم يصعب علينا تقبُّل حدود سيطرتنا الحقيقية على حياتنا وذواتنا. ومع ذلك، نصرّ –بوعي أو بغير وعي– على أننا نملك من التحكّم في مشاعرنا وعلاقاتنا ومصائرنا أكثر مما هو ممكن في الواقع!».
Stephen Mitchell,
Can Love Last?: The Fate of Romance over Time (2003).
___ __ __ ___ __ __ ___
٣٤- «لا مهرب من ذلك الإحساس الراسخ: أن أعظم أشواق الإنسان تتجاوز حدود الإشباع الممكن. فحين يرغب الإنسان في شيء بشغف عارم، فإنه يرغب فيه إلى حد لا يمكن لأي قدر منه أن يكفيه. وربما كانت هذه الرغبة -التي يُحس بها بوضوح وجودي يكاد يجعلها حقيقة لا شك فيها- هي ما دفع المفكرين الدينيين إلى افتراض وجود الأبدية؛ كأنما المنطق يقول إننا نبدو في حاجة فعلية إليها».
Becca Rothfeld
___ __ __ ___ __ _____
٣٥- قرأتُ قبل مدة فكرة تقول إن كل حماقة لها ثمن، وكل زلة ستلحق المرء عواقبها، وإن توهم أنه سينجو غالبًا بلا تبعة. لم أتوقف عندها طويلًا، لكنّها عادت تُلحّ عليّ، حتى بدت لي جديرة بالتأمل.
وتبيّن لي أن هذا التصور يحمل في جوهره نزعةً وثنية أو لا دينية، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الكارما كما يُتداول ثقافيًا اليوم، لا كما يُضبط في المدونات العقدية للأديان الشرقية. فالكارما -في المخيال الشائع شرقًا وغربًا- تُقدَّم بوصفها قانونًا حتميًا صارمًا، يحكم العلاقة بين الخطأ وآثاره، بحيث لا مهرب للإنسان من تبعات أفعاله، ولا مجال فيها للنجاة أو الاستثناء.
ولعلّ شيوع هذا التصور يعود -جزئيًا- إلى النفور العام من الأوامر والنواهي الدينية، وإلى توق الإنسان إلى نظامٍ أخلاقي لا يقوم على خطاب التكليف والامتثال. ولأن الإنسان، في النهاية، لا يستطيع أن يعيش بلا حدود أو قيود، جرى الاحتفاء بالكارما بوصفها بديلًا: من جهةٍ، لتكون رادعًا ذاتيًا يزعم أنه يحفّز على تجنّب الخطأ لأن العاقبة حتمية، ومن جهة أخرى، لما يترتب عليه مما يشبه “العدالة الناجزة” التي لا تحتاج إلى إله ولا حساب أخروي.
غير أن التأمل الأعمق في هذا التصور يجعله مرعبًا بحق!
فإذا كان كل خطأ، وكل زلّة، وكل حماقة، لا بد أن تلحق بصاحبها آثارها السيئة لا محالة، فإن الحياة نفسها ستغدو جحيمًا مطلقًا. فنحن -في نهاية المطاف- بشر ضعفاء تغلبنا الرغبة، وتفسدنا العجلة، ويطغينا الظلم، ويعمينا الجهل، ولو أن الإنسان أحصى زلاته كافة في يومه وليلته، أو عاش وهو ينتظر ارتداد كل فعل عليه، لما استطاع أن ينام قرير العين، ولغلب عليه اليأس، وتحول إلى كائن بائس، مثقل بالذنب، مسكون بالخوف الأسود.
بينما يقدّم التصور الشرعي رؤيةً مختلفة جذريًا: فالمؤمن يولد بلا ذنب، ولا وجود لخطيئة أصلية. يولد في حالة نقاء، ثم تلحقه الذنوب بعد ذلك. ومع هذا، فإن هذه الذنوب ليست حتمية الأثر، ولا يُجازى عليها الإنسان بالسوء بالضرورة، فلا حتم ولا كارما ولا قانون أعمى، بل فُتحت أمامه أبواب واسعة للتراجع، والمحو، والإزالة، والستر، والمغفرة، بأشكال متعددة ومسالك رحيمة.
ويكفي في هذا الباب ما ورد في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ معترفًا بأنه قبّل امرأة وخالطها مخالطة الأزواج، إلا أنه لم يواقعها، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ}، فقالَ الرَّجُلُ: يا رَسولَ اللَّهِ ألِي هذا؟ قالَ ﷺ: لِجَمِيعِ أُمَّتي كُلِّهِمْ.
