💎💎💎💎💎
٢ اختصار المختار من تفسير سورة هود من كتاب "التحرير والتنوير"
___
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (٧٤) إن إبراهيم لحليم أواه منيب (٧٥)
قوله: يجادلنا صيغ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة كقوله: ويصنع الفلك [هود: ٣٨]
وَالْأَوَّاهُ كثير التَّأَوُّهَ، وَهُوَ التوجع وهو هنا كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس
والمنيب من أناب إذا رجع، وهو مشتق من النَّوْبِ وهو النزول. والمراد التوبة من التقصير، أي محاسب نفسه على ما يحذر منه.
وحقيقة الإنابة: الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته وتركه.
___
ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (٧٧)
قد علم أن الملائكة ذاهبون إلى قوم لوط من قوله: إنا أرسلنا إلى قوم لوط [هود:
٧٠] . فالتقدير: ففارقوا إبراهيم وذهبوا إلى لوط- عليهما السلام- فلما جاءوا لوطا، فحذف ما دل عليه المقام إيجازا قرآنيا بديعا.
والذرع: مد الذراع فإذا أسند إلى الآدمي فهو تقدير المسافة. وإذا أسند إلى البعير فهو مد ذراعيه في السير على قدر سعة خطوته، فيجوز أن يكون: ضاق ذرعا تمثيلا بحال الإنسان الذي يريد مد ذراعه فلا يستطيع مدها كما يريد فيكون ذرعه أضيق من معتاده.
ويجوز أن يكون تمثيلا بحال البعير المثقل بالحمل أكثر من طاقته فلا يستطيع مد ذراعيه كما اعتاده. وأيا ما كان فهو استعارة تمثيلية لحال من لم يجد حيلة في أمر يريد عمله
بحال الذي لم يستطع مد ذراعه كما يشاء.
والعصيب الشديد فيما لا يرضي قالوا: هو مشتق من قولك:
عصبت الشيء إذا شددته. وأصل هذه المادة يفيد الشدة والضغط، يقال: عصب الشيء إذا لواه، ومنه العصابة. ويقال: عصبتهم السنون إذا أجاعتهم.
ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا علم أنه لا مخلص منه ضاق به ذرعا، ثم يصدر تعبيرا عن المعاني وترتيبا عنه كلاما يريح به نفسه.
___
وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (٧٨)
أي بعض قومه
ويهرعون- بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبني للمفعول- فسروه بالمشي الشبيه بمشي المدفوع، وهو بين الخبب والجمز، فهو لا يكون إلا مبنيا للمفعول لأن أصله مشي الأسير الذي يسرع به. وهذا البناء يقتضي أن الهرع هو دفع الماشي حين مشيه إلا أن ذلك تنوسي، وبقي أهرع بمعنى سار سيرا كسير المدفوع، ولذلك قال جمع من أهل اللغة: إنه من الأفعال التي التزموا فيها صيغة المفعول لأنها في الأصل مسندة إلى فاعل غير معلوم.
☆ قال المختصِر: العدو أبطأ منه الجمز ثم الهرع ثم الخبب والخبب سير بين العدو والمشي أقرب للمشي والجمز أقرب للعدو.
( يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) افتتاح الكلام بالنداء وبأنهم قومه ترقيق لنفوسهم عليه، لأنه يعلم تصلبهم في عادتهم الفظيعة
وكانوا أكثر من بناته فيكون المعنى هؤلاء نساء كبناتي فتزوجوهن
___
قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (٧٩) قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (٨٠)
(ما لنا في بناتك من حق) ما لنا في بناتك رغبة.
والباء في بكم للاستعلاء، أي عليكم.
___
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (٨٢) مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (٨٣)
صار عالي البيوت سافلا، أي وسافلها عاليا،
واقتصر على ذكر جعل العالي سافلا لأنه أدخل في الإهانة.
والسجيل: فسر بواد نار في جهنم يقال: سجيل باللام، وسجين بالنون.
وقيل: سجيل معرب (سنك جيل) عن الفارسية أي حجر مخلوط بطين.
والمنضود: الموضوع بعضه على بعض. والمعنى هنا أنها متتابعة متتالية في النزول ليس بينها فترة. والمراد وصف الحجارة بذلك إلا أن الحجارة لما جعلت من سجيل، أجري الوصف على سجيل وهو يفضي إلى وصف الحجارة لأنها منه.
والمسومة: التي لها سيما، وهي العلامة. والعلامات توضع لأغراض، منها عدم الاشتباه، ومنها سهولة الإحضار، وهو هنا مكنى به عن المعدة المهيئة لأن الإعداد من لوازم التوسيم بقرينة قوله: عند ربك لأن تسويمها عند الله هو تقديره إياها لهم.
