💎💎💎💎💎
فوائد قرآنية ٧
___
قال الله تبارك وتعالى:
﴿سبح اسم ربك الأعلىالذي خلق فسوىوالذي قدر فهدىوالذي أخرج المرعىفجعله غثاء أحوىسنقرئك فلا تنسىإلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفىونيسرك لليسرى﴾ [الأعلى: ١-٨]
¤ فيه الاستدلال بالرعاية الكونية على دخول الفرد فيها خاصة ممارس الدعوة وهذا من حسن الظن بالله تبارك وتعالى، فإن من إساءة الظن أن يظن العبد أن البهائم سيجهز لها مرعاها رعاية من الله ويرمى هو، وأن النظر إلى الكونيات كأنها حالة آلية وليست حالة رعاية من إساءة الظن وعدم التسبيح.
¤ وفيه أن الممارسة الدعوية مثلها مثل سائر المخلوقات مرعية مدبر لها، فيتحرك الداعية موقنا بالتوفيق والمدد والاستمداد المتجدد ولا يرتبط بالإعداد وحده
قال الألوسي (وقوله تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى بيان لهدايته تعالى شأنه الخاصة برسوله صلّى الله عليه وسلم إثر بيان هدايته عز وجل العامة لكافة مخلوقاته سبحانه وهي هدايته عليه الصلاة والسلام لتلقي الوحي وحفظ القرآن الذي هو هدى للعالمين وتوفيقه صلّى الله عليه وسلم لهداية الناس أجمعين)
¤ والتسبيح معناه أن الظن بعدم رعاية الله لتفاصيل ودقائق ممارس الدعوة لا يليق، حتى النسيان وعدم التمكن داخل في الرعاية
وجاء تسبيح الاسم للتنبيه على أن المقصود ليس تسبيح الذات العلية في وجودها الأسمى، بل تسبيح تأثير الله وفعله في مخلوقاته ولذا جاء اسمه (الأعلى) استحضارا للمقارنة ، ولو كان تسبيح الذات هو المقصود لذكر اسم (العلي)
و"ربك" فيها معنى الرعاية والكاف لاستحضار خصوصية الرعاية للتالي وأنه ليس مهملا، وذكر الجهر وما يخفى لاستحضار التسليم للعليم الخبير وأنه سيجهز للداعية ما يناسب ما يتوقعه وما لا يتوقعه، وييسره للاختيار الأنسب،
والتسوية تجهيز في الذات، والتقدير تجهيز في المحيط والهداية إلهام لحسن الحركة في المحيط وهذا ينطبق على الدعوة والكونيات
وجعل المرعى يابسا أحوى أي أسمر لكي يمكن حفظه فلا يفسد مناسب للحفظ في قوله (سنقرئك فلا تنسى)
فالذي هيأ أرزاق الأنعام والبشر من مرعى وحبوب لتحفظ سيهيء من باب أولى حفظ أرزاقهم من الوحي والعلم، وسيحفظها للدعاة.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين قراءة سورة الأعلى وسورة الغاشية في الأعياد ، وسورة الغاشية فيها الاستدلال بإرتفاع السماء على السرر المرفوعة في الجنة، وأن العلو غاية وليس حاجة، وبانتصاب الجبال على منتصبات الجنة ومنها الأكواب الموضوعة، والجامع بين الأكواب والجبال ارتباطهما بالمشروب، وببسطة الأرض على بسطة النمارق والزرابي في الجنة، وقد ورد ذلك عن ابن عباس وفصله البقاعي و هو مفهوم من الفاء في قول الله تبارك وتعالى (أفلا ينظرون)
والله أعلم
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى في شأن إبراهيم عليه السلام: (إذ جاء ربه بقلب سليم)
وقال جل وعلا: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين)
¤ فيهما بيان فاعلية النية في الانقطاع قربا إلى الله ، بحيث يكون التوجه بالنية مكافئا للتوجه للمكان، فإن إبراهيم عليه السلام عنى بذهابه إلى ربه هجرته للشام، والله موجود بقربه في العراق وفي الشام وفي كل مكان، ولكن الفارق هو نية الانضمام إلى إيواء الله والانقطاع عن ما يضاد ذلك كما قال (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) فتلك النية ليست حالة تخيلية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها (ﺃﻣﺎ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﻓﺄﻭﻯ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ ﻓﺂﻭاﻩ اﻟﻠﻪ) إن الإيواء هنا ليس التمكين من فراغ المجلس إذ قد يقع هذا التمكن من منافق.
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم﴾ [الحديد: ٢٨]
¤ قال في ظلال القرآن عن الكفلين(ﻭﻫﻮ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﻋﺠﻴﺐ.
ﻓﺮﺣﻤﺔ اﻟﻠﻪ ﻻ ﺗﺘﺠﺰﺃ، ﻭﻣﺠﺮﺩ ﻣﺴﻬﺎ ﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﻤﻨﺤﻪ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﺎ)
وأيضا لماذا لا يضمان فيكونان كفلا عظيما
والجواب أنه لو جاز ضمهما لكان تقسيمهما بلا معنى.
وإنما لم يجز ضمهما لأن كلا منهما كامل في مقصوده من كفالة الإنسان، كعباءة تكفله، فإذا ضمت لها عباءة لم يجز أن يقال: اجعلهما عباءة واحدة
قال الراغب: الكفل الحظ الذي فيه الكفاية كأنه تكفل بأمره.
والكفل في اللغة كساء يدار على سنام البعير ليتمكن الراكب من ركوبه.
غير أن العباءتين لا يلبسان معا وإنما يتبادلان
بينما الكفلان يفعلان معا ويلتبسان المؤمن معا وكل منهما كامل
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى: ((يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم ))
¤ "هل أدلكم" تختلف عن هل أخبركم، إذ تتضمن أن المدلول عليه شيء استثنائي وإلا لم يحتج لمن يدل عليه، ثم إن استثنائيته تتضخم بحسب علم الدال عليه سبحانه وتعالى، ثم بحسب نصحه وصدقه وخيريته، وكل المصطلحات البلاغية تتقاصر عن إيفاء توصيف أسلوب الاستفهام في تلك الجملة خاصة وأن الاستفهام معناه تعظيم الله سبحانه و تعالى للمدلول عليه.
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهونيقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمونيا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرونوأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحينولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ [المنافقون: ٧-١١]
¤ فيه المضادة لحال المنافقين الذين لا ينفقون بأن ننفق
¤ وفي حال الضيق ينبغي عدم الاستجابة لضغوط أصحاب الأموال أو للأزمات المالية لأن الله تبارك وتعالى له جميع الخزائن، و حال السعة ينبغي عدم الشح بالنفقة
¤ وفيه المضادة بين من يرى حاجة الناس فرصة للضغط ، ومن يبصر فرصة العيش قبل الأجل ويخشى فواتها فيرى حاجة الناس فرصة للادخار الأخروي فيبادر للنفقة
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرونسواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [المنافقون: ٥-٦]
¤ تعليل عدم المغفرة بعدم هداية الفاسقين له وجوه:
الأول: أن الكبر والفسق هنا متلازمين ومنه قول الله تبارك وتعالى ﴿... فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون﴾ [الأحقاف: ٢٠] أي أن فسقهم كان تفعيلا للكبر، والمستكبر لا يهتدي.
