اختصار المختار من تفسير سورة هود من كتاب "التحرير والتنوير"
___
بسم الله الرحمن الرحيم
¤ (أحكمت آياته) أي جعلت آياته كاملة في نوع الكلام بحيث سلمت من مخالفة الواقع ومن إخلال المعنى واللفظ
¤ (ثم فصلت من لدن حكيم خبير) (ثم) للتراخي في الرتبة لما في التفصيل من الاهتمام لدى النفوس لأن العقول ترتاح إلى البيان والإيضاح.
والحكيم مقابل ل أحكمت، والخبير مقابل ل فصلت.
¤ (ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير) الجمع بين النذارة والبشارة لمقابلة ما تضمنته الجملة الأولى من طلب ترك عبادة غير الله بطريق النهي وطلب عبادة الله بطريق الاستثناء، فالنذارة ترجع إلى الجزء الأول، والبشارة ترجع إلى الجزء الثاني
¤ ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير﴾ [هود: ٣]
"ثم" للترتيب الرتبي، والحسن: تقييد لنوع المتاع بأنه الحسن في نوعه، أي خالصا من المكدرات طويلا بقاؤه لصاحبه كما دل عليه قوله: إلى أجل مسمى، وذكر الأجل موعظة وتنبيه على أن هذا المتاع له نهاية، فعلم أنه متاع الدنيا. والمقصود بالأجل: أجل كل واحد وهو نهاية حياته، وهذا وعد بأنه نعمة باقية طول الحياة.
والفضل: إعطاء الخير. سمي فضلا لأن الغالب أن فاعل الخير يفعله بما هو فاضل عن حاجته، ثم تنوسي ذلك فصار الفضل بمعنى إعطاء الخير.
¤ (إلى الله مرجعكم) المرجع مصدر ميمي بمعنى الرجوع. وهو مستعمل كناية عن لازمه العرفي وهو عدم الانفلات وإن طال الزمن
¤ (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور) نشأ هذا الكلام عن قوله تعالى: إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير [هود: ٤] لمناسبة أن المرجوع إليه لما كان موصوفا بتمام القدرة على كل شيء هو أيضا موصوف بإحاطة علمه بكل شيء للتلازم بين تمام القدرة وتمام العلم.
وافتتاح الكلام بحرف التنبيه ألا للاهتمام بمضمونه لغرابة أمرهم المحكي وللعناية بتعليم إحاطة علم الله تعالى.
وَالثَّنْيُ: الطَّيُّ، وَأَصْلُ اشْتِقَاقِهِ مِنَ اسْمِ الِاثْنَيْنِ. يُقَالُ: ثَنَاهُ بِالتَّخْفِيفِ، إِذَا جَعَلَهُ ثَانِيًا، يُقَالُ: هَذَا وَاحِدٌ فَاثْنِهِ، أَيْ كُنْ ثَانِيًا لَهُ، فَالَّذِي يَطْوِي الشَّيْءَ يَجْعَلُ أَحَدَ طَاقَيْهِ ثَانِيًا لِلَّذِي قَبْلَهُ فَثَنْيُ الصُّدُورِ: إِمَالَتُهَا وَحَنْيُهَا تَشْبِيهًا بِالطَّيِّ. وَمَعْنَى ذَلِكَ الطَّأْطَأَةُ.
وهذا الكلام يحتمل الإجراء على حقيقة ألفاظه من الثني والصدور. ويحتمل أن يكون تمثيلا لهيئة نفسية بهيئة حسية.
قال الشيخ الطاهر: وجميع أخطاء أهل الضلالة في الجاهلية والأديان الماضية تسري إلى عقولهم من النظر السقيم، والأقيسة الفاسدة، وتقدير الحقائق العالية بمقادير متعارفهم وعوائدهم، وقياس الغائب على الشاهد. وقد ضل كثير من فرق المسلمين في هذه المسالك لولا أنهم ينتهون إلى معلومات ضرورية من الدين تعصمهم عند الغاية عن الخروج عن دائرة الإسلام وقد جاء بعضهم وأوشك أن يقع.
وقال: (واعلم أن شأن دعوة الحق أن لا تذهب باطلا حتى عند من لم يصدقوا بها ولم يتبعوها، فإنها تلفت عقولهم إلى فرض صدقها أو الاستعداد إلى دفعها، وكل ذلك يثير حقيقتها ويشيع دراستها. وكم من معرضين عن دعوة حق ما وسعهم إلا التحفز لشأنها والإفاقة من غفلتهم عنها. وكذلك كان شأن المشركين حين سمعوا دعوة القرآن إذ أخذوا يتدبرون وسائل مقاومتها ونقضها والتفهم في معانيها)
¤ (إلا على الله رزقها) تقديم "على الله" لإفادة القصر أي على الله وحده رزقها، وأيضا لإفادة أن الله سبحانه وتعالى ألزم نفسه برزقها، والاستثناء في "إلا" منعا لوهم رزق مالكي الدواب لها
¤ ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبينوهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين﴾ [هود: ٦-٧]
المناسبة بينهما أن خلق السماوات والأرض من أكبر مظاهر علم الله وتعلقات قدرته .
والمعنى أن العرش كان مخلوقا قبل السموات وكان محيطا بالماء أو حاويا للماء. وحمل العرش على أنه ذات مخلوقة فوق السموات هو ظاهر الآية. وذلك يقتضي أن العرش مخلوق قبل ذلك وأن الماء مخلوق قبل السموات والأرض.