وضمير وما هي يصلح لأن يعود إلى ما عادت إليه الضمائر المجرورة قبله وهي المدينة، فيكون المعنى وما تلك القرية ببعيد من المشركين، أي العرب، فمن شاء فليذهب إليها فينظر مصيرها، فالمراد البعد المكاني. ويصلح لأن يعود إلى الحجارة، أي وما تلك الحجارة ببعيد، أي أن الله قادر على أن يرمي المشركين بمثلها. والبعد بمعنى تعذر الحصول
وجرد بعيد عن تاء التأنيث مع كونه خبرا عن الحجارة وهي مؤنث لفظا، ومع كون بعيد هنا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول، فالشأن أن يطابق موصوفه في تأنيثه، ولكن العرب قد يجرون فعيلا الذي بمعنى فاعل مجرى الذي بمعنى مفعول إذا جرى على مؤنث غير حقيقي التأنيث زيادة في التخفيف، كقوله تعالى في سورة الأعراف [٥٦] إن رحمت الله قريب من المحسنين وقوله: وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا [الأحزاب:
٦٣] وقوله: قال من يحي العظام وهي رميم [يس: ٧٨] .
___
وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (٨٤) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (٨٥) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (٨٦)
(أراكم بخير) ، أي إنكم في غنى عن هذا التطفيف بما أوتيتم من النعمة والثروة. وهذا التعليل يقتضي قبح ما يرتكبونه من التطفيف في نظر أهل المروءة ويقطع منهم العذر في ارتكابه. وهذا حث على وسيلة بقاء النعمة.
الأمر بإيفاء المكيال والميزان تأكيد للنهي عن نقصهما.
والشيء يؤكد بنفي ضده، كقوله تعالى: وأضل فرعون قومه وما هدى [طه: ٧٩] . لزيادة الترغيب في الإيفاء بطلب حصوله بعد النهي عن ضده.
وَالْعَثْيُ- بِالْيَاءِ- مِنْ بَابِ سَعَى وَرَمَى وَرَضِيَ، وَبِالْوَاوِ كَدَعَا، هُوَ: الْفَسَادُ. وَلِذَلِكَ فَقَوْلُهُ مُفْسِدِينَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعَامِلِهَا مِثْلَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ مُبَالَغَةً فِي النَّهْيِ عَنِ الْفَسَادِ.
وسلك في نهيهم عن الفساد مسلك التدرج فابتدأه بنهيهم عن نوح من الفساد فاش فيهم وهو التطفيف. ثم ارتقى فنهاهم عن جنس ذلك النوع وهو أكل أموال الناس. ثم ارتقى فنهاهم عن الجنس الأعلى للفساد الشامل لجميع أنواع المفاسد وهو الإفساد في الأرض كله. وهذا من أساليب الحكمة في تهيئة النفوس بقبول الإرشاد والكمال
وإذ قد كانت غاية المفسد من الإفساد اجتلاب ما فيه نفع عاجل له من نوال ما يحبه أعقب شعيب موعظته بما ادخره الله من الثواب على امتثال أمره وهو النفع الباقي هو خير لهم مما يقترفونه من المتاع العاجل.
ولفظ بقيت كلمة جامعة لمعان في كلام العرب، منها: الدوام، ومؤذنة بضده وهو الزوال، فأفادت أن ما يقترفونه متاع زائل، وما يدعوهم إليه حظ باق غير زائل، وبقاؤه دنيوي وأخروي.
فأما كونه دنيويا فلأن الكسب الحلال ناشىء عن استحقاق شرعي فطري، فهو حاصل من تراض بين الأمة فلا يحنق المأخوذ منه على آخذه فيعاديه ويتربص به الدوائر فبتجنب ذلك تبقى الأمة في أمن من توثب بعضها على بعض، ومن أجل ذلك قرن الأموال بالدماء في خطبة حجة الوداع إذ قال النبيء صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام»
فكما أن إهراق الدماء بدون حق يفضي إلى التقاتل والتفاني بين الأمة فكذلك انتزاع الأموال بدون وجهها يفضي إلى التواثب والتثاور فتكون معرضة للابتزاز والزوال. وأيضا فلأن نوالها بدون رضى الله عن وسائل أخذها كفران لله يعرض إلى تسليط عقابه بسلبها من أصحابها. قال ابن عطاء الله: «من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها» .
وأما كونه أخرويا فلأن نهي الله عنها مقارن للوعد بالجزاء على تركها، وذلك الجزاء من النعيم الخالد كما في قوله تعالى: والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا [مريم: ٧٦] .
على أن لفظ (البقية) يحتمل معنى آخر من الفضل في كلام العرب، وهو معنى الخير
والبركة لأنه لا يبقى إلا ما يحتفظ به أصحابه وهو النفائس، ولذلك أطلقت (البقية) على الشيء النفيس المبارك كما في قوله تعالى: فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون [البقرة: ٢٤٨]
وجاء باسم الفاعل (مؤمنين) الذي هو حقيقة في الاتصاف بالفعل في زمان الحال تقريبا لإيمانهم بإظهار الحرص على حصوله في الحال واستعجالا بإيمانهم لئلا يفجأهم العذاب فيفوت التدارك.
