إذلال الأم كسر لرجولة أبنائها، وقال علي رضي الله عنه وهو ذاهب ليقارع قرنه:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة.
ويرى العقاد أن الرجل الشجاع المقتحم ابن الذليلة المهينة لا يوجد إلا في بلاد الواق واق وعالم الأساطير
___ __ __ ___ __ __
يقول جيفري لانج:
إن كون الطفل هدفاً لغضب والده لا يعد سيئاً حقاً؛ لأنه لا يفكر حينئذ إلا بنجاته. فعندما يوجه أبوك لكماته إليك أو يرفسك بقدمه طارحاً إياك على الأرض، أو يطاردك في البيت مهدداً : 《لأذبحنك أيها الولد》 فإن كل ما تفكر فيه إذ ذاك هو النجاة. أن لا تفكر في حمأة الهجوم بنتائجه أو بما يسفر عنه؛
وعندما ينتهي الأمر فإنك تختلق له الأعذار، لأنك تظن أنك ربما تستحق ذلك، إن لم يكن على ما فعلته الآن فعلى فعلة ارتكبتها في الماضي. أما رؤيتك والدك يهجم على أمك فإن الخوف الذي يتولد لديك يختلف تماماً عن أي خوف آخر؛ لأنها كما تعلم هي المنبع الوحيد للطف والحنان والحب والحماية، ومن ثم، فإذا ما حاول الوالد أن ينهي ذلك كله، فإنك تفقد كل شيء. ومع ذلك، وبغض النظر عن الخوف الذي ينتابك، فإنك تشعر بالإثم يجتاحك من جهات مختلفة. فهناك إثم صادر عن الكراهية التي تنمو فيك تجاه والدك، لأننا تعلمنا أن نحب آباءنا ونحترمهم، وقد ولدنا مرتبطين بهم ارتباطاً طبيعياً. وهناك إثم صادر عن معرفتك بأنك أنت سبب العنف الذي مارسه والدك ضد أمك. إذ ربما تكون قد أثرت غضبه بطريقة لا تعيها. وربما يكره أن تكون سبباً في إثارة جدال بينه وبينها. أقسى إثم على الإطلاق إدراكك أنك لا تستطيع فعل شيء لمنع والدك من إيذاء أمك. وحرصاً على سلامتك تختبئ في فراشك عندما يصب أبوك جام غضبه على أمك، وبذلك تكون قد استبدلت بالسلامة الشخصية احترام الذات. إنك تعاني مع حادثة كهذه، بل تدرك بوضوح أكبر ضعفك وتخنثك (ضعفك الجنسي) وعجزك، وتفاهتك وجبنك والكره الذي ينمو ويفرّخ في ذاتك ليس فقط تجاه الرجل الذي نسميه (أباً)، بل تجاه نفسك أيضاً. إذ من المريع جداً أن تضع شخصاً ما في الخيار بين نفسه وبين أمه، إنه لظلم فادح.
عندما سرت في جنازة أمي بعد بضع سنين كان الذين يعزونني يصفونها بالطريقة ذاتها قائلين : أمك يا جيف كانت قديسة حقاً». ويبدو أن كل من يعرفها يشفق عليها، ويعجب بها لتحملها والدي طيلة تلك السنين التي عاشتها
معه، بكل صبر وقوة ورحمة ومرح. ومع ذلك لم تعد نفسها ضحية أبداً، ولم تسع إلى اكتساب عطف أحد؛ لأنها تعتقد أن الزواج الذي عقد مع زوجها عندما كانت في الحادية والعشرين من عمرها زواج مقدس لا يجوز انتهاكه. فضلاً عن أنها كانت تقول دائماً : إنها تحب والدي، الأمر الذي كان من الصعب علي أن أفهمه.
كانت أمي قوية الإرادة واثقة بنفسها تنبض حيوية ونشاطاً. وكان شعارها المفضل حيث تتوافر الإرادة، تتوافر الوسيلة». وكانت تقول دائماً : كل شيء ممكن بعون الله، وما من أحد ولا من شيء يستطيع تدميرها أو إذلالها.
لقد صدمنا جميعاً عندما أصيبت في السابعة والستين من عمرها بانهيار عصبي. فقد كنا نؤمن بعزيمتها التي لا تضعف ولا تدمر. وبعد ذلك لم تعد هي أمنا التي نعهدها، إذ قضت السنوات الست الأخيرة من عمرها تصارع ما وصفه الأطباء بأنه مس من الاكتئاب. توفي والدي بعدها بسنة.
ما زلت أفتقد أمي افتقاداً موحشاً. فقد كانت لزمن طويل هي الشخص الوحيد الذي أستطيع محبته كانت أقرب أصدقائي إلي حاميتي وبطلي الوحيد.

تعليقات
إرسال تعليق