وفي الآية إشارة إلى أن من حكمة خلق الأرض صدور الأعمال الفاضلة من شريف المخلوقات فيها. ثم إن ذلك يقتضي الجزاء على الأعمال إكمالا لمقتضى الحكمة ولذلك أعقبت بقوله: ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) ... والواو حالية
والتقدير: فعل ذلك الخلق العجيب والحال أنهم ينكرون ما هو دون ذلك وهو إعادة خلق الناس. ويجهلون أنه لولا الجزاء لكان هذا الخلق عبثا كما قال تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين [الدخان: ٣٨]
وجاء التأكيد باللام والنون في "ليقولن" كأن سامع الآية يستبعد أن ينكر العاقل البعث وغرض ذلك التعجيب من حال الذين كفروا أن يحيلوا إعادة الخلق وقد شاهدوا آثار بدء الخلق وهو أعظم وأبدع.
¤ (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن) (٨)
أتاهم العذاب يوم بدر، وحاق أي أحاط
¤ ﴿ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفورولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخورإلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير﴾ [هود: ٩-١١]
كفور كأنه لم تحصل له نعمة قط (وأضاف المختصِر: ينسى ما به من النعم لأجل مصيبة واحدة وقد جمع بين المعنيين عروة بن الزبير حين قطعت رجله ومات ابنه فقال : اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة فلك الحمد ، وكان لي بنون أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد ، وأيم الله لئن أخذت لقد أبقيت ، ولئن ابتليت لطالما عافيت)
ومن معاني الصبر انتظار الفرج ولذلك أوثر هنا وصف (صبروا) دون (آمنوا) لأن المراد مقابلة حالهم بحال الكفار في قوله: إنه ليؤس كفور [هود: ٩] .
¤ ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل﴾ [هود: ١٢]
اختار الشيخ أن الضمير في "به" عائد على "أن يقولوا" والمشهور عوده على بعض الوحي.
والاستفهام في "فلعلك" كناية عن بلوغ الحالة حدا يوجب توقع الأمر المستفهم عنه والغرض دفع الفتور عن المخاطب.
و"ضائق" بدلا من ضيق مراعاة لوزن النظير في "تارك" كما أن " نعماء" مناظرة ل "ضراء"
¤ ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [هود: ١٣]
معنى مفتريات أنها مفتريات المعاني كما تزعمون على القرآن أي بمثل قصص أهل الجاهلية وتكاذيبهم. وهذا من إرخاء العنان والتسليم الجدلي، فالمماثلة في قوله مثله هي المماثلة في بلاغة الكلام وفصاحته لا في سداد معانيه. قال علماؤنا: وفي هذا دليل على أن إعجازه وفصاحته بقطع النظر عن علو معانيه وتصديق بعضه بعضا. وهو كذلك.
¤ ﴿فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون﴾ [هود: ١٤]
جعل الشيخ الخطاب في "لكم" للكفار والواو في "يستجيبوا" للمدعويين
وغيره جعل الخطاب للمؤمنين والواو للكافرين
والاستفهام في "فهل أنتم مسلمون" يقصد به الحث على الفعل، وقيل "مسلمون" بدل "تسلمون" لتدل على دوام الفعل وثباته. فحالة عدم الاستجابة تكسب اليقين بصحة الإسلام فتقتضي تمكنه من النفوس وذلك التمكن تدل عليه الجملة الاسمية.
¤ ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسونأولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ [هود: ١٥-١٦]
الآية تفريع على نهوض الحجة فإن كانوا طالبين الحق والفوز فقد استتب لهم ما يقتضي تمكن الإسلام من نفوسهم، وإن كانوا إنما يطلبون الكبرياء والسيادة في الدنيا ويأنفون من أن يكونوا تبعا لغيرهم فهم مريدون الدنيا فلذلك حذروا من أن يغتروا بالمتاع العاجل وأعلموا بأن وراء ذلك العذاب الدائم وأنهم على الباطل، فالمقصود من هذا الكلام هو الجملة الثانية، أعني جملة أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار إلخ ... وما قبل ذلك تمهيد وتنبيه على بوارق الغرور ومزالق الذهول، وبيان لأسباب مكابرتهم
وبعدهم عن الإيمان، وفيه تنبيه المسلمين بأن لا يغتروا بظاهر حسن حال الكافرين في الدنيا، وأن لا يحسبوا أيضا أن الكفر يوجب تعجيل العذاب فأوقظوا من هذا التوهم، كما قال تعالى: لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧] .
والشرط معناه أنهم يريدون الدنيا وحدها فقط.
وهذا لا يصدر إلا عن الكافرين لأن المؤمن لا يخلو من إرادة خير الآخرة وما آمن إلا لذلك، فمورد هذه الآيات ونظائرها في حال الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة.
فأما قوله تعالى: يا أيها النبيء قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] فذلك في معنى آخر من معاني الحياة وزينتها وهو ترف العيش وزينة اللباس، خلافا لما يقتضيه إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن كثير من ذلك الترف وتلك الزينة.