وجملة وما أنا عليكم بحفيظ في موضع الحال من ضمير اعبدوا ونظائره، أي
افعلوا ذلك باختياركم لأنه لصلاحكم ولست مكرهكم على فعله.
والحفيظ: المجبر، كقوله: فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ [الشورى: ٤٨] وتقدم عند قوله تعالى: وما جعلناك عليهم حفيظا في سورة الأنعام [١٠٧] . والمقصود من ذلك استنزال طائرهم لئلا يشمئزوا من الأمر. وهذا استقصاء في الترغيب وحسن الجدال.
____
قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (٨٧)
لما كانت الصلاة أظهر أعماله المخالفة لمعتادهم وقد دعاهم لأمور مخالفة لمعتادهم اختاروا الصلاة وجعلوها الآمرة له بدعوته سخرية واستهزاء.
وقرأ الجمهور «أصلواتك» بصيغة جمع صلاة. وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف «أصلاتك» بصيغة المفرد.
(أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)
أي أن نترك فعل ما نشاء في أموالنا فنكون طوع أمرك نفعل ما تأمرنا بفعله ونترك ما تأمرنا بتركه.
وجملة إنك لأنت الحليم الرشيد تهكم آخر. وقد جاءت الجملة مؤكدة بحرف (إن) ولام القسم، وبصيغة القصر في جملة لأنت الحليم الرشيد وتأكيد الخليم بالرشيد فاشتملت على أربعة مؤكدات.
والحليم، زيادة في التهكم: ذو الحلم أي العقل، والرشيد: الحسن التدبير في المال
___
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (٨٨)
الرزق الحسن هو النبوءة وعبر عنها بذلك مشاكلة لكلامهم عن المال لأن المال رزق
وقوله: أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه أي أن أفعل خلاف الأفعال التي نهيتكم عنها بأن أصرفكم عنها وأنا أصير إليها.
أو ما أريد إلى النهي لأجل أن أخالفكم، أي لمحبة خلافكم.
☆قال المختصِر: الثاني بعيد ولو كان مرتدا لقيل (فيما أنهاكم).
ولما بين لهم حقيقة عمله وكان في بيانه ما يجر الثناء على نفسه أعقبه بإرجاع الفضل في ذلك إلى الله فقال: وما توفيقي إلا بالله فسمى إرادته الإصلاح توفيقا وجعله من الله لا يحصل في وقت إلا بالله، أي بإرادته وهديه
___
ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (٨٩) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (٩٠)
كان فضح سوء نواياهم الداعية لهم إلى الإعراض عن دعوته عقب إظهار حسن نيته مما دعاهم إليه بقوله: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت [هود: ٨٨] موافقاً مَحَزَّ جودة الخطابة إذ رماهم بأنهم يعملون بضد ما يعاملهم به.
(وما قوم لوط منكم ببعيد) والمراد بالبعد بعد الزمن والمكان والنسب، فزمن لوط- عليه السلام- غير بعيد في زمن شعيب- عليه السلام-، والديار قريبة من ديارهم، إذ منازل مدين عند عقبة أيلة مجاورة معان مما يلي الحجاز، وديار قوم لوط بناحية الأردن إلى البحر الميت وكان مدين بن إبراهيم- عليهما السلام- وهو جد القبيلة المسماة باسمه، متزوجا بابنة لوط.
وتفنن في إضافة الرب إلى ضمير نفسه مرة وإلى ضمير قومه أخرى لتذكيرهم بأنه ربهم كيلا يستمروا على الإعراض وللتشرف بانتسابه إلى مخلوقيته.
___
قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (٩١)
ولولا كرامة رهطك لرجمناك، ويؤكد هذا التقدير جملة (وما أنت علينا بعزيز) فجملة (ولولا رهطك) متعلقة بعدم معزته عليهم لا بضعفه ويؤكده في الآية التالية قوله (أرهطي أعز عليكم من الله)
وأيضا وما أنت علينا بعزيز أي أنك لا تستطيع غلبتنا.
___
قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (٩٢)
لما أرادوا بالكلام الذي وجهوه إليه تحذيره من الاستمرار على مخالفة دينهم، أجابهم بما يفيد أنه لم يكن قط معولا على عزة رهطه ولكنه متوكل على الله الذي هو أعز من كل عزيز.
والمراد بالظهري الكناية عن النسيان
___
ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (٩٣)
المكانة هنا مستعارة للحالة التي تلبس بها المرء، تُشَبَّه الحالة في إحاطتها وتلبس صاحبها بها بالمكان الذي يحوي الشيء.
ولم يقرن حرف سوف في هذه الآية بالفاء وقرن في آية سورة الأنعام بالفاء إذ لما فاتحهم بالتهديد كان ذلك ينشىء سؤالا في نفوسهم عما ينشأ على هذا التهديد فيجاب بالتهديد ب سوف تعلمون. ولكونه كذلك كان مساويا للتفريع بالفاء الواقع في آية الأنعام في المآل، ولكنه أبلغ في الدلالة على نشأة مضمون الجملة المستأنفة عن مضمون التي قبلها ففي خطاب شعيب- عليه السلام- قومه من الشدة ما ليس في الخطاب المأمور به النبيء صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام جريا على ما أرسل الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من اللين لهم فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: ١٥٩] . وكذلك التفاوت بين معمولي تعلمون فهو هنا غليظ شديد من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وهو هنالك لين من تكون له عاقبة الدار [الأنعام: ١٣٥] .