الثاني: أن عدم انكسارهم لوقوعهم في الذنوب جعلهم لا يتواضعون طلبا للمغفرة، ثم عدوها لا شيء فاستمرأوا الاستمرار عليها فسقا ولم يعزموا مفارقتها بمعنى أنهم لم يطلبوا الاهتداء المضاد لطريق الذنوب فلم يستحقوا الهداية ، فإن الاستغفار وطلب طريق الهداية والاستقامة متلازمين ، قال الله تبارك وتعالى:
﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين﴾ [فصلت: ٦]
وأيضا:
﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾ [النساء: ١٣٧]
وأيضا:
﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا﴾ [النساء: ١٦٨]
وأيضا:
﴿إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾ [طه: ٧٣]
وفي الآية الأخرى:
﴿إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين﴾ [الشعراء: ٥١]
وأيضا:
﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما﴾ [الفتح: ٢]
فالشعور بثقل الذنوب سبب لطلب التخلص منها بالسير في طريق الهداية
وهذا الشعور ينقض الفسق الأكبر لأن حقيقته هي الخروج عن المنظومة القيمية المعرفية التي تعد الفعل المعين إثما أو قبحا، وفي قصة إبليس (ففسق عن أمر ربه) فكان فسقه تقيميا معرفيا
وقال الله تبارك وتعالى ﴿والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون﴾ [الأنعام: ٤٩]
عن عمرو ابن العاص قال: فلمّا جعلَ اللَّهُ الإسلامَ في قَلبي أتيتُ النَّبيَّ ﷺ، فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ابسط يمينَكَ لأبايعَكَ، فبسطَ يدَهُ، فقَبضتُ يدي، فقالَ: ما لَكَ يا عمرُو؟ قالَ: أردتُ أن أشترطَ قالَ: تشتَرِطُ ماذا؟ قالَ: أن يُغفَرَ لي قالَ: أما علِمتَ يا عمرُو أنَّ الإسلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قبلَهُ، وأنَّ الهجرةَ تَهَدَّمُ ما كانَ قبلَها، وأنَّ الحجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قبلَهُ) رواه مسلم
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيمالذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيلفانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾ [آل عمران: ١٧٢-١٧٤]
¤ لما تحاملوا على جراحهم مغامرين بأن تحدث لهم جراحات جديدة، أعادهم الله دون أن يمسسهم أي جرح رفقا بهم وقد أرعبوا عدوهم وهذا من حسن وكالة الوكيل سبحانه وتعالى ، كما أن إبراهيم عليه السلام لما استسلم هو وولده إسماعيل عليه السلام و عزم على ذبح ولده قيل له: قد صدقت الرؤيا (إنا كذلك نجزي المحسنين)
وقد انقلبوا بنعمة السلامة والعافية، وفضل الدرجات والأجر، وقد اجتمع لهما أمران مثلا فرحا وبردا: أن لم يمسسهم سوء وفازوا باتباع رضوان الله، والله ذو فضل عظيم حيث خبأ لهم السلامة ودرجة اتباع رضوان الله في الأمر بالغزو، كأنها تحية لما أصابهم من القرح.
¤ وقد جاء ذكر فضل الله لمن يستجيب ويطيع مع ذكر الخبايا التي يعلمها الله وحده، قال الله تبارك وتعالى:
﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتاوإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيماولهديناهم صراطا مستقيماومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما﴾ [النساء: ٦٦-٧٠]
فمعية المطيع مع أصحاب هذه الدرجات قد تستغرب كيفيتها مع التباين فيجيب الله بأن ذلك فضله وهو يعلم ما لا تعلمون.
قال ابن عطية (ﻭﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﺫﻟﻚ اﻟﻔﻀﻞ ﻣﻦ اﻟﻠﻪ ﺭﺩ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻣﻌﺘﺮﺽ ﻳﻘﻮﻝ، ﻭﻣﺎ اﻟﺬﻱ ﻳﻮﺟﺐ اﺳﺘﻮاء ﺃﻫﻞ اﻟﻄﺎﻋﺔ ﻭاﻟﻨﺒﻴﻴﻦ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ، ﻭاﻟﻔﺮﻕ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﺑﻴﻦ؟ ﻓﺬﻛﺮ اﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﺑﻔﻀﻠﻪ ﻻ ﺑﻮﺟﻮﺏ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭاﻹﺷﺎﺭﺓ ﺑ "ﺫﻟﻚ" ﺇﻟﻰ ﻛﻮﻥ اﻟﻤﻄﻴﻌﻴﻦ ﻣﻊ المنعم ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﻭﺃﻳﻀﺎ ﻓﻼ ﻧﻘﺮﺭ اﻻﺳﺘﻮاء، ﺑﻞ ﻫﻢ ﻣﻌﻬﻢ ﻓﻲ ﺩاﺭ والمنازل ﻣﺘﺒﺎﻳﻨﺔ، ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﻭﻛﻔﻰ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻤﺎ ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻣﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ، ﻓﺴﻠﻤﻮا ﻓﻌﻞ اﻟﻠﻪ ﻭﺗﻔﻀﻠﻪ ﻣﻦ اﻻﻋﺘﺮاﺽ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭاﻛﺘﻔﻮا ﺑﻌﻠﻤﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻭﻏﻴﺮﻩ، ولذلك ﺃﺩﺧﻠﺖ اﻟﺒﺎء ﻋﻠﻰ اﺳﻢ اﻟﻠﻪ، ﻟﺘﺪﻝ ﻋﻠﻰ اﻷﻣﺮ اﻟﺬﻱ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ:
ﻭﻛﻔﻰ)
ووجه استدعاء العلم أن الدرجة العالية تقتضي أن تكون الدرجة النازلة عنها دنية قياسا إليها، وأن العطية الكبيرة تقتضي أن تكون الأقل منها صغيرة قياسا إليها، ولكن الآية ذكرت المعية والرفقة فنفى ذلك الذكر ذلك القياس، أما كيف يتم (فكفى بالله عليما) وأيضا فإن ذلك الفضل من الله .. من الله .. ولا يكون فضل الله إلا كبيرا عاليا من كل الوجوه، فيغلب عظمة أنه من الله عظمة التباين، وحول تلك المسألة يأتي قول الله تبارك وتعالى (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) لا نفس نبي ولا نفس صديق .. لا أحد يطلع على الخبايا بين الله سبحانه وتعالى وعبده، ولن يستنفد الأنبياء عظمة العطايا الإلهية وإن كانوا هم أعلى الخلق مقاما وأعظمهم أجرا.