وهذا الحديث من أحاديث الرجاء الجليلة، وتأمل ما فيه من إشراع لباب التوبة، وتيسيرًا لطريق العودة، فالحمد لله على سعة رحمته، وعظيم مغفرته، وفتحه أبواب الأمل لعباده، وغفر لي ولكم سائر الزلل، ما تقدّم منه وما تأخّر.
___ __ __ ___ __ __ ___
٣٦- «قال أبو الطيب:
وما كان تركُ الشعر إلا لأنه
تقصرُ عن وصف الأمير المدائحُ
قلتُ: وما أحق أن يتمثل بهذا عند ترك الاشتغال بمديح النبي ﷺ! فإن أكثر الفحول تركوه واشتغلوا بمديح غيره، وما ذلك إلا عجزًا؛ فإن نباهة مكانه ﷺ وجلالة جانبه تبهر العقل وتحيّر الفكر، فلا يستطيع أن يجول فيه، ولو جال لقصّر.
وقد ذكر ابن الخطيب رحمه الله هذا المعنى في صدر كتاب السحر والشعر له، بعد أن ذكر مقطعات لبعض الأدباء في مدحه ﷺ فقال: (وكما أن الشعر لم يتعلمه رسول الله ﷺ ولا ينبغي له لئلا يرتاب المبطلون، وذلك في حقه كمال، بخلاف غيره، كذلك يبعد أو يمتنع أن يوجد قسم السحر في مدحه، إذ أصله الإغواء والمحاكاة والخيال والتمجين)، حتى قال: (ووقار جانبه ﷺ يبهر النفس ويمنع من استرسالها في ذلك. فالمجيد فيه من عول على نصاعة اللفظ، وقصد الحق، وقرب المعنى، وإيثار الجد).
قلتُ: ومن أسباب ذلك أيضًا أن المديح إنما يحسن ويستغرب لاشتماله على محاسن وأوصاف كمال للممدوح، يتفطّن لها الشاعر دون غيره، ويبالغ فيها أكثر مما يستحق الممدوح ويظن به. وقد عُلم في حق النبي ﷺ أن كل ما يتخيله الشاعر من المحاسن والكمالات، فالنبي ﷺ زائد على ذلك وأرفع منه، إذ لا يبقى فوق كماله ﷺ إلا كمال الألوهية، وليس لأحد أن يثبته له، فلم يبق للشاعر إلا أن يبين ما هو عليه أو أنقص، وكلاهما لا طائل فيه. مع أن تبيان قدره ﷺ متعذّر عادةً، إذ لا تصل إليه العقول. فليس إلا القصور. ولله در القائل:
ما قصر الشعراء فيك تعمدًا
بل دقّ عن أفكارهم معناكا».
أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي (١٠٤٠ - ١١٠٢ هـ)
___ __ __ ___ __ __ ___
٣٧- «الموت، والفقد، والفشل، والشعور بالذنب، والصراع الأخلاقي، ووعي الإنسان بفنائه؛ ليست مشكلاتٍ يمكن لخدمات الصحة النفسية، مهما تحسّنت، أن تحلّها؛ بل هي سماتٌ ملازمةٌ للوجود الإنساني.
وحينما تَحِلُّ هذه التجارب -وهي لا بدَّ آتيةٌ لكلِّ إنسان- لا يكفي الناسَ مجرّدُ استراتيجيات للتكيّف، بل يحتاجون إلى ما سمّاه الفيلسوف جوناثان لير -في حديثه عن شبه اندثار ثقافة شعب الكرو- "الأمل الجذري"؛ لا الأمل في عودة الأمور إلى ما كانت عليه، بل الأمل في أن للمعاناة معنًى، وفي إمكان العيش بعد الاقتلاع والدمار، وأنّ ثَمّةَ من صمدوا من قبل ووجدوا سبيلًا إلى العبور.
وهذا الأمل لا تولّده الأطرُ العلاجية أو المقارباتُ السريرية، بل تنقله الثقافةُ؛ عبر القصص، والصور، والأفكار، والأشكال التي تُعبِّر بها الحضارةُ عن فهمها للمعاناة وما تقتضيه».
steven mintz, the disappearance of existential frameworks
___ __ __ ___ __ _____

تعليقات
إرسال تعليق