___
ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (٩٤) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (٩٥)
عطف لما جاء أمرنا هنا وفي قوله في قصة عاد ولما جاء أمرنا نجينا هودا [هود: ٥٩] بالواو فيهما وعطف نظيراهما في قصة ثمود فلما جاء أمرنا نجينا صالحا [هود:
٦٦] وفي قصة قوم لوط فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها [هود: ٨٢] لأن قصتي ثمود وقوم لوط كان فيهما تعيين أجل العذاب الذي توعد به النبيئان قومهما ففي قصة ثمود فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب [هود: ٦٥] ، وفي قصة قوم لوط إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب [هود: ٨١] فكان المقام مقتضيا ترقب السامع
لما حل بهم عند ذلك الموعد فكان الموقع للفاء لتفريع ما حل بهم على الوعيد به. وليس في قصة عاد وقصة مدين تعيين لموعد العذاب ولكن الوعيد فيهما مجمل من قوله:
ويستخلف ربي قوما غيركم [هود: ٥٧] ، وقوله: وارتقبوا إني معكم رقيب [هود: ٩٣] .
___
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (٩٦) إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (٩٧)
السلطان: البرهان المبين، أي المظهر صدق الجائي به وهو الحجة العقلية أو
التأييد الإلهي.
أمر فرعون سفه إذ لا واسطة بين الرشد والسفه. ولكن عدل عن وصف أمره بالسفيه إلى نفي الرشد عنه تجهيلا للذين اتبعوا أمره لأن شأن العقلاء أن يتطلبوا الاقتداء بمن فيه أمارة على سداده واستحقاقه لأن يتبع فماذا غرهم باتباعه؟!
___
يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (٩٨) وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (٩٩)
والإيراد: جعل الشيء واردا، أي قاصدا الماء، والذي يوردهم هو الفارط، ويقال له: الفرط.
والورد- بكسر الواو-: الماء المورود، وهو فعل بمعنى مفعول، مثل ذِبح. وفي قوله: فأوردهم النار وبئس الورد المورود استعارة الإيراد إلى التقدم بالناس إلى العذاب، وهي تهكمية لأن الإيراد يكون لأجل الانتفاع بالسقي وأما التقدم بقومه إلى النار فهو ضد ذلك.
جاء فأوردهم بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوع ذلك الإيراد
واللعنة: هي لعنة العذاب في الدنيا وفي الآخرة.
والرفد- بكسر الراء- اسم على وزن فعل بمعنى مفعول مثل ذِبح، أي ما يرفد به.
أي يعطى. يقال: رفده إذا أعطاه ما يعينه به من مال ونحوه.
وإطلاق الرفد على اللعنة استعارة تهكمية.
___
ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (١٠٠) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (١٠١)
اسم الإشارة إلى المذكور كله من القصص من قصة نوح- عليه السلام- وما بعدها.
(نقصه عليك) بالمضارع مع أن القصص مضى لاستحضار حالة هذا القصص البليغ.
والقائم: الزرع المستقل على سوقه. والحصيد: الزرع المحصود، فعيل بمعنى مفعول. وكلاهما مشبه به للباقي من القرى والعافي. والمراد بالقائم ما كان من القرى التي قصها الله في القرآن قرى قائما بعضها كآثار بلد فرعون كالأهرام وبلهوبة (وهو المعروف بأبي الهول) وهيكل الكرنك بمصر، ومثل آثار نينوى بلد قوم يونس، وأنطاكية قرية المرسلين الثلاثة، وصنعاء بلد قوم تبع، وقرى بائدة مثل ديار عاد، وقرى قوم لوط، وقرية مدين. وليس المراد القرى المذكورة في هذه السورة خاصة. والمقصود من هذه الجملة الاعتبار.
وفيهما تحذير للمشركين من العرب من الاعتماد على نفع الأصنام، فقد أيقن المشركون أن أولئك الأمم كانوا يعبدون الأصنام وأيقنوا أنهم قد حل بهم من الاستئصال ما شاهدوا آثاره، فذلك موعظة لهم لو كانوا مهتدين.
والتتبيب التخسير
ووجه زيادتهم إياهم تتبيبا أن طمعهم في أن تنقذهم منعهم من التراجع عند رؤية أمارات العذاب
___
إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (١٠٣) وما نؤخره إلا لأجل معدود (١٠٤)
لما عاينوا عذاب الدنيا كان تحققه أمارة على تحقق العذاب الآخر.