___ __ __ ___ __ __
قال الله تبارك وتعالى : "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ" [البقرة : 243] -
¤ التذييل معناه أن عملية إعطاء الإنسان فرصة جديدة مع تبصرة جديدة بمستوى الإحياء بعد الإماتة التامة بدون جهد من الإنسان متكرر في حياة كل الناس على المستوى الفردي والجماعي، وإنما قلت كل الناس لأجل الشمول الذي يدل عليه الألف واللام في كلمة "الناس"
وقال الزمخشري (ﻟﺬﻭ ﻓﻀﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎﺱ ﺣﻴﺚ ﻳﺒﺼﺮﻫﻢ ﻣﺎ ﻳﻌﺘﺒﺮﻭﻥ ﺑﻪ ﻭﻳﺴﺘﺒﺼﺮﻭﻥ، ﻛﻤﺎ ﺑﺼﺮ ﺃﻭﻟﺌﻚ، ﻭﻛﻤﺎ ﺑﺼﺮﻛﻢ ﺑﺎﻗﺘﺼﺎﺹ ﺧﺒﺮﻫﻢ. ﺃﻭ ﻟﺬﻭ ﻓﻀﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎﺱ ﺣﻴﺚ ﺃﺣﻴﻰ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﻟﻴﻌﺘﺒﺮﻭا ﻓﻴﻔﻮﺯﻭا، ﻭﻟﻮ ﺷﺎء ﻟﺘﺮﻛﻬﻢ ﻣﻮﺗﻰ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ اﻟﺒﻌﺚ)
وقال في الظلال: (ﺇﻧﻤﺎ اﻹﻳﺤﺎء اﻟﺬﻱ ﻳﺘﻠﻘﺎﻩ اﻟﻘﻠﺐ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻨﺺ ﺃﻥ اﻟﻠﻪ ﻭﻫﺒﻬﻢ اﻟﺤﻴﺎﺓ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺟﻬﺪ ﻣﻨﻬﻢ. ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻥ ﺟﻬﺪﻫﻢ ﻟﻢ ﻳﺮﺩ اﻟﻤﻮﺕ ﻋﻨﻬﻢ)
وقد جاء ذكر (لذو فضل على الناس ) في إطالة الأمد والفرصة في قول الله تبارك وتعالى{ﻭﻳﻘﻮﻟﻮﻥ ﻣﺘﻰ ﻫﺬا اﻟﻮﻋﺪ ﺇﻥ ﻛﻨﺘﻢ ﺻﺎﺩﻗﻴﻦ (71) ﻗﻞ ﻋﺴﻰ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺭﺩﻑ ﻟﻜﻢ ﺑﻌﺾ اﻟﺬﻱ ﺗﺴﺘﻌﺠﻠﻮﻥ (72) ﻭﺇﻥ ﺭﺑﻚ ﻟﺬﻭ ﻓﻀﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎﺱ ﻭﻟﻜﻦ ﺃﻛﺜﺮﻫﻢ ﻻ ﻳﺸﻜﺮﻭﻥ (73)}
قال في الظلال: (ﻭﺇﻥ فضله ﻟﻴﺘﺠﻠﻰ ﻓﻲ ﺇﻣﻬﺎﻟﻬﻢ ﻭﺗﺄﺧﻴﺮ اﻟﻌﺬاﺏ ﻋﻨﻬﻢ ﻭﻫﻢ ﻣﺬﻧﺒﻮﻥ ﺃﻭ ﻣﻘﺼﺮﻭﻥ، ﻋﺴﻰ ﺃﻥ ﻳﺘﻮﺑﻮا ﺇﻟﻴﻪ ﻭﻳﺜﻮﺑﻮا ﺇﻟﻰ اﻟﻄﺮﻳﻖ اﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ. «ﻭﻟﻜﻦ ﺃﻛﺜﺮﻫﻢ ﻻ ﻳﺸﻜﺮﻭﻥ» ﻋﻠﻰ ﻫﺬا الفضل، ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺴﺘﻬﺰﺋﻮﻥ ﻭﻳﺴﺘﻌﺠﻠﻮﻥ، ﺃﻭ ﻳﺴﺪﺭﻭﻥ ﻓﻲ ﻏﻴﻬﻢ ﻭﻻ ﻳﺘﺪﺑﺮﻭﻥ)
فالفضل مبذول ولكن المشكلة في الشكر.
اللهم اجعلنا لك شكَّارين بفضلك وجودك يا كريم
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى:
﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمينادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدينولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٤-٥٦]
¤ جملة (تبارك الله رب العالمين) إغراء بالدعاء المذكور في الآية التالية، أي انظروا للقدرة والرعاية المتجلية في تلك المخلوقات والرحمة المتجلية في رعاية العالمين وبناء على ذلك النظر ادعوا طمعا ورجاء وخيفة وهيبة، لا تستكثروا أن يستجيب لكم من خلق تلك المخلوقات العظيمة
قال الطاهر بن عاشور: (وجملة تبارك الله رب العالمين تذييل معترضة بين جملة إن ربكم الله وجملة ادعوا ربكم تضرعا وخفية [الأعراف: ٥٥] إذ قد تهيأ المقام للتذكير بفضل الله على الناس، وبنافع تصرفاته، عقب ما أجرى من إخبار عن عظيم قدرته وسعة علمه وإتقان صنعه)
ونظيرها قول الله تبارك وتعالى: (﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمينهو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ [غافر: ٦٤-٦٥]
¤ ذكر في الآية الأولى نموذجان لقرب رحمة الله وأن تأخيرها تنظيم وحكمة لا ابتعاد
الأول: خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهي مدة قريبة ثم لم تكن أسرع من ذلك مع القدرة عليه لأجل الحكمة، فإذا استبعد العبد تحصيل المراد وأن الزمن لا يسعف فليتذكر خلق السماوات والأرض في ستة أيام سريعة قياسا بعظم خلقهما وليدعو ربه غير يائس، وإن ثقل عليه تأخير مراده فليتذكر حكمة تقدير الأيام الستة وهي مدة طويلة قياسا بالقدرة
الثاني: طلب الليل للنهار سريعا لا يتأخر عنه، والليل هو سكن المخلوقات بعد عناء النهار وجهده فانقضاء النهار السريع بقدوم الليل نموذج لسرعة انتهاء المعاناة
﴿وخلقناكم أزواجاوجعلنا نومكم سباتاوجعلنا الليل لباساوجعلنا النهار معاشا﴾ [النبأ: ٨-١١]
فالتغيرات منتظرة من عند الكريم الرحيم، ومنها الأرزاق الحسنة
﴿تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب﴾ [آل عمران: ٢٧]
﴿وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرونيولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطميرإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبيريا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر: ١٢-١٥]
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى:
﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمينادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدينولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنينوهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرونوالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرونلقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ [الأعراف: ٥٤-٥٩]
¤ ذكر إرسال نوح عليه السلام جاء بعد إرسال الرياح بشرى بالرحمة في سياق الحديث عن رحمة الله وبركته، بعد ذكر العرش والمخلوقات العلوية بما فيها من عظيم مظاهر الرعاية وأن رحمة الله قريب من المحسنين، فتعجبت من ذكره عليه السلام في سياق هذه العلويات الطاهرة، ثم تنبهت أنه من المستحيل علي تخيل نقاء إنسان صبر على قومه تسعمائة وخمسين سنة جهر فيها بالدعوة وأسر إسرار ليلا ونهارا، ولم يدع عليهم إلا بعد أن يئس من صلاح ذرية قومه، فقال: (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)، لكن الأعجب من ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال له: (ولا تخاطبني في الذين كفروا إنهم مغرقون)
يا اااا إلهي ... سبحانك، كان قلبه سيرق حينما يعاين مقدمات الهلاك الذي دعا به، كان قلبه سيرق بعد تسعمائة وخمسين عاما ، أي نور وأي جمال كان يحميه كيان ذلك النبي الكريم .. الخيال يعجز.
