الاعتصام بالله والاستمساك بالحق جاء في القرآن الكريم في عدة معان ، فمن ذلك:
١- مجيئه متصلا بموالاة المؤمنين وترك موالاة الكافرين .
قال الله تبارك وتعالى
﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلايا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبيناإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراإلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾ [النساء: ١٤٣-١٤٦]
والتضاد بين التذبذب والاعتصام لافت جدا مما يدل على ارتباط السياق ببعضه
وقيمة الاعتصام تكون في حال قوة الكافرين وضعف قوة المؤمنين أو تساوي القوتين فيتحير المنافقون في من سينتصر فيتذبذبون هنا حينا وهنا حينا أو يكون التذبذب بسبب حالة فكرية منعزلة عن الوحي أو مضاهية له
ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر من تاب واعتصم بالله بأنه "مع المؤمنين"
فاعتصام الإنسان مع المؤمنين نابع من وعيه بأنه مع الكفة الراجحة وأن الله يحب المؤمنين فيتمسك هو بأن يكون مع المحبوبين
وقريب من هذا قول الله جل جلاله
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرينوكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيميا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمونواعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدونولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحونولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ [آل عمران: ١٠٠-١٠٥]
ومنه قول الله تبارك وتعالى
﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليمالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢٥٦-٢٥٧]
فكما جاء في سورة آلعمران أن من اعتصم بالله عز وجل هدي إلى صراط مستقيم
جاء هنا أن من استمسك بالعروة الوثقى بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله فالله يخرجه من الظلمات إلى النور أي إخراجا بعد إخراج
٢- ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمورومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدورنمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾ [لقمان: ٢٢-٢٤]
فمن جعل الله غايته من الحياة وقاوم كل الإرادات المخالفة لذلك وأتى بالحسنات والخير فقد استمسك بالعروة الوثقى
ثم إن الحزن على الكافرين أو الضالين والرغبة في هدايتهم قد تجرف البعض عن الاستمساك بالوحي والحق بغرض هدايتهم
﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلاولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلاإذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا﴾ [الإسراء: ٧٣-٧٥]
فقلبه الشريف حنون جدا ورحيم جدا فثبت الله تبارك وتعالى قلبه الشريف أمام تلك الفتنة .. وهي فتنة نراها في بعض المعاصرين بلغت حد الوقوع في الكفر وترك المجمع عليه ..
ومن الحزن المتعلق بالكافرين فتنة "الحضارة" بمعنى الرفاهية والرقي التقني والثراء
فتقول الآيات (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ)
___
يقول شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري:
((اﻻِﻋْﺘِﺼَﺎﻡ ﺑِﺤَﺒﻞ اﻟﻠﻪ ﻫُﻮَ اﻟْﻤُﺤَﺎﻓﻈَﺔ ﻋﻠﻰ ﻃَﺎﻋَﺘﻪ ﻣﺮاﻗﺒﺎ ﻷَﻣﺮﻩ ﻭاﻻﻋﺘﺼﺎﻡ ﺑِﺎﻟﻠَّﻪ ﻫُﻮَ اﻟﺘﺮﻗﻲ ﻋَﻦ ﻛﻞ ﻣﻮﻫﻮﻡ ﻭاﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺗﺮﺩﺩ
ﻭاﻻﻋﺘﺼﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﺛَﻼَﺙ ﺩَﺭَﺟَﺎﺕ
1- اﻋﺘﺼﺎﻡ اﻟْﻌَﺎﻣَّﺔ ﺑﺎﻟْﺨﺒﺮ اﺳﺘﺴﻼﻣﺎ ﻭﺇﺫﻋﺎﻧﺎ
ﺃ- ﺑﺘﺼﺪﻳﻖ اﻟْﻮَﻋْﺪ ﻭاﻟﻮﻋﻴﺪ
ﺑ -ﻭﺗﻌﻈﻴﻢ اﻷَْﻣﺮ ﻭَاﻟﻨَّﻬْﻲ
ﺟ- ﻭﺗﺄﺳﻴﺲ اﻟْﻤُﻌَﺎﻣَﻠَﺔ ﻋﻠﻰ اﻟْﻴَﻘِﻴﻦ ﻭاﻹﻧﺼﺎﻑ ﻭَﻫُﻮَ اﻻِﻋْﺘِﺼَﺎﻡ ﺑِﺤَﺒﻞ اﻟﻠﻪ
2 - ﻭاﻋﺘﺼﺎﻡ اﻟْﺨَﺎﺻَّﺔ ﺑﺎﻻﻧﻘﻄﺎﻉ
ﺃ- ﻭﻫﻮ ﺻﻮﻥ اﻹِْﺭَاﺩَﺓ ﻗﺒﻀﺎ
ﺑ - ﻭﺇﺳﺒﺎﻝ اﻟْﺨُﻠُﻖ ﻋﻠﻰ اﻟْﺨَﻠْﻖ ﺑﺴﻄﺎ
ﺟ - ﻭﺭﻓﺾ اﻟﻌﻼﺋﻖ ﻋﺰﻣﺎ ﻭَﻫُﻮَ اﻟﺘَّﻤَﺴُّﻚ ﺑﺎﻟﻌﺮﻭﺓ اﻟﻮﺛﻘﻰ
3 - ﻭاﻋﺘﺼﺎﻡ ﺧَﺎﺻَّﺔ اﻟْﺨَﺎﺻَّﺔ ﺑﺎﻻﺗﺼﺎﻝ
ﻭﻫﻮ ﺷُﻬُﻮﺩ اﻟْﺤﻖ ﺗﻔﺮﻳﺪا ﺑﻌﺪ اﻻﺳﺘﺨﺬاء ﻟَﻪُ ﺗَﻌْﻈِﻴﻤًﺎ ﻭاﻻﺷﺘﻐﺎﻝ ﺑِﻪِ ﻗﺮﺑﺎ ﻭَﻫُﻮَ اﻻِﻋْﺘِﺼَﺎﻡ ﺑِﺎﻟﻠَّﻪ

تعليقات
إرسال تعليق