مجيء خبر "ذلك" جملة اسمية يدل على معنى الثبات، أي ثابت جمع الله الناس لأجل ذلك اليوم، فيدل على تمكن تعلق الجمع بالناس وتمكن كون ذلك الجمع لأجل اليوم
من المعلوم أن لا يقصد الإخبار عنه بمجرد كونه مرئيا لكن المراد كونه مرئيا رؤية خاصة. أي مهولة
___
يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (١٠٥) فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (١٠٦) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (١٠٧) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (١٠٨)
يوم من قوله: يوم يأت مستعمل في معنى (حين) أو (ساعة).
التقدير لا تكلم نفس حين يحل اليوم المشهود، لكن قدم الحين في الآية تهويلا .
وفيه إبطال اعتقاد أهل الجاهلية أن الأصنام لها حق الشفاعة عند الله.
والشقاوة: سوء الحالة وشرها وما ينافر طبع المتصف بها.
والسعادة: الأحوال الحسنة الخيرة الملائمة للمتصف بها.
والمقصود بالزفير والشهيق الشديدان .
☆ قال المختصِر: دخولهم في النار يوهم احتراقهم فموتهم فذكر التنفس منعا لذلك الوهم وتوطئة لذكر الخلود.
ومعنى ما دامت السماوات والأرض التأبيد لأنه جرى مجرى المثل أو يراد سماوات الآخرة وأرضها.
(إلا ما شاء ربك) في الأشقياء إستثناء أزمان أو استثناء أشخاص وهم عصاة الموحدين، وتأتي ما للعاقل كما في قول الله تبارك وتعالى(ما طاب لكم من النساء) [النساء: ٣]
وفي السعداء احتمالان: أحدهما أن يراد: إلا ما شاء ربك في أول أزمنة القيامة، وهي المدة التي يدخل فيها عصاة المؤمنين غير التائبين في العذاب إلى أن يعفو الله عنهم بفضله بدون شفاعة، أو بشفاعة
والآخر: التحذير من توهم استحقاق أحد ذلك النعيم حقا على الله بل هو مظهر من مظاهر الفضل والرحمة.
والتعقيب ب (عطاء غير مجذوذ) أي غير مقطوع يدل أن الاستثناء لا يعني انقطاع نعيمهم بعد دخولهم فيها.
وقرأ الجمهور سعدوا- بفتح السين-، وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف- بضم السين- على أنه مبني للنائب.
☆ قال المختصِر: الأولى حمل ذلك على ما قبل الدخول فإن المؤمن بمجرد توحيده استحق لقب السعيد فدخول الجنة فوراً، ومن طبع الله على قلبه استحق لقب الشقي فدخول النار فوراً، ويؤيده تعبير (فمنهم شقي وسعيد) أي الوصف قبل دخولهما الجنة أو النار
___
فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (١٠٩)
تفريع على القصص الماضية فإنها تكسب سامعها يقينا بباطل ما عليه عبدة الأصنام وبخيبة ما أملوه فيهم من الشفاعة في الدنيا وإن سابق شقائهم في الدنيا بعذاب الاستئصال يؤذن بسوء حالهم في الآخرة، ففرع على ذلك نهي السامع أن يشك في سوء الشرك وفساده.
استعمل (موفوهم) و (نصيبهم) هنا استعمالا تهكميا كأن لهم عطاء يسألونه فوفوه، فوقع قوله غير منقوص حالا مؤكدة لتحقيق التوفية زيادة في التهكم، لأن من إكرام الموعود بالعطاء أن يؤكد له الوعد، ويسمى ذلك بالبشارة.
___
ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (١١٠)
ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه.
تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم وتسليته بأن أهل الكتاب وهم أحسن حالا من أهل الشرك قد أوتوا الكتاب فاختلفوا فيه، وهم أهل ملة واحدة فلا تأس من اختلاف قومك عليك،
فالجملة عطف على جملة فلا تك في مرية [هود: ١٠٩] .
ولأجل ما فيها من معنى التثبيت فرع عليها قوله: فاستقم كما أمرت [هود: ١١٢] .
ومعنى الاختلاف فيه الاختلاف في النسخ والكتمان والتأويل والزيادة
ومن رفض التحريف من المختلفين فهو محمود كما قال الله تبارك وتعالى(منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) [المائدة: ٦٦]
قال الشيخ رحمه الله تبارك وتعالى: (والكلمة هي إرادة الله الأزلية وسنته في خلقه. وهي أنه وكل الناس إلى إرشاد الرسل للدعوة إلى الله، وإلى النظر في الآيات، ثم إلى بذل الاجتهاد التام في إصابة الحق، والسعي إلى الاتفاق ونبذ الخلاف بصرف الأفهام السديدة إلى المعاني، وبالمراجعة فيما بينهم، والتبصر في الحق، والإنصاف في الجدل والاستدلال، وأن يجعلوا الحق غايتهم والاجتهاد دأبهم وهجيراهم. وحكمة ذلك هي أن الفصل والاهتداء إلى الحق مصلحة للناس ومنفعة لهم لا لله. وتمام المصلحة في ذلك يحصل بأن يبذلوا اجتهادهم ويستعملوا أنظارهم لأن ذلك وسيلة إلى زيادة تعقلهم وتفكيرهم) انتهى.