ومن دعائه عليه السلام (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات)
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى:
﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدونأحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ [البقرة: ١٨٦-١٨٧]
¤ فيه ذكر نموذج من قربه إذ حدثنا عن لباسنا من النساء
¤ ونموذج من إجابته حيث أحل لنا ما كان محرما من المباشرة والأكل ليلا في رمضان من دون أن يسأله أحد ذلك .
وقد قارب البقاعي فقال (ﻭﻟﻤﺎ ﺗﺼﻮﺭﻭا ﻟﻬﺬﻩ اﻵﻳﺔ اﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﻗﺮﺑﻪ ﻭﺣﺒﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﻈﻤﺘﻪ ﻭﻋﻠﻮﻩ ﻓﺘﺬﻛﺮﻭا ﻟﺬﻳﺬ ﻣﺨﺎﻃﺒﺘﻪ ﻓﻴﻤﺎ ﻗﺒﻞ ﻓﺎﺷﺘﺎﻗﻮا ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﻳﺴﺮ ﻟﻬﻢ ﺃﻣﺮ اﻟﺼﻮﻡ ﻛﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻴﻌﻬﻢ ﻭﻛﻴﻔﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻞ اﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﻨﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮا ﻛﺄﻧﻬﻢ ﺳﺄﻟﻮﻩ اﻟﺘﻴﺴﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻞ اﻟﺮﻓﺎﻫﻴﺔ ﻓﻴﻤﺎ ﺣﺮﻡ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﺣﺮﻡ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭاﻟﻮﻁء ﻓﻲ ﺷﻬﺮ اﻟﺼﻮﻡ ﻭاﻷﻛﻞ ﺑﻌﺪ اﻟﻨﻮﻡ ﻓﻘﺎﻝ ﺗﺤﻘﻴﻘﺎ ﻟﻹﺟﺎﺑﺔ ﻭاﻟﻘﺮﺏ: {ﺃﺣﻞ ﻟﻜﻢ}. انتهى
¤ وقد تأخر الإيمان في قوله تبارك وتعالى (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) وهو متقدم لا محالة فيلزم أن يكون هناك إيمانان، أحدهما الدافع للاستجابة والآخر هو المسبب للرشد مع الاستجابة، فقد يؤمن الإنسان ويطيع ولكنه قد يفتن بالاستقلالية في الحكم على الأشياء ويجعل لها ميزانا وحسابات فيتردد أو يميل أو ينقص، والحل أن يستجيب قطعا لأوهام الفكر، ويؤمن بأن حكم الله هو وحده الكمال والجمال والحق وأن غيره عدم وباطل فيستحضر حق الفكر فيتحصل له الرشد
قال الرازي: (كان حق النظم أن يقول: فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي، فلم جاء على العكس منه؟
وجوابه: أن الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام، والإيمان عبارة عن صفة القلب، وهذا يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات.
أما قوله تعالى: لعلهم يرشدون فقال صاحب «الكشاف» : قرئ يرشدون بفتح الشين وكسرها، ومعنى الآية أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي: اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم، لأن الرشيد هو من كان كذلك)
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى: (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه)
¤ قاهر غيره ليضره، فاقد للسطوة في الحقيقة لأنه بقهره وإضراره لغيره يجلب لنفسه القهر والهوان والمذلة
___ __ __ ___ __ __ ___
لما أمر الله بالعدل وحث عليه في سورة المائدة ذكر أمرين يدعوان للظلم وترك العدل
الأول: شعور الإنسان بأنه مميز عند الله لن يعامله الله كالبشر الآخرين (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق)
الثاني: رفض تمييز الله لبعض عباده (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك)
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملونوعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيموالذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيميا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [المائدة: ٨-١١]
¤ الالتزام بالعدل وصدق الشهادة قد يؤدي للخسارة الظاهرية في بعض المواقف فعالجت الآيات ذلك من خلال خمس نواح:
الأولى: الوعد بالجنة والمغفرة لكي يقطع المؤمن في قلبه أنه مهما خسر فلن يتنازل عن العدل
الثانية: الجزاء الدنيوي في غير القضية محل الخلاف ومثاله (إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم)
الثالثة: التخويف من عاقبة الجنوح عن العدل حيث تكررت جملة (واتقوا الله) مرتين في هذا المقطع الصغير
الرابعة: التوكل على الله حيث ترتفع عن القلب كل الحسابات المقلقة
الخامسة: التذكير بما سيناله العدو من عقاب أخروي فلا ينكسر قلب المؤمن بشمخته وعتوه
¤ قال الماتريدي: وقوله - عز وجل -: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ) قال بعضهم: هذه الآية هي صلة ما تقدم في قوله - سبحانه وتعالى -: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط. . .) إلى آخر ما ذكر. فإذا فعلوا، وقاموا في الشهادة والعدل في الحكم، كان لهم ما ذكر من الوعد، والله أعلم))
وقال صاحب المنار: (ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﺘﻘﻮﻯ ﻣﻤﺎ ﺣﺘﻢ ﻋﻠﻰ اﻹﻃﻼﻕ، ﺑﻌﺪ ﺑﻴﺎﻥ ﺃﻥ اﻟﻌﺪﻝ ﻫﻮ ﺃﻗﺮﺏ ﻣﺎ ﻳﺘﻘﻰ ﺑﻪ ﻋﻘﺎﺏ اﻟﻠﻪ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭاﻵﺧﺮﺓ ; ﻷﻧﻪ ﻗﻮاﻡ اﻟﺼﻼﺡ ﻟﻷﻓﺮاﺩ ﻭاﻹﺻﻼﺡ ﻓﻲ اﻷﻗﻮاﻡ، ﻭﻟﻤﺎ ﻋﻠﻞ ﻫﺬا اﻷﻣﺮ اﻟﻤﻄﻠﻖ ﺑﺄﻥ اﻟﻠﻪ ﺧﺒﻴﺮ ﺑﺪﻗﺎﺋﻖ اﻷﻋﻤﺎﻝ ﻭﺧﻔﺎﻳﺎﻫﺎ، ﻭﻛﺎﻥ ﻫﺬا اﻟﺘﻌﻠﻴﻞ ﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺟﺰاء اﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ اﻟﻤﺘﻘﻴﻦ ﻭﻏﻴﺮ اﻟﻤﺘﻘﻴﻦ - ﻗﺎﻝ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﻓﻲ ﺑﻴﺎﻥ اﻟﺠﺰاء اﻟﻌﺎﻡ: (ﻭﻋﺪ اﻟﻠﻪ اﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮا ﻭﻋﻤﻠﻮا اﻟﺼﺎﻟﺤﺎﺕ) ﺃﻱ اﻷﻋﻤﺎﻝ اﻟﺼﺎﻟﺤﺎﺕ اﻟﺘﻲ ﻳﺼﻠﺢ ﺑﻬﺎ ﺃﻣﺮ اﻟﻌﺒﺎﺩ ﻓﻲ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ، ﻭﻓﻲ ﺭﻭاﺑﻄﻬﻢ، ﻭﻣﺮاﻓﻘﻬﻢ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻭﻣﻦ ﺃﺳﺴﻬﺎ: اﻟﻌﺪﻝ اﻟﻌﺎﻡ اﻟﺘﺎﻡ، ﻭاﻟﺘﻘﻮﻯ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ اﻷﺣﻮاﻝ)
وقال في الظلال: («ﻭﻋﺪ اﻟﻠﻪ اﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮا ﻭﻋﻤﻠﻮا اﻟﺼﺎﻟﺤﺎﺕ. ﻟﻬﻢ ﻣﻐﻔﺮﺓ ﻭﺃﺟﺮ ﻋﻈﻴﻢ. ﻭاﻟﺬﻳﻦ ﻛﻔﺮﻭا ﻭﻛﺬﺑﻮا ﺑﺂﻳﺎﺗﻨﺎ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺃﺻﺤﺎﺏ اﻟﺠﺤﻴﻢ» ..