والتوفية: إعطاء الشيء وافيا، أي كاملا غير منقوص، أي نجعل أعمالهم في الدنيا وافية ومعنى وفائها أنها غير مشوبة بطلب تكاليف الإيمان والجهاد والقيام بالحق، فإن كل ذلك لا يخلو من نقصان في تمتع أصحاب تلك الأعمال
بأعمالهم وهو النقصان الناشئ عن معاكسة هوى النفس، فالمراد أنهم لا ينقصون من لذاتهم التي هيأوها لأنفسهم على اختلاف طبقاتهم في التمتع بالدنيا، بخلاف المؤمنين فإنهم تتهيأ لهم أسباب التمتع بالدنيا على اختلاف درجاتهم في ذلك التهيؤ فيتركون كثيرا من ذلك لمراعاتهم مرضاة الله تعالى وحذرهم من تبعات ذلك في الآخرة على اختلاف مراتبهم في هذه المراعاة.
وعدي فعل نوف بحرف (إلى) لتضمنه معنى نوصل أو نبلغ لإفادة معنيين.
فليس معنى الآية أن من أراد الحياة وزينتها أعطاه الله مراده لأن ألفاظ الآية لا تفيد ذلك لقوله: نوف إليهم أعمالهم، فالتوفية: عدم النقص. وعلقت بالأعمال وهي المساعي. وإضافة الأعمال إلى ضمير هم تفيد أنها الأعمال التي عنوا بها وأعدوها لصالحهم أي نتركها لهم كما أرادوا لا ندخل عليهم نقصا في ذلك. وهذه التوفية متفاوتة والقدر المشترك فيها بينهم هو خلوهم من كلف الإيمان ومصاعب القيام بالحق والصبر على عصيان الهوى، فكأنه قيل نتركهم وشأنهم في ذلك.
وقوله: وهم فيها لا يبخسون أي في الدنيا لا يجازون على كفرهم بجزاء سلب بعض النعم عنهم بل يتركون وشأنهم استدراجا لهم وإمهالا. فهذا كالتكملة لمعنى جملة نوف إليهم أعمالهم فيها، إذ البخس هو الحط من الشيء والنقص منه على ما ينبغي أن يكون عليه ظلما. وفي هذه الآية دليل لما رآه الأشعري أن الكفر لا يمنع من نعمة الله.
(وهم فيها) أي في الدنيا او في الأعمال.
(أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليه استحق ما يذكر
☆ قال المختصِر (حبط) متعلق بالانعدام فيما مضى، و (باطل) متعلق بعدم الأمل في المستقبل، ويدل عليه المغايرة بين الفعل الماضي واسم الفاعل
¤ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (١٧)
الفاء للتفريع وهذا التفريع تفريع الضد على ضده في إثبات ضد حكمه له، أي إن كان حال أولئك المكذبين كما وصف فثم قوم هم بعكس حالهم قد نفعتهم البينات والشواهد، فهم يؤمنون بالقرآن وهم المسلمون وذلك مقتضى قوله: فهل أنتم مسلمون [هود: ١٤] ، أي كما أسلم من كانوا على بينة من ربهم منكم ومن أهل الكتاب.
و (أفمن كان) بمعنى أفمن كانوا.
قال الشيخ: وحاصل معنى الآية وارتباطها بما قبلها فهل أنتم مسلمون [هود: ١٤] فإن الذين يؤمنون به هم الذين كانوا على بينة من ربهم مؤيدة بشاهد من ربهم ومعضودة بكتاب موسى- عليه السلام- من قبل بينتهم.
☆ قال المختصِر: مقتضى كلامه أنها خاصة بالنصارى مع أنه أجاز من قبل أن تكون في اليهود و معنى الآية: أفمن كان على بينة من ربه وهي الإنجيل ويتلوا الإنجيل شاهد من الله وهو القرآن ومن قبل الإنجيل كتاب موسى إماما ورحمة.
¤ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (١٨) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (١٩)
ذكر عرض ذواتهم لا أعمالهم بغرض التشهير والخزي، خاصة مع اسم الإشارة "أولئك".
و "الذين" غرضها ذكر الصفة التي استحقوا بها قول الأشهاد "ألا لعنة الله على الظالمين"
(يبغونها) أي يبغون سبيل الله
قال الشيخ: واختصت هذه الآية على نظيرها في الأعراف بزيادة (هم) في قوله: هم كافرون وهو توكيد يفيد تقوي الحكم لأن المقام هنا مقام تسجيل إنكارهم البعث وتقريره إشعارا بما يترقبهم من العقاب المناسب فحكي به من كلام الأشهاد ما يناسب هذا، وما في سورة الأعراف حكاية لما قيل في شأن قوم أدخلوا النار وظهر عقابهم فلا غرض لحكاية ما فيه تأكيد من كلام الأشهاد، وكلا المقالتين واقع وإنما يحكي البليغ فيما يحكيه ما له مناسبة لمقام الحكاية.
¤ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (٢٠)
إعادة الإشارة إليهم بقوله: أولئك بعد أن أشير إليهم بقوله: أولئك يعرضون على ربهم [هود: ١٨] لتقرير فائدة اسم الإشارة السابق.
¤ أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (٢١) لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (٢٢)
واسم الإشارة هنا تأكيد ثان لاسم الإشارة في قوله: أولئك يعرضون على ربهم [هود: ١٨] .
والموصول في الذين خسروا أنفسهم
مراد به الجنس المعروف بهذه الصلة، أي أن بلغكم أن قوما خسروا أنفسهم فهم المفترون على الله كذبا.
(لا جرم) بمعنى لا محالة أو لابد وهي مما تنوسي أصله
☆ قال المختصِر: الأرجح أن يكون أصلها بمعنى لا دافع أو لا مدافع مثل قول الله تبارك وتعالى(لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم) فهم مفعول بهم من الشقاق والمصيبة ثم استقرت بمعنى لابد .