ومعنى لقضي بينهم أنه قضاء استئصال المبطل واستبقاء المحق
قال رحمه الله تبارك وتعالى: (يجوز أن يعود إلى الكتاب، أي أقدموا على ما أقدموا عليه على شك وتردد في كتابهم، أي دون علم يوجب اليقين مثل استقراء علمائنا للأدلة الشرعية، أو يوجب الظن القريب من اليقين، كظن المجتهد فيما بلغ إليه اجتهاده، لأن الاستدلال الصحيح المستنبط من الكتاب لا يعد اختلافا في الكتاب إذ الأصل متفق عليه. فمناط الذم هو الاختلاف في متن الكتاب لا في التفريع من أدلته) انتهى.
والمريب: الموقع في الشك، ووصف الشك بذلك تأكيد كقولهم: ليل أليل، وشعر شاعر.
___
وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (١١١)
الواو اعتراضية. و (إن) مخففة من إن الثقيلة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي بكر عن عاصم، وأعملت في اسمها فانتصب بعدها. و (إن) المخففة إذا وقعت بعدها جملة اسمية يكثر إعمالها ويكثر إهمالها قاله الخليل وسيبويه ونحاة البصرة وهو الحق. وقرأ الباقون (إنَّ) مشددة على الأصل.
و (لما) مخففة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي
وقرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم، وأبو جعفر، وخلف- بتشديد الميم- من (لمَّا) .
وفي تفسير الفخر: سمعت بعض الأفاضل قال: إن الله تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات، أولها: كلمة
(إن) وهي للتأكيد، وثانيها (كل) وهي أيضا للتأكيد، وثالثها اللام الداخلة على خبر (إن) ، ورابعها حرف (ما) إذا جعلناه موصولا على قول الفراء، وخامسها القسم المضمر، وسادسها اللام الداخلة على جواب القسم، وسابعها النون المؤكدة في قوله: ليوفينهم.
☆ قال المختصِر: التعليل ب "خبير" لأن الخبرة تفصيلية كما في أول آية في السورة، فناسب ذلك التوفية وهي تمام المجازاة.
___
فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (١١٢)
لما كان الاختلاف في كتاب موسى- عليه السلام- إنما جاء من أهل الكتاب عطف على أمرِ النبيء صلى الله عليه وسلم بالاستقامة على كتابه أمرَ المؤمنين بتلك الاستقامة أيضا، لأن الاعوجاج من دواعي الاختلاف في الكتاب بنهوض فرق من الأمة إلى تبديله لمجاراة أهوائهم.
ومتعلق الإستقامة هو العمل بالشريعة بعد الإيمان لأن الإيمان أصل فلا تتعلق به الاستقامة. وقد أشار إلى صحة هذا المعنى
قول النبيء صلى الله عليه وسلم لأبي عمرة الثقفي لما قال له: «يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم»
فجعل الاستقامة شيئا بعد الإيمان.
ومعك حال من تاب وليس متعلقا ب تاب لأن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يكن من المشركين.
☆ قال المختصِر: أي ومن تاب فصار معك.
وقد شمل الطغيان أصول المفاسد، فكانت الآية جامعة لإقامة المصالح ودرء المفاسد، فكان النهي عنه جامعا لأحوال مصادر الفساد من نفس المفسد وبقي ما يخشى عليه من عدوى فساد خليطه فهو المنهي عنه بقوله بعد هذا: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار [هود: ١١٣] .
وعن الحسن البصري: جعل الله الدين بين لاءين ولا تطغوا ولا تركنوا [هود: ١١٣]
وجملة إنه بما تعملون بصير استئناف لتحذير من أخفى الطغيان بأن الله مطلع على كل عمل يعمله المسلمون
☆ قال المختصِر: التذييل شامل للاستقامة والطغيان
___
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (١١٣)
الركون: الميل والموافقة
وهذه الآية أصل في سد ذرائع الفساد المحققة أو المظنونة.
والمس: مستعمل في الإصابة
وثم للتراخي الرتبي، أي ولا تجدون من ينصركم، أي من يخفف عنكم مس عذاب النار أو يخرجكم منها.
___
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (١١٤)
انتقل من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم. وهذا الخطاب يتناول جميع الأمة
والنهار: ما بين الفجر إلى غروب الشمس، سمي نهارا لأن الضياء ينهر فيه، أي يبرز كما يبرز النهر.
والأمر بالإقامة يؤذن بأنه عمل واجب لأن الإقامة إيقاع العمل على ما يستحقه، فتقتضي أن المراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة.
والمقصود أن تكون الصلاة أول أعمال المسلم إذا أصبح وهي صلاة الصبح وآخر أعماله إذا أمسى وهي صلاة العشاء لتكون السيئات الحاصلة فيما بين ذلك ممحوة بالحسنات الحافة بها. وهذا مشير إلى حكمة كراهة الحديث بعد صلاة العشاء.