ﺇﻧﻪ اﻟﺠﺰاء اﻟﺬﻱ ﻳﻌﻮﺽ اﻟﺨﻴﺮﻳﻦ ﻋﻤﺎ ﻳﻔﻮﺗﻬﻢ ﻣﻦ ﻋﺮﺽ اﻟﺤﻴﺎﺓ اﻟﺪﻧﻴﺎ- ﻭﻫﻢ ﻳﻨﻬﻀﻮﻥ ﺑﺎﻟﺘﻜﺎﻟﻴﻒ اﻟﻌﻠﻴﺎ- ﻭاﻟﺬﻱ ﺗﺼﻐﺮ ﻣﻌﻪ ﺗﻜﺎﻟﻴﻒ اﻟﻘﻮاﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻮاء اﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻭﻋﻨﺎﺩﻫﺎ ﻭﻟﺠﺎﺟﻬﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻷﺭﺽ.. ﺛﻢ ﻫﻮ اﻟﻌﺪﻝ اﻹﻟﻬﻲ اﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺴﻮﻱ ﺑﻴﻦ ﺟﺰاء اﻟﺨﻴﺮﻳﻦ ﻭﺟﺰاء اﻷﺷﺮاﺭ! ﻭﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺗﻌﻠﻴﻖ ﻗﻠﻮﺏ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻭﺃﻧﻈﺎﺭﻫﻢ ﺑﻬﺬا اﻟﻌﺪﻝ ﻭﺑﺬﻟﻚ اﻟﺠﺰاء. ﻟﺘﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﻠﻪ ﻣﺘﺠﺮﺩﺓ ﻣﻦ ﻛﻞ اﻟﻨﻮاﺯﻉ اﻟﻤﻌﻮﻗﺔ ﻣﻦ ﻣﻼﺑﺴﺎﺕ اﻟﺤﻴﺎﺓ.. ﻭﺑﻌﺾ اﻟﻘﻠﻮﺏ ﻳﻜﻔﻴﻬﺎ ﺃﻥ ﺗﺸﻌﺮ ﺑﺮﺿﺎء اﻟﻠﻪ ﻭﺗﺘﺬﻭﻕ ﺣﻼﻭﺓ ﻫﺬا اﻟﺮﺿﻰ ﻛﻤﺎ ﺗﺘﺬﻭﻕ ﺣﻼﻭﺓ اﻟﻮﻓﺎء ﺑﺎﻟﻤﻴﺜﺎﻕ.. ﻭﻟﻜﻦ اﻟﻤﻨﻬﺞ ﻳﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﻨﺎﺱ ﺟﻤﻴﻌﺎ. ﻣﻊ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻟﺒﺸﺮﻳﺔ. ﻭاﻟﻠﻪ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺣﺎﺟﺘﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻫﺬا اﻟﻮﻋﺪ ﺑﺎﻟﻤﻐﻔﺮﺓ ﻭاﻷﺟﺮ اﻟﻌﻈﻴﻢ. ﻭﺣﺎﺟﺘﻬﺎ ﻛﺬﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺟﺰاء اﻟﻜﺎﻓﺮﻳﻦ اﻟﻤﻜﺬﺑﻴﻦ! ﺇﻥ ﻫﺬا ﻭﺫﻟﻚ ﻳﺮﺿﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ. ﻳﻄﻤﺌﻨﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﻴﺮﻫﺎ ﻭﺟﺰاﺋﻬﺎ ﻭﻳﺸﻔﻲ ﻏﻴﻈﻬﺎ ﻣﻦ ﺃﻓﺎﻋﻴﻞ اﻟﺸﺮﻳﺮﻳﻦ! ﻭﺑﺨﺎﺻﺔ ﺇﺫا ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺄﻣﻮﺭﺓ ﺑﺎﻟﻌﺪﻝ ﻣﻊ ﻣﻦ ﺗﻜﺮﻩ ﻣﻦ ﻫﺆﻻء! ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻰ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﺎ ﺗﻠﻘﻰ ﻣﻦ اﻟﻜﻴﺪ ﻭاﻹﻳﺬاء.. ﻭاﻟﻤﻨﻬﺞ اﻟﺮﺑﺎﻧﻲ ﻳﺄﺧﺬ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺑﻤﺎ ﻳﻌﻠﻤﻪ اﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﻫﺎ ﻭﻳﻬﺘﻒ ﻟﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﺗﺘﻔﺘﺢ ﻟﻪ ﻣﺸﺎﻋﺮﻫﺎ، ﻭﺗﺴﺘﺠﻴﺐ ﻟﻪ ﻛﻴﻨﻮﻧﺘﻬﺎ.. ﺫﻟﻚ ﻓﻮﻕ ﺃﻥ اﻟﻤﻐﻔﺮﺓ ﻭاﻷﺟﺮ اﻟﻌﻈﻴﻢ ﺩﻟﻴﻞ ﺭﺿﻰ اﻟﻠﻪ اﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﻓﻴﻬﻤﺎ ﻣﺬاﻕ اﻟﺮﺿﻰ ﻓﻮﻕ ﻣﺬاﻕ اﻟﻨﻌﻴﻢ.
ﻭﻳﻤﻀﻲ اﻟﺴﻴﺎﻕ ﻳﻘﻮﻱ ﻓﻲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ﺭﻭﺡ اﻟﻌﺪﻝ ﻭاﻟﻘﺴﻂ ﻭاﻟﺴﻤﺎﺣﺔ ﻭﻳﻜﻔﻜﻒ ﻓﻴﻬﺎ ﺷﻌﻮﺭ اﻟﻌﺪﻭاﻥ ﻭاﻟﻤﻴﻞ ﻭاﻻﻧﺘﻘﺎﻡ.. ﻓﻴﺬﻛﺮ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻧﻌﻤﺔ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﻛﻒ اﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ ﻋﻨﻬﻢ)
ثم يقول: (ﻭﺃﻳﺎ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ اﻟﺤﺎﺩﺙ، ﻓﺈﻥ ﻋﺒﺮﺗﻪ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﻘﺎﻡ ﻫﻲ اﻟﻤﻨﺸﻮﺩﺓ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﻬﺞ اﻟﺘﺮﺑﻮﻱ اﻟﻔﺮﻳﺪ، ﻭﻫﻲ ﺇﻣﺎﺗﺔ اﻟﻐﻴﻆ ﻭاﻟﺸﻨﺂﻥ ﻟﻬﺆﻻء اﻟﻘﻮﻡ ﻓﻲ ﺻﺪﻭﺭ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ. ﻛﻲ ﻳﻔﻴﺌﻮا ﺇﻟﻰ اﻟﻬﺪﻭء ﻭاﻟﻄﻤﺄﻧﻴﻨﺔ ﻭﻫﻢ ﻳﺮﻭﻥ ﺃﻥ اﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺭاﻋﻴﻬﻢ ﻭﻛﺎﻟﺌﻬﻢ.
ﻭﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﻬﺪﻭء ﻭاﻟﻄﻤﺄﻧﻴﻨﺔ ﻳﺼﺒﺢ ﺿﺒﻂ اﻟﻨﻔﺲ، ﻭﺳﻤﺎﺣﺔ اﻟﻘﻠﺐ، ﻭﺇﻗﺎﻣﺔ اﻟﻌﺪﻝ ﻣﻴﺴﻮﺭﺓ. ﻭﻳﺴﺘﺤﻴﻲ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ ﺃﻥ ﻻ ﻳﻔﻮا ﺑﻤﻴﺜﺎﻗﻬﻢ ﻣﻊ اﻟﻠﻪ ﻭﻫﻮ ﻳﺮﻋﺎﻫﻢ ﻭﻳﻜﻠﺆﻫﻢ، ﻭﻳﻜﻒ اﻷﻳﺪﻱ اﻟﻤﺒﺴﻮﻃﺔ ﺇﻟﻴﻬﻢ)
¤ لم تقل الآية: وعد الله الذين آمنوا مغفرة. عدولا عن المفعولية للجملة الإسمية إشارة إلى تمكن نوالهم للمغفرة وأن نوالهم لها أمر مستقر أكيد
قال ابن عاشور: التقدير: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما لهم.
وإنما عدل عن هذا النظم لما في إثبات المغفرة لهم بطريق الجملة الاسمية من الدلالة على الثبات والتقرر)
وقال صاحب المنار ((ﻟﻬﻢ ﻣﻐﻔﺮﺓ ﻭﺃﺟﺮ ﻋﻈﻴﻢ) . ﻭﻫﺬا اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﺃﺑﻠﻎ ﻣﻦ ﺗﻌﻠﻖ اﻟﻮﻋﺪ ﺑﺎﻟﻤﻮﻋﻮﺩ ﻧﻔﺴﻪ ; ﻛﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺳﻮﺭﺓ اﻟﻔﺘﺢ: (ﻭﻋﺪ اﻟﻠﻪ اﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮا ﻭﻋﻤﻠﻮا اﻟﺼﺎﻟﺤﺎﺕ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻐﻔﺮﺓ ﻭﺃﺟﺮا ﻋﻈﻴﻤﺎ) (48: 29) ﻷﻥ ﻣﺎ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺧﺒﺮ ﻭاﺣﺪ، ﻻ ﺗﺄﻛﻴﺪ ﻓﻴﻪ، ﻭﻻ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﻋﻨﺎﻳﺔ ﺑﺘﻘﺮﻳﺮﻩ، ﻭﻣﺎ ﻫﻨﺎ ﺧﺒﺮ ﻓﻴﻪ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺗﺄﻛﻴﺪ ﺃﻭ ﺗﻘﺮﻳﺮ ﻟﻠﻮﻋﺪ ; ﻓﻘﺪ ﻭﻋﺪ ﻭﻋﺪا ﻣﺠﻤﻼ ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ ﺃﻥ ﺗﺘﻮﺟﻪ اﻟﻨﻔﺲ ﻟﻠﺴﺆاﻝ ﻋﻦ ﺑﻴﺎﻧﻪ، ﻓﻬﺬا ﺧﺒﺮ ﻣﺴﺘﻘﻞ، ﺛﻢ ﺑﻴﻦ ﺫﻟﻚ اﻹﺟﻤﺎﻝ ﺑﺨﺒﺮ ﺁﺧﺮ ﺃﺛﺒﺖ ﻓﻴﻪ ﺃﻥ ﻟﻬﻢ ﻣﻐﻔﺮﺓ ﻭﺃﺟﺮا ﻋﻈﻴﻤﺎ، ﻓﻜﺄﻧﻪ ﻗﺎﻝ: ﺇﻧﻪ ﻭﻋﺪﻫﻢ ﻭﻋﺪا ﺣﺴﻨﺎ، ﺃﻭ ﺟﺰاء ﺣﺴﻨﺎ، ﺛﻢ ﺑﻴﻦ ﺃﻥ ﻭﻋﺪﻩ ﻣﻔﻌﻮﻝ، ﻭﺃﻥ ﻟﻬﺆﻻء اﻟﻤﻮﻋﻮﺩﻳﻦ ﻋﻨﺪﻩ ﻛﺬا ﻭﻛﺬا)
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى:
(ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)
¤ تفرغك للقيام على فرد واحد لو تركته هلك، مهمة عالمية
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى:
﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ [آل عمران: ١٠٣]
¤ فيه أن الوعي باستثنائية النعمة وأن عكسها شديد يقرب من الهداية، والهداية تستلزم الطريق، والطريق هنا هو اتقاء الهلاك الذي كاد أن يقع فيه الإنسان، واتباع هدى المنعم الذي أنقذه منه طلبا لمزيد الإنعام، وقد اقترن طريق الهداية بطلب الإنعام ففي سورة الفاتحة
﴿اهدنا الصراط المستقيمصراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٦-٧]
وعن استثنائية الرعاية وأثرها في الهداية يأتي قول الله تبارك وتعالى
﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾ [الكهف: ١٧]
والمقصود ليس هذه الآية وحدها فإنا لا نراها وإنما المقصود أشباهها بدليل الجمع في جملة (ذلك من آيات الله)
¤ وجملة (كنتم على شفا حفرة) استمرار لقاعدة الحافة في الحياة، فإن البشر جميعا كانوا على ظهر سفينة نوح بين جبال الموج، وذلك نمط متكرر في الحياة والهداية
(ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم)
(من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم)
(إذ همت طائفتنان منكم أن تفشلا والله وليهما)
(ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه)
(قال تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين)
﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين﴾
﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراإذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنوناهنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾ [الأحزاب: ٩-١١]
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى:
﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران: ١٢٢]
¤ فيه التوكل على الله في حماية الإنسان من ضعفه، إذ ذكر الله التوكل تعقيبا على إنجائه الطائفتين من ضعفهما بعدما هما بترك المعركة
ويدخل فيه كل ضعف في القلب والنفس
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى:
﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾ [الأنفال: ٦٧]
¤ أي يريد لكم الآخرة، والتعقيب بجملة (والله عزيز حكيم) فيه وجهان:
▪الأول:
أن لطفه في إيصال المؤمن للدرجات العليا في الجنة والأحوال الحسنى في الآخرة عزيز ممتنع لا يدرك غوره، وهذا مجرب لمن طال عمره وتأمل سريان فاعلية هذه الغاية في تضاعيف حياته وتقلباتها
وقد جاء اقتران اسم الله "العزيز" بالتقدير والتدبير للأغراض الحسنة في قول الله تبارك وتعالى:
﴿فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [الأنعام: ٩٦]
وقول الله تبارك وتعالى:
﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾ [الأنفال: ٦٣]
ونظير الآية التي معنا في تدبير النجاح الأخروي للمؤمن
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم﴾ [التوبة: ٧١]
▪الثاني:
أن عزة المؤمنين من عزة الله فاللائق بهم طلب الآخرة، وأن حكمة الله تقتضي أن لا تكون غايته الأعلى فيكم من القتال هي الدنيا، لذا لابد وأن تكون تابعة للهدف الأول وهو رفعة الدين على أيديكم لتنالوا الأجر والثواب الأخروي الهائل.