قال ابن دريد في الاشتقاق: ( قال الشاعر :
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أي حملتهم على الغضب) ودفعتهم أولى لأنها لا تستجلب "على" ويتعدى الفعل بنفسه
☆ قال المختصِر: قال الله تعالى ( ﴿أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون﴾
[النمل: 5]
كلمة الأخسرون تعني أخسر من على المفاضلة والموازنة . وهي لم ترد في القرآن سوى مرتين . في سورة النمل وفي سورة هود (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون)
قال العلامة ابن الزبير في تعليقه على موضع سورة هود ( قوله تعالى: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، وفي سورة النحل: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ) (النحل: ١٠٩)، للسائل أن يسأل عن وجه تخصيص آية هود بقوله: (الأَخْسَرُونَ) وآية النحل (بقوله) (الْخَاسِرُونَ)؟ (وهل كان يمكن العكس)؟
والجواب: أن آية هود تقدمها (ما يفهم) المفاضلة، ألا ترى أن قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ) (هود: ١٧)، الآية يفهم من سياقها أن المراد: أفمن كان على بينة من ربه كمن كفر وجحد (وكذب) الرسل؟ ثم أتبع هذا بقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) (هود: ١٨)، فهذا صريح مفاضلة، ثم أستمرت الآي في وصف من ذكر وعرضهم على ربهم وقول الأشهاد: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (هود: ١٩، ١٨) إلى ذكر مضاعفة العذاب لهم، وأستمر ذكرهم إلى قوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، فناسب لفظ الأخسرين بصيغة التفاضل، ومقصود التفاوت ما تقدم مما يفهم ذلك من قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) (هود: ١٧)، وأفعل من كذا في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى) (هود: ١٨)، فالأيات من لدن قوله (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) إلى قوله: (هُمْ الأَخْسَرُونَ) (مبنيات على ما ذكرناه غير خارجة عن هذا المقصود، ولو ورد هنا ((الخاسرون)) مكان ((الأخسرين)) لتنافى النظم وتباين السياق ولم يتناسب.)
والتميز الظاهر من صيغة أفعل .. لأنه كانت لهم حال متميزة في الأرض ينبئ عنها في السورة جملة(أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) وقد عاكسهم الذين (أخبتوا إلى ربهم)
¤ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (٢٧)
الملأ: سادة القوم، وقد جزموا بتكذيبه فقدموا لذلك مقدمات استخلصوا منها تكذيبه، وتلك مقدمات باطلة أقاموها على ما شاع بينهم من المغالطات الباطلة التي روجها الإلف والعادة فكانوا يعدون التفاضل بالسؤدد وهو شرف مصطلح عليه قوامه الشجاعة والكرم، وكانوا يجعلون أسباب السؤدد أسبابا مادية جسدية، فيسودون أصحاب الأجسام البهجة كأنهم خشب مسندة لأنهم ببساطة مداركهم العقلية يعظمون حسن الذوات، ويسودون أهل الغنى لأنهم يطمعون في نوالهم، ويسودون الأبطال لأنهم يعدونهم لدفاع أعدائهم. ثم هم يعرفون أصحاب تلك الخلال إما بمخالطتهم وإما بمخالطة أتباعهم فإذا تسامعوا بسيد قوم ولم يعرفوه تعرفوا أتباعه وأنصاره، فإن كانوا من الأشراف والسادة علموا أنهم ما اتبعوه إلا لما رأوا فيه من موجبات السيادة وهذه أسباب ملائمة لأحوال أهل الضلالة إذ لا عناية لهم بالجانب النفساني من الهيكل الإنساني.
فلما دعاهم نوح- عليه السلام- دعوة علموا منها أنه يقودهم إلى طاعته ففكروا وقدروا فرأوا الأسباب المألوفة بينهم للسؤدد مفقودة من نوح- عليه السلام- ومن الذين اتبعوه فجزموا بأنه غير حقيق بالسيادة عليهم فجزموا بتكذيبه فيما ادعاه من الرسالة بسيادة
للأمة وقيادة لها.
وهؤلاء لقصود عقولهم وضعف مداركهم لم يبلغوا إدراك أسباب الكمال الحق، فذهبوا يتطلبون الكمال من أعراض تعرض للناس بالصدقة من سعة مال، أو قوة أتباع، أو عزة قبيلة. وتلك أشياء لا يطرد أثرها في جلب النفع العام ولا إشعار لها بكمال صاحبها إذ يشاركه فيها أقل الناس عقولا، والحيوان الأعجم مثل البقرة بما في ضرعها من لبن، والشاة بما على ظهرها من صوف، بل غالب حالها أنها بضد ذلك.
وربما تطلبوا الكمال في أجناس غير مألوفة كالجن، أو زيادة خلقة لا أثر لها في عمل المتصف بها مثل جمال الصورة وكمال القامة، وتلك وإن كانت ملازمة لموصوفاتها لكنها لا تفيدهم أن يكونوا مصادر كمالات ، فقد يشاركهم فيها كثير من العجماوات كالظباء والمها والطواويس، فإن ارتقوا على ذلك تطلبوا الكمال في أسباب القوة والعزة من بسطة الجسم وإجادة الرماية والمجالدة والشجاعة على لقاء العدو. وهذه أشبه بأن تعد في أسباب الكمال ولكنها مكملات للكمال الإنساني لأنها آلات لإنقاذ المقاصد السامية عند أهل العقول الراجحة والحكمة الإلهية كالأنبياء والملوك الصالحين، وبدون ذلك تكون آلات لإنفاذ المقاصد السيئة مثل شجاعة أهل الحرابة وقطاع الطريق والشطار، ومثل القوة على خلع الأبواب لاقتحام منازل الآمنين.
