1- كلامي
"الناس يفرون من العطف على المبتلى بخيبات الآمال والمحروم من تحصيل الضرورات والرغائب وعذره , إلى لومه ونسبة حرمانه إلى أخطائه وسوء طبعه وعقله خاصة إذا أحسن إليهم, لأن إحسانه إليهم يوجع ضمائرهم ويضع إنسانيتهم على شفا جرف هار يكاد أن ينهار فتناديهم تلك الضمائر أن يكافؤوه حتى ولو لم يطلب ذلك منهم فيبادرون تلك الضمائر بما يسكتها فينسبون الخيبة إليه ويحاذرون أن ينقبوا عن الأسباب الحقيقية أو يفترضونها فضلا عن العون بدون سؤال واستقصاء ويلبسون اللوم واللؤم ثوب النصيحة والمودة فينقلب إحسانه ضررا عليه وهو منهم في عجب إذا لم يكن قد طلب منهم, وقد ينسبون تلك الخيبات للقدر الذي يبتلي العاصي لمعاصيه أو المطيع لمحبة الله له ويرون أن لا حيلة لهم في القدر, إيمان ويقين بلا شك ولكنه إيمان كإيمان الكافرين الذين قال الله فيهم ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47)"))
2- قال تعالي في سورة الأحزاب (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19))) فاجتمعت لهم ثلاث صفات: الجبن والبخل واللوم لكن تكرر وصف اشحة مقترنا ومفسرا لحقيقة اللوم
وما أروع وأدق ما قال سيدنا علي بن أبي طالب
أَخوكَ الَّذي إِن أَحرَجَتكَ مُلِمَّةٌ.
مِنَ الدَهرِ لَم يَبَرَح لَها الدَهرُ واحِما.
وَلَيسَ أَخوكَ بِالَّذي إِن تَشَعَّبَت.
عَلَيكَ أُمورٌ ظَلَّ يَلحاكَ لائِما
-
2- كلام العقاد
وكان لفشل ابن الرومي وحرمانه سبب آخر هو فشله وحرمانه.
نعم كان فشله وحرمانه سببًا لنفرة الناس منه واتهامهم إياه، فكانوا يلومونه على بلواه، ويعدونها من ذنوبه وخطاياه، وكان لومهم هذا بلاء فوق بلاء، وحسرة فوق حسرة، وشكاية أشد عليه من سائر الشكايات؛ لأنها تحرمه حق الشكاية:
يا رب ما أطول البلاء وما
أكثر في أن بُليتُ لوَّامي
يلومني الناس أن حرمت وما
ألزمني الله غير إحرامي
فإذا شكا فهو مذنب، وإذا سكت فالرزيئة عنده أعظم من السكوت، وهذا آلم ما يبتلى به المنكوب وأظلمه وأدعاه إلى المزيد من نكبته وظلمه، ولكنه كذلك طبيعي مألوف في الناس؛ لأنهم لا يكلفون أنفسهم الرأفة بأحد إذا استطاعوا أن يحيلوا عليه جريرة خطاياه! فإذا حرم فما ذاك إلا لأنه محروم مستحق للحرمان بما جناه على نفسه، أو بما جناه عليه القضاء، وإذا كان كذلك فهم أولى بالإجفال منه والهرب من عدوى شقائه! وإلا فماذا يصنعون له وهو الجاني على ن
فسه؟ ثم ماذا يصنعون للقضاء ولا طاقة لهم برد القضاء؟ فمن حرم وفشل فليحرم أبدًا وليفشل أبدًا، وليكن مصابه حجة للمزيد من مصابه، ودليلًا على شقاء مكتوب عليه لا خلاص منه، ولا للناس فيه حيلة!

تعليقات
إرسال تعليق