☆ قال المختصِر: وحكمةِ الوتر قبل النوم.
وإذهاب السيئات يشمل إذهاب وقوعها بأن يصير انسياق النفس إلى ترك السيئات سهلا وهينا كقوله تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت: ٤٥] ويكون هذا من خصائص الحسنات كلها. ويشمل أيضا محو إثمها إذا وقعت، ويكون هذا من خصائص الحسنات كلها فضلا من الله على عباده الصالحين.
ومحمل السيئات هنا على السيئات الصغائر التي هي من اللمم حملا لمطلق هذه الآية على مقيد آية الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم [النجم: ٣٢] وقوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: ٣١] ، فيحصل من مجموع الآيات أن اجتناب الفواحش جعله الله سببا لغفران الصغائر و أن الإتيان بالحسنات يذهب أثر السيئات الصغائر.
☆ قال المختصِر: كلامه صحيح ، وقد ورد تكفير الصالحات للكبائر في قول الله تبارك وتعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامايضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناإلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيماومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ [الفرقان: ٦٨-٧١]
فلا يمتنع أن المداومة على الصلوات والقيام والذكر والنفقة وغير ذلك يتراكم فيتعاظم فيمحو الله به الكبائر وقد دخلت بغي بني إسرائيل الجنة بسقيها كلبا.
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام فأتى النبيء صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فأنزلت عليه وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل فقال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي.
___
واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (١١٥)
عطف على جملة فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء [هود: ١٠٩] الآيات، لأنها سيقت مساق التثبيت من جراء تأخير عقاب الذين كذبوا.
ومناسبة وقوع الأمر بالصبر عقب الأمر بالاستقامة والنهي عن الركون إلى الذين ظلموا، أن المأمورات لا تخلو عن مشقة عظيمة ومخالفة لهوى كثير من النفوس، فناسب أن يكون الأمر بالصبر بعد ذلك ليكون الصبر على الجميع كل بما يناسبه.
وتوجيه الخطاب إلى النبيء صلى الله عليه وسلم تنويه به. والمقصود هو وأمته بقرينة التعليل بقوله:
فإن الله لا يضيع أجر المحسنين لما فيه من العموم والتفريع المقتضي جمعهما أن الصبر من حسنات المحسنين وإلا لما كان للتفريع موقع. وحرف التأكيد مجلوب للاهتمام بالخبر.
وسمي الثواب أجرا لوقوعه جزاء على الأعمال وموعودا به فأشبه الأجر.
___
فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (١١٦)
هذا قوي الاتصال بقوله تعالى: وكذلك أخذ ربك [هود: ١٠٢] فيجوز أن يكون تفريعا عليه ويكون ما بينهما اعتراضا دعا إليه الانتقال الاستطرادي في معان متماسكة.
والمعنى فهلا كان في تلك الأمم أصحاب بقية من خير فنهوا قومهم عن الفساد لما حل بهم ما حل. وذلك إرشاد إلى وجوب النهي عن المنكر. ويجوز أن يكون تفريعا على قوله تعالى: فاستقم كما أمرت [هود: ١١٢] والآية تفريع على الأمر بالاستقامة والنهي عن الطغيان وعن الركون إلى الذين ظلموا، إذ المعنى: ولا تكونوا كالأمم من قبلكم إذ عدموا من ينهاهم عن الفساد في الأرض وينهاهم عن تكذيب الرسل فأسرفوا في غلوائهم حتى حل عليهم غضب الله إلا قليلا منهم، فإن تركتم ما أمرتم به كان حالكم كحالهم، ولأجل هذا المعنى أتي بفاء التفريع لأنه في موقع التفصيل والتعليل لجملة فاستقم كما أمرت [هود: ١١٢] وما عطف عليها كأنه قيل: وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم فلولا كان منهم بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلى آخره، أي فاحذروا أن تكونوا كما كانوا فيصيبكم ما أصابهم، وكونوا مستقيمين ولا تطغوا ولا تركنوا إلى الظالمين وأقيموا الصلاة، فغير نظم الكلام إلى هذا الأسلوب الذي في الآية لتفنن فوائده ودقائقه واستقلال أغراضه مع كونها آئلة إلى غرض يعممها. وهذا من أبدع أساليب الإعجاز.
و (لولا) حرف تحضيض بمعنى (هلا) . وتحضيض الفائت لا يقصد منه إلا تحذير غيره من أن يقع فيما وقعوا فيه والعبرة بما أصابهم.
والبقية: الفضل والخير. وأطلق على الفضل البقية كناية غلبت فسارت مسرى الأمثال لأن شأن الشيء النفيس أن صاحبه لا يفرط فيه.
وبقية الناس: سادتهم وأهل الفضل منهم.
وقرأ ابن جماز عن أبي جعفر «بِقْيَةٍ» - بكسر الباء- الموحدة وسكون القاف وتخفيف التحتية- فهي لغة ولم يذكرها أصحاب كتب اللغة ولعلها أجريت مجرى الهيئة لما فيها من تخيل السمت والوقار.