وإنما الكمال الحق هو زكاء النفس واستقامة العقل، فهما السبب المطرد لإيصال المنافع العامة لما في هذا العالم، ولهما تكون القوى المنفذة خادمة كالشجاعة للمدافعين عن الحق والملجئين للطغاة على الخنوع إلى الدين، على أن ذلك معرض للخطأ وغيبة الصواب فلا يكون له العصمة من ذلك إلا إذا كان محفوفا بالإرشاد الإلهي المعصوم، وهو مقام النبوءة والرسالة.
فهؤلاء الكفرة من قوم نوح لما قصروا عن إدراك أسباب الكمال وتطلبوا الأسباب من غير مكانها نظروا نوحا- عليه السلام- وأتباعه فلم يروه من جنس غير البشر، وقالوا: وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا. فنفوا عنه سبب السيادة من جهتي ذاته وأتباعه، وذلك تعريض بأنهم لا يتبعونه لأنهم يترفعون عن مخالطة أمثالهم وأنه لو أبعدهم عنه لاتبعوه، ولذلك ورد بعده وما أنا بطارد الذين آمنوا [هود: ٢٩] الآية.
والأراذل: جمع أرذل أو جمع رذيل على خلاف القياس. والرذيل: المحتقر. وأرادوا أنهم من لفيف القوم غير سادة ولا أثرياء.
وكان أتباع نوح- عليه السلام- من ضعفاء القوم ولكنهم من أزكياء النفوس ممن سبق لهم الهدى.
(بادي الرأي) يعنون أن هؤلاء قد غرتهم دعوتك فتسرعوا إلى متابعتك ولو أعادوا النظر والتأمل لعلموا أنك لا تستحق أن تتبع.
(بل نظنكم كاذبين) زعموا أن نوحا- عليه السلام- كاذبا في دعوى الرسالة وأتباعه كاذبين في دعوى حصول اليقين بصدق نوح- عليه السلام-
¤ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (٢٨)
افتتاح مراجعته بالنداء لطلب إقبال أذهانهم لوعي كلامه، كما تقدم في نظيرها في سورة الأعراف، واختيار استحضارهم بعنوان قومه لاستنزال طائر نفورهم تذكيرا لهم بأنه منهم فلا يريد لهم إلا خيرا.
ومن بديع الاستعارة هنا أن فيها طباقا لمقابلة قولهم في مجادلتهم ما نراك إلا بشرا- وما نراك اتبعك- وما نرى لكم علينا من فضل [هود: ٢٧] . فقابل نوح- عليه السلام- كلامهم مقابلة بالمعنى واللفظ إذ جعل عدم رؤيتهم من قبيل العمى.
وعطف (عميت) بفاء التعقيب إيماء إلى عدم الفترة بين إيتائه البينة والرحمة وبين خفائها عليهم. وهو تعريض لهم بأنهم بادروا بالإنكار قبل التأمل.
والكاره: المبغض لشيء. وعدي باللام إلى مفعوله لزيادة تقوية تعلق الكراهية بالرحمة أو البينة
¤ ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (٢٩)
لما نفي طمعه في المخاطبين ذكر من مقتضى ذلك أنه لا يؤذي أتباعه لأجل إرضائهم وعبر عن أتباعه بالموصولية (الذين آمنوا) تعظيما لهم، وجملة إنهم ملاقوا ربهم في موضع التعليل لنفي أن يطردهم بأنهم صائرون إلى الله في الآخرة فمحاسب من يطردهم،
ولكنكم تجهلون فتحسبون أن لا تبعة في طردهم.
وزيادة قوله: قوما يدل على أن جهلهم صفة لازمة لهم كأنها من مقومات قوميتهم
¤ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (٣١)
أقول أي أدعي في الحال لأنه لم يدعه في الماضي، و "أقول" في جملة (ولا أقول للذين) أي ولا أعتقد ذلك ولذا أعاد فعل القول ولم يكتف بالأول ، وأما قوله: ولا أقول إني ملك فنفي لشبهة قولهم: ما نراك إلا بشرا مثلنا.
ولما أراد إبطال قولهم: وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا [هود: ٢٧] أبطله بطريقة التغليط لأنهم جعلوا ضعفهم وفقرهم سببا لانتفاء فضلهم، فأبطله بأن ضعفهم ليس بحائل بينهم وبين الخير من الله إذ لا ارتباط بين الضعف في الأمور الدنيوية من فقر وقلة وبين الحرمان من نوال الكمالات النفسانية والدينية وإنما الأمر مرتبط بما في النفوس ولذا قال (الله أعلم بما أنفسهم)
(إني إذاً لمن الظالمين) أكده بثلاث مؤكدات: إن ولام الابتداء وحرف الجزاء، تحقيقا لظلم الذين رموا المؤمنين بالرذالة وسلبوا الفضل عنهم، لأنه أراد التعريض بقومه في ذلك. وسيجيء في سورة الشعراء ذكر موقف آخر لنوح- عليه السلام- مع قومه في شأن هؤلاء المؤمنين
¤ أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (٣٥)
جملة معترضة بين جملة أجزاء القصة وليست من القصة تفيد إقامة الحجة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ أن علمه بقصة نوح عليه السلام مع أميته وبعد قومه عن أهل الكتاب آية على صدقه.