قال الطاهر بن عاشور:
(وجملة: والله عزيز حكيم عطف على جملة: والله يريد الآخرة عطفا يؤذن بأن لهذين الوصفين أثرا في أنه يريد الآخرة، فيكون كالتعليل، وهو يفيد أن حظ الآخرة هو الحظ الحق، ولذلك يريده العزيز الحكيم.
فوصف العزيز يدل على الاستغناء على الاحتياج، وعلى الرفعة والمقدرة، ولذلك لا يليق به إلا محبة الأمور النفيسة، وهذا يومئ إلى أن أولياءه ينبغي لهم أن يكونوا أعزاء كقوله في الآية الأخرى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: ٨] فلأجل ذلك كان اللائق بهم أن يربأوا بنفوسهم عن التعلق بسفاسف الأمور وأن يجنحوا إلى معاليها.
ووصف الحكيم يقتضي أنه العالم بالمنافع الحق على ما هي عليه، لأن الحكمة العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه)
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى:
﴿ما لكم لا ترجون لله وقاراوقد خلقكم أطواراألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاوجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجاوالله أنبتكم من الأرض نباتاثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا﴾ [نوح: ١٣-١٨]
¤ ما لكم لا ترجون استقرارا يمنحكم الله إياه وتخافون أن يكون استقرارا مفزعا خاصة وأنكم خلقتم أطوارا والأطوار لابد سائرة إلى وقار تثبت فيه
وكيف لا ترجون قرار الله والسماوات مستقرة متطابقة على الوجه الأكمل وفيهن القمر والشمس على أحسن تدبير وخير كمال ، فكذلك ستكونون عنده قد استقرت لكم الأمور في أبهى حال وهيئة بلا تناقض أو اختلاف أو تنازع أو نقص
ثم عادت الآيات لإظهار القدرة بعد الحكمة فقالت ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا﴾ [نوح: ١٧-١٨]
¤ ونظير ذلك ما جاء في سورة المؤمنون
﴿أولئك هم الوارثونالذين يرثون الفردوس هم فيها خالدونولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طينثم جعلناه نطفة في قرار مكينثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقينثم إنكم بعد ذلك لميتونثم إنكم يوم القيامة تبعثونولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلينوأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون﴾ [المؤمنون: ١٠-١٨]
حيث ذكرت ثلاثة مستقرات مع الأطوار
الجنة والرحم "قرار مكين" وتسكين الماء في الأرض.
وقد ذكرت قصة نوح بعد قليل، باعتبار أنه وأصحاب السفينة طور جديد .
ومن الأطوار والقرار قول الله تبارك وتعالى
﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفورالذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور﴾ [الملك: ٢-٣]
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى (وألقيت عليك محبة مني) أي ما رآك أحد من الناس إلا أحبك، وفعل الإلقاء يدل على امتلاك الله للمعنويات وفاعليتها فإن هذه المحبة المذكورة ليست شيئا يلقى في قلوب الناس، ولكن شيء ألقي عليه يغزو قلوب الناس، ومنه حديث (غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة) وقول الله سبحانه وتعالى(يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم) وقول الله تبارك وتعالى(أولئك كتب في قلوبهم الإيمان)
فكما أن النار إذا مست الإنسان فعلت فيه ولم يمنعها مانع، فكذلك المعنويات إذا سكبت في القلب أو غشيت الكيان فعلت فعلها وطاشت كل الموانع، يملك الله ذواتها كما يملك أجرام المجسدات
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليموأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبينالله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنونيا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيمإنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيمفاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحونإن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليمعالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم﴾ [التغابن: ١١-١٨]
استمعت لهذه الآيات من الشيخ عبد الرشيد صوفي وقد وجهتني أول جملة أن أستمع من منظور علاج الهم
¤ فأول شيء أن المصيبة كانت بإذن الله ومعرفة هذا يخفف وقعها فمن يؤمن بالله يهد قلبه ويطمئنه
¤ الطاعة المطلقة تخفف الفتنة وتحمي منها .. لأن الإنسان عند المصيبة قد يفقد الوجهة أو يحتار فيها، فيكون المؤشر الهادي والبوصلة الموصلة هي الطاعة والاتباع (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين)
¤ كون الإله واحد أمان من التنازع والتوكل عليه حماية شاملة من الأحداث والقلق
كما أن الإله تألهه القلوب وتتجه له منجرفة طالبة السكون
¤ المصائب والمعاناة تأتي من افتراض كمالات مبالغ فيها في العشير فيحذر الإنسان نقصه واحتياجه المزاحم الغير عادل فيتقي كثيرا من بلاياه، ثم ترشد الآية لاستعمال التنازل والسماح بديلا عن الصدام والعقوبة، وتعلل ذلك بأنها صفة الله تبارك وتعالى، وهذا فيه عزاء من حيث شعور الإنسان بعلوه فيعالج القهر الذي سببه له العشير، ومن حيث الأمل أن يعامله الله بالمغفرة والصفح والعفو كما عامل العشير، ومن حيث انتظار العاقبة الأفضل فإن الأخذ بصفات الله أخذ بحسن العاقبة
¤ الصدقة برهان يبين للإنسان الأمور، وهي تشاكل العفو من حيث أن كليهما تنازل
¤ ثم تختم السورة بما يدعو للتسليم لتلك الوصايا إذ هي من الذي يعلم ما لا نعلم في الغيب والشهادة ومن العزيز الذي تمتنع حكمته أن يبلغ منتهاها
___ __ __ ___ __ __ ___
الفارق بين حبط وعمل في قول الله تبارك وتعالى :
﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسونأولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ [هود: ١٥-١٦]
أن حبط تتعلق بهلاك وضياع مصنوعاتهم إما بمرور الزمان أو بمرور الدنيا كلها كما قال تعالى (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) أما العمل فللأمل الأخروي كما قال الله تبارك وتعالى:
﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ [الكهف: ٤٦]
فالآية تندمهم على نجاحاتهم الهالكة وتوئسهم من الأمل المنتظر
وهي لغويا كقول الله سبحانه و تعالى:
﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾ [الأعراف: ١٣٩]
فمتبر أي مكسر توافق حبط.