و"إلا قليلا" استثناء منقطع بمعنى الاستدراك أي إلا قرونا أخرى من فبلكم كان فيها أولوا بقية، ولا يصح الاتصال لأن التحضيض معناه نعي فقدان أولي البقية
قال الشيخ رحمه الله تبارك وتعالى: وعلامة انقطاعه انتصابه لأن نصب المستثنى بعد النفي إذا كان المستثنى منه غير منصوب أمارة على اعتبار الانقطاع إذ هو الأفصح. وهل يجيء أفصح كلام إلا على أفصح إعراب، ولو كان معتبرا اتصاله لجاء مرفوعا على البدلية من المذكور قبله،
و (من) في قوله: ممن أنجينا بيانية، بيان للقليل لأن الذين أنجاهم الله من القرون هم القليل الذين ينهون عن الفساد، وهم أتباع الرسل.
وفي البيان إشارة إلى أن نهيهم عن الفساد هو سبب إنجاء تلك القرون لأن النهي سبب السبب إذ النهي يسبب الإقلاع عن المعاصي الذي هو سبب النجاة)
ثم قال: وجملة واتبع الذين ظلموا معطوفة على ما أفاده الاستثناء من وجود قليل ينهون عن الفساد، فهو تصريح بمفهوم الاستثناء وتبيين لإجماله )
(وكانوا مجرمين) فيها إيجاز حذف، والتقدير: فحق عليهم هلاك المجرمين، وبذلك تهيأ المقام لقوله بعده: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم [هود: ١١٧] .
___
[سورة هود (١١) : آية ١١٧]
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (١١٧)
عطف على جملة واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه [هود: ١١٦] لما يؤذنه به مضمون الجملة المعطوف عليها من تعرض المجرمين لحلول العقاب بهم بناء على وصفهم بالظلم والإجرام، فعقب ذلك بأن نزول العذاب على نزل به منهم لم يكن ظلما من الله تعالى ولكنهم جروا لأنفسهم الهلاك بما أفسدوا في الأرض والله لا يحب الفساد.
وصيغة وما كان ربك ليهلك تدل على قوة انتفاء الفعل، كما تقدم عند قوله تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الآية في آل عمران [٧٩] ، وقوله: قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق في آخر العقود [١١٦] فارجع إلى ذينك الموضعين.
___
ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (١١٨) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (١١٩)
لما كان النعي على الأمم الذين لم يقع فيهم من ينهون عن الفساد فاتبعوا الإجرام، وكان الإخبار عن إهلاكهم بأنه ليس ظلما من الله وأنهم لو كانوا مصلحين لما أهلكوا، لما كان ذلك كله قد يثير توهم أن تعاصي الأمم عما أراد الله منهم خروج عن قبضة القدرة الإلهية أعقب ذلك بما يرفع هذا التوهم بأن الله قادر أن يجعلهم أمة واحدة متفقة على الحق مستمرة عليه كما أمرهم أن يكونوا.
ولكن الحكمة التي أقيم عليها نظام هذا العالم اقتضت أن يكون نظام عقول البشر قابلا للتطوح بهم في مسلك الضلالة أو في مسلك الهدى.
تعقيبه بقوله: ولذلك خلقهم تأكيد لمضمون ولا يزالون مختلفين.
وتقديم المعمول على عامله في قوله: ولذلك خلقهم ليس للقصر بل للاهتمام بهذه العلة
إلا من رحم ربك يوذن بأن المستثنى منه قوم مختلفون اختلافا لا رحمة لهم فيه.
___
وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (١٢١) وانتظروا إنا منتظرون (١٢٢)
عطف على جملة وجاءك في هذه الحق [هود: ١٢٠] الآية، لأنها لما اشتملت على أن في هذه القصة ذكرى للمؤمنين أمر بأن يخاطب الذين لا يؤمنون بما فيها خطاب الآيس من انتفاعهم بالذكرى الذي لا يعبأ بإعراضهم ولا يصده عن دعوته إلى الحق تألبهم على باطلهم ومقاومتهم الحق. فلا جرم كان قوله: وقل للذين لا يؤمنون عديلا لقوله:
وموعظة وذكرى للمؤمنين [هود: ١٢٠] . وهذا القول مأمور أن بقوله على لسانه ولسان المؤمنين.
وضمائر إنا عاملون وإنا منتظرون للنبيء والمؤمنين الذين معه.
وفي أمر الله رسوله بأن يقول ذلك على لسان المؤمنين شهادة من الله بصدق إيمانهم.
وقوله: وانتظروا إنا منتظرون تهديد ووعيد، كما يقال في الوعيد: سوف ترى.
___
ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (١٢٣)
قرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب «عما تعملون» - بتاء فوقية- خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم والناس معه في الخطاب. وقرأ من عداهم بالمثناة التحتية على أن يعود الضمير إلى الكفار فهو تسلية للنبيء- عليه الصلاة والسلام- وتهديد للمشركين

تعليقات
إرسال تعليق