¤ (فإنا نسخر منكم كما تسخرون) يجوز أن تجعل كاف التشبيه مفيدة معنى التعليل كالتي في قوله تعالى: واذكروه كما هداكم [البقرة: ١٩٨]
وهذا يفيد أدبا شريفا بأن الواثق بأنه على الحق لا يزعزع ثقته مقابلة السفهاء أعماله النافعة بالسخرية، وأن عليه وعلى أتباعه أن يسخروا من الساخرين.
¤ والجودي: اسم جبل بين العراق وأرمينا، يقال له اليوم (أراراط) . وحكمة إرسائها على جبل أن جانب الجبل أمكن لاستقرار السفينة عند نزول الراكبين لأنها تخف عند ما ينزل معظمهم فإذا مالت استندت إلى جانب الجبل
¤ "بعدا" البعد كناية عن التحقير بلازم كراهية الشيء
¤ ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ [هود: ٤٨]
يشملهم السلام مع ذرياتهم ببركة صحبة نوح عليه السلام
وذكر الأمم التي ستنال العذاب تعريض بالمشركين من العرب فإنهم من ذرية نوح ولم يتبعوا سبيل جدهم، فأشعروا بأنهم من الأمم التي أنبأ الله نوحا بأنه سيمتعهم ثم يمسهم عذاب أليم. ونظير هذا قوله تعالى: ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا [الإسراء: ٣] أي وكان المتحدث عنهم غير شاكرين للنعمة.
وإطلاق المس على الإصابة القوية تقدم.
قال الشيخ: وذكر منا مع يمسهم لمقابلة قوله في ضده بسلام منا ليعلموا أن ما يصيب الأمة من الأحوال الزائدة على المعتاد في الخير والشر هو إعلام من الله بالرضى أو الغضب لئلا يحسبوا ذلك من سنة ترتب المسببات العادية على أسبابها، إذ من حق الناس أن يتبصروا في الحوادث ويتوسموا في جريان أحوالهم على مراد الله تعالى منهم ويعلموا أن الله يخاطبهم بدلالة الكائنات عند انقطاع خطابه إياهم على ألسنة الرسل، فإن الرسل يبينون لهم طرق الدلالة ويكلون إليهم النظر في وضع المدلولات عند دلالاتها. ومثاله ما هنا فقد بين لهم على لسان نوح- عليه السلام- أنه يمتع أمما ثم يمسهم عذاب أليم بما يصنعون.
¤ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (٤٩)
استئناف أريد منه الامتنان على النبيء- صلى الله عليه وسلم- والموعظة والتسلية.
فالامتنان من قوله: ما كنت تعلمها.
والموعظة من قوله: فاصبر .
والتسلية من قوله: إن العاقبة للمتقين.
☆ قال المختصِر: لا يظهر لي وجه الامتنان ولو كان مقصودا لقيل "فاشكر" بدلا من "فاصبر" وإنما المقصود الحجاج على أن القرآن منزل من عند الله، بدليل ذكر قومه كي لا يقول قائل علمها من أحاديث قومه وقد قال الشيخ بعد ذلك : ( وعطف ولا قومك من الترقي، لأن في قومه من خالط أهل الكتاب ومن كان يقرأ ويكتب ولا يعلم أحد منهم كثيرا مما أوحي إليه من هذه القصة)
قال الشيخ: ووجه تفريع أمر الرسول بالصبر على هذه القصة أن فيها قياس حاله مع قومه على حال نوح- عليه السلام- مع قومه، فكما صبر نوح- عليه السلام- فكانت العاقبة له كذلك تكون العاقبة لك على قومك. وخبر نوح- عليه السلام- مستفاد مما حكي من مقاومة قومه ومن ثباته على دعوتهم، لأن ذلك الثبات مع تلك المقاومة من مسمى الصبر.
وجملة إن العاقبة للمتقين علة للصبر المأمور به، أي اصبر لأن داعي الصبر قائم وهو أن العاقبة الحسنة تكون للمتقين، فستكون لك وللمؤمنين معك.
والعاقبة: الحالة التي تعقب حالة أخرى. وقد شاعت عند الإطلاق في حالة الخير كقوله: والعاقبة للتقوى [طه: ١٣٢] .
والتعريف في العاقبة للجنس.
واللام في للمتقين للاختصاص والملك، فيقتضي ملك المتقين لجنس العاقبة الحسنة، فهي ثابتة لهم لا تفوتهم وهي منتفية عن أضدادهم.
¤ وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (٥٠) يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (٥١) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (٥٢)
افتتاح دعوته بنداء قومه لاسترعاء أسماعهم إشارة إلى أهمية ما سيلقي إليهم
وجملة إن أنتم إلا مفترون توبيخ وإنكار. فهي بيان لجملة ما لكم من إله غيره، أي ما أنتم إلا كاذبون في ادعاء إلهية غير الله تعالى.
وجملة يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن كان قالها مع الجملة التي قبلها فإعادة النداء في أثناء الكلام تكرير للأهمية، يقصد به تهويل الأمر واسترعاء السمع اهتماما بما يستسمعونه، والنداء هو الرابط بين الجملتين وإن كانت مقولة في وقت غير الذي قيلت فيه الجملة الأولى، فكونها ابتداء كلام ظاهر.