وعن ضياع المصنوع المجموع وفقدان الأمل يأتي قول الله تبارك وتعالى:
﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾ [الأنعام: ٩٤]
¤ ثم ذكرت سورة هود بعد قليل أن الحبطان والتتبير ليس فقط فيما صنعوا، بل فيما وهبهم الله وصنعه فيهم .. أنفسهم .. ومع ذلك بطلان ما أملوا من وراء العبادات المخترعة والآلهة المخترعة
﴿أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [هود: ٢١]
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات) على نصب آدم ورفع كلمات.
فيه أن الكلمات لها شخصية ووعي وفاعلية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آية الكرسي
(والذي نَفسي بيَدِه إنَّ لَها لسانًا وشَفَتَينِ تُقدِّسُ المَلِكَ عِندَ ساقِ العَرشِ)
ولذا فإن صحبة القرآن لك صحبة واع عارف فعال وإن كانت فاعليته خفية، وقد تتجلى في التوفيق المرتب
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى:
﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير﴾ [هود: ٣]
¤ فيه بيان عظم رحمة قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تبارك وتعالى ذكر على لسانه أنه يخاف على قومه، فهذا شهادة من الله له على ذلك
¤ وفيه مكين علمه بالقيامة فإنه لن يخاف عليهم العذاب ولن يسند الله إليه وصف يوم القيامة بالكبر إلا ولديه بذلك اليوم وذلك العذاب علم مكين
¤ وفيه تهويل العذاب، فإنه إذا خافه عليهم مع عدم وقوعه عليه، وشغل ذلك الخوف مكانا في قلبه الشريف، دل ذلك على أن ما يعلمه مهول
¤ ولم تقل الآية (يغفر لكم ويمتعكم) للإشارة أن المغفرة لمن يطلبها بصدق مفروغ منها
¤ وذكر كبر اليوم مقابل لاستكبار غير المستغفر كما جاء في سورة نوح وسورة المنافقون، أي أن كبر ذلك اليوم سيصغره ويسحق كبره ويمحوه ويبدله رعبا وصغاراً ومذلة
¤ وفيه إثبات صفة الفضل للخطائين المستغفرين، فلا يقيم الإنسان من خلال خطئه فقط تقليداً لتقييم الله على قدر الطاقة البشرية
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبينقل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرينقل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركونقل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾ [الأنعام: ٦٢-٦٥]
الولي الحقيقي الجدير بأن نتولاه مسعف عند اللحظة الحاسمة، ويقل في الناس المعاونون ويقل في المعاونين المسعفون (الإنجاء من ظلمات البر والبحر نموذج)
﴿قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون﴾
تأمل المفارقة: هو ينجي، وهم بعد النجاة يشركون.
فلو كان الجزاء قائمًا على مجرد مقابلة الفعل بالفعل، لكان المتوقع أن يعاقبهم فورًا. لكنه سبحانه ينجّيهم مع علمه بما سيعودون إليه.
وهنا تتسع الولاية من مجرد القدرة على الإنقاذ إلى شيء أعظم:
القدرة على الإنقاذ مع احتمال جحود المنقَذ.
وهذا بالفعل نادر جدًا في البشر.
قد يُسعفك إنسان لأنه يحبك، أو لأنه يرجو شكرك، أو لأن بينكما حقًا متبادلًا. لكن أن يملك الإنسان القدرة على عقوبتك، ويعلم أنك ستعود إلى مخالفته، ثم يبقي باب النجاة مفتوحًا لك، فهذا معنى آخر.
ثم هو يكون واسع العفو عن العظائم مع القدرة وهو قليل ويكاد يعدم في البشر .. وضربت الآية الأخيرة افتراضا عن ذلك
وفيها من الولاية خلق الألفة بين البشر والسلم بينهم
فصور الانتقام ليست كلها عذابًا ينزل من السماء بل
من فوقكم: عذاب يأتيكم من جهة علوية.
من تحت أرجلكم: عذاب يأتي من جهة الأرض وما تحتها.
أو يلبسكم شيعًا: يدخل الاختلاف والانقسام فيكم.
ويذيق بعضكم بأس بعض: يجعل الإنسان نفسه أداة العذاب لأخيه.
وهذان الأخيران بيان يدعو للشكر وتولى المولى الحق على ما وهب الناس من شروط اجتماعية رحيمة
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعونوالأرض فرشناها فنعم الماهدونومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرونففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين﴾ [الذاريات: ٤٧-٥٠]
الفرار إنما يكون للأمان .. والآيات قبل ذكر الفرار ذكرت نماذج للأمن والسكينة، فالسماء بناء متين والأرض قرار والزوج سكن، ثم هو فرار للسعة كما في سعة السماء التي تفوق حاجة الناس بمراحل بعد مراحل، وفرار للراحة كما في فرش الأرض، وفرار لألفة القلب وأنسه كما في ذكر الزوجين
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى
﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلونالذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقونأولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريمكما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ [الأنفال: ٢-٥]
¤ فيه أن معرفة معاني الآيات لا تستنفد عطيتها، بل تظل تعطي مع التكرار
¤ وجاءت الدرجات التي توحي بالمقام العالي والعزة والفخامة مقابلة لوجل القلوب والإيمان والتوكل، فإن الوجل تضاؤل ومسكنة فناسب أن يعطوا مقابله الفخامة والإعزاز، والتوكل اعتراف بعدم الحول والقدرة، والإيمان قال الله تبارك وتعالى فيه (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) .
أما المغفرة فهي مقابل الصلاة لحديث (يمحو الله بهن الخطايا)
والرزق مقابل الإنفاق .. وهو واضح
قال الألوسي :(وربما يقال في وجه ذكر هذه الأشياء الثلاثة على هذا الوجه أن الدرجات في مقابلة الأوصاف الثلاثة أعني الوجل والإخلاص والتوكل، ويستأنس له بالجمع والمغفرة في مقابلة إقامة الصلاة ويستأنس له بما ورد في غير ما خبر أن الصلوات مكفرات لما بينها من الخطايا وأنها تنقي الشخص من الذنوب كما ينقى الماء من الدنس، والرزق الكريم بمقابلة الانفاق، والمناسبة في ذلك ظاهرة)
¤ ثم ذكر الله مثالا للرزق الكريم والدرجات والمغفرة وهو توفيق الله سبحانه وتعالى لنبيه وللمؤمنين أن يخرجوا لغزوة بدر، والخروج مع الكراهية رمز التوفيق والإعانة، وكذلك "أخرجك ربك من بيتك" أي أعانك أن تفارق الأهل والسكن والراحة وتغلب فتنة ذلك كما في الآية الأخرى (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال)
ومن المفرحات في الآيات أن من يتصف بهذه الصفات يوفقه الله للأعمال العظيمة حتى لو كانت دواعيه النفسية تعاكس السعي في تلك الأعمال
ومن الذي يدعو لطول التأمل أن أصحاب الوجل واضطراب القلوب خشية لله هم أصحاب الثبات عند أهوال القتال
قال الألوسي: (ولو قيل: إن هذا مرتبط بقوله سبحانه: رِزْقٌ كَرِيمٌ على معنى رزق حسن كحسن إخراجك من بيتك لم يكن بأبعد من كثير من هذه الوجوه)
___ __ __ ___ __ __ ___

تعليقات
إرسال تعليق