والتعبير بالموصول الذي فطرني دون الاسم العلم لزيادة تحقيق أنه لا يسألهم على الإرشاد أجرا بأنه يعلم أن الذي خلقه يسوق إليه رزقه، لأن إظهار المتكلم علمه
بالأسباب يكسب كلامه على المسببات قوة وتحقيقا.
ولذلك عطف على ذلك قوله: أفلا تعقلون
والسماء من أسماء المطر
وعدهم بزيادة المطر لأنهم كانوا أهل زروع وكروم
ولما كانوا معجبين بالقوة وعدهم بزيادة القوة (يزدكم قوة إلى) ولم يُقل: "على" تضمينا لمعنى الضم
¤ قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (٥٣) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (٥٤) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (٥٥) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (٥٦)
جعلوه مجنونا وجعلوا سبب جنونه مسا من آلهتهم، ولم يتفطنوا إلى دخل كلامهم وهو أن الآلهة كيف تكون سببا في إثارة ثائر عليها.
والأمر ب (كيدوني) مستعمل في الإباحة كناية عن التعجيز بالنسبة للأصنام وبالنسبة لقومه، كقوله تعالى: فإن كان لكم كيد فكيدون [المرسلات: ٣٩] . وهذا إبطال لقولهم: إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء.
وجملة إن ربي على صراط مستقيم تعليل لجملة إني توكلت على الله، أي توكلت عليه لأنه أهل لتوكلي عليه، لأنه متصف بإجراء أفعاله على طريق العدل والتأييد لرسله.
وعلى للاستعلاء المجازي، مثل أولئك على هدى من ربهم [البقرة: ٥] مستعارة للتمكن المعنوي، وهو الاتصاف الراسخ الذي لا يتغير.
والصراط المستقيم مستعار للفعل الجاري على مقتضى العدل والحكمة لأن العدل يشبه بالاستقامة والسواء. قال تعالى: فاتبعني أهدك صراطا سويا [مريم: ٤٣] . فلا جرم لا يسلم المتوكل عليه للظالمين.
¤ فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (٥٧)
(فقد ابلغتكم) تبرؤ من التبعة.
¤ ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (٥٨)
نجيناهم من عذاب الدنيا برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ في الآخرة، وهذان الإنجاءان يقابلان جمع العذابين لعاد في قوله: وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة [هود: ٦٠]
واستعمل الماضي في ونجيناهم في معنى المستقبل لتحقق الوعد بوقوعه.
¤ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (٥٩) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (٦٠)
وعدي جحدوا بالباء مع أنه متعد بنفسه لتأكيد التعدية، أو لتضمينه معنى كفروا فيكون بمنزلة ما لو قيل: جحدوا آيات ربهم وكفروا بها، كقوله: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [النمل: ١٤] .
وجمع الرسل في قوله: وعصوا رسله وإنما عصوا رسولا واحدا، وهو هود- عليه السلام- لأن المراد ذكر إجرامهم فناسب أن يناط الجرم بعصيان جنس الرسل لأن تكذيبهم هودا لم يكن خاصا بشخصه لأنهم قالوا له: وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك [هود: ٥٣] ، فكل رسول جاء بأمر ترك عبادة الأصنام فهم مكذبون به. ومثله قوله تعالى:
كذبت عاد المرسلين [الشعراء: ١٢٣] .
معنى اتباع الأمر: طاعة ما يأمرهم به الجبار العنيد، فالاتباع تمثيل للعمل بما يملى على المتبع،
لأن الآمر يشبه الهادي للسائر في الطريق، والممتثل يشبه المتبع للسائر.
وَمَنْ كَانَ خُلُقُهُ التَّجَبُّرُ، وَالْعُنُودُ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ وَلَا يَدْعُو إِلَّا إِلَى بَاطِلٍ، فَدَلَّ اتِّبَاعُهُمْ أَمْرَ الْجَبَابِرَةِ الْمُعَانِدِينَ عَلَى أَنَّهُمْ أَطَاعُوا دُعَاةَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَالظُّلْمِ.
وكُلِّ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، فَإِنْ أُرِيدَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ قَوْمِهِمْ فَالْعُمُومُ حَقِيقِيٌّ، وَإِنْ أُرِيدَ جِنْسُ الْجَبَابِرَةِ فَ كُلِّ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْكَثْرَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ فِي سُورَةِ الْحَجِّ [٢٧] .
وَإِتْبَاعُ اللَّعْنَةِ إِيَّاهُمْ مُسْتَعَارٌ لِإِصَابَتِهَا إِيَّاهُمْ إِصَابَةً عَاجِلَةً دُونَ تَأْخِيرٍ كَمَا يُتْبَعُ الْمَاشِي بِمَنْ يَلْحَقُهُ. وَمِمَّا يَزِيدُ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ حُسْنًا مَا فِيهَا من الْمُشَاركَة وَمن مُمَاثَلَةِ الْعِقَابِ لِلْجُرْمِ لِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا الْمَلْعُونِينَ فَأُتْبِعُوا بِاللَّعْنَةِ.
وَبُنِيَ فِعْلُ اتَّبَعُوا لِلْمَجْهُولِ إِذْ لَا غَرَضَ فِي بَيَانِ الْفَاعِلِ، وَلَمْ يُسْنَدِ الْفِعْلُ إِلَى اللَّعْنَةِ مَعَ اسْتِيفَائِهِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ إِتْبَاعَهَا لَهُمْ كَانَ بِأَمْرٍ فَاعِلٍ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهَا تَبِعَتْهُمْ عِقَابًا مِنَ اللَّهِ لَا مُجَرَّدَ مُصَادَفَةٍ.
وَاللَّعْنَةُ: الطَّرْدُ بِإِهَانَةٍ وَتَحْقِيرٍ.
وَقَرَنَ الدُّنْيَا بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِقَصْدِ تَهْوِينِ أَمْرِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَعْنَةِ الْآخِرَةِ، كَمَا فِي قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ:
مَتَّى يَأْتِ هَذَا الْمَوْتُ لَا يُلْفِ حَاجَةً ... لِنَفْسِيَ إِلَّا قَدْ قَضَيْتُ قَضَاءَهَا
أَوْمَأَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَرِثُ بِالْمَوْتِ وَلَا يَهَابُهُ.
وَجُمْلَةُ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِتَهْوِيلِ الْخَبَرِ وَمُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ إِنَّ لِإِفَادَةِ التَّعْلِيلِ بِجُمْلَةِ وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ لِيَعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ عَادًا.
وَعُدِّيَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ بِدُونِ حَرْفِ الْجَرِّ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى عَصَوْا فِي مُقَابَلَةِ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ تَقْدِيرُ مُضَافٍ، أَيْ نِعْمَةُ رَبِّهِمْ لِأَنَّ مَادَّةَ الْكُفْرِ لَا تَتَعَدَّى إِلَى الذَّاتِ وَإِنَّمَا تَتَعَدَّى إِلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ.
¤ وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)
ثَمُودُ: مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ الْقَبِيلَةِ.
وَجَعَلَ الْخَبَرَيْنِ عَنِ الضَّمِيرِ فِعْلَيْنِ دُونَ: هُوَ مُنْشِئُكُمْ وَمُسْتَعْمِرُكُمْ لِإِفَادَةِ الْقَصْرِ، أَيْ لَمْ يُنْشِئْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا هُوَ، وَلَمْ يَسْتَعْمِرْكُمْ فِيهَا غَيْرُهُ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ كَأَنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا أَنْ يَكُونَ جُرْمُهُمْ مِمَّا يُقْبَلُ الاسْتِغْفَار عَنهُ، فأجيبوا بأنّ اللَّهَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، وَبِذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ الْجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِتَعْلِيلٍ.
وَحَرْفُ إِنَّ فِيهَا لِلتَّأْكِيدِ تَنْزِيلًا لَهُمْ فِي تَعْظِيمِ جُرْمِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَشُكُّ فِي قَبُولِ اسْتِغْفَارِهِ.
وَالْقُرْبُ: هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلرَّأْفَةِ وَالْإِكْرَامِ، لِأَنَّ الْبُعْدَ يُسْتَعَارُ لِلْجَفَاءِ وَالْإِعْرَاضِ.
¤ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (٦٢)
أي مرجوا للخير، أي والآن وقع اليأس من خيرك. وهذا يفهم منه أنهم يعدون ما دعاهم إليه شرا، وإنما خاطبوه بمثل هذا لأنه بعث فيهم وهو شاب (كذا قال البغوي في تفسير سورة الأعراف) أي كنت مرجوا لخصال السيادة وحماية العشيرة ونصرة آلهتهم.
ومن محاسن النكت هنا إثبات نون (إن) مع نون ضمير الجمع لأن ذلك زيادة إظهار لحرف التوكيد والإظهار ضرب من التحقيق بخلاف ما في سورة إبراهيم [٩] من قول الأمم لرسلهم: وإنا لفي شك مما تدعوننا لأن الحكاية فيها عن أمم مختلفة في درجات التكذيب، ولأن ما في هاته الآية خطاب لواحد، فكان تدعونا بنون واحدة هي نون المتكلم ومعه غيره فلم يقع في الجملة أكثر من ثلاث نونات بخلاف ما في سورة إبراهيم لأن الحكاية هنالك عن جمع من الرسل في (تدعوننا) فلو جاء (إننا) لاجتمع أربع نونات.
ووصف الشك بأنه مريب تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِمْ: جدّ جدّه.
¤ وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (٦٧) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (٦٨)
عبر عن ثمود بالذين ظلموا للإيماء إلى علة ترتب الحكم، أي لظلمهم وهو ظلم الشرك.
ومعنى كأن لم يغنوا فيها كأن لم يقيموا.
وقرأ الجمهور «ألا إن ثمودا» - بالتنوين- على اعتبار ثمود اسم جد الأمة. وقرأه حمزة، وحفص عن عاصم، ويعقوب، بدون تنوين على اعتباره اسما للأمة أو القبيلة.
وهما طريقتان مشهورتان للعرب في أسماء القبائل المسماة بأسماء الأجداد الأعلين.
¤ ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (٦٩) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (٧٠) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (٧١) قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (٧٢) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (٧٣)
رفع المصدر أبلغ من نصبه، لأن الرفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدل على الدوام والثبات. ولذلك خالف بينهما للدلالة على أن إبراهيم- عليه السلام- رد السلام بعبارة أحسن من عبارة الرسل زيادة في الإكرام.
قال ابن عطية: حيا الخليل بأحسن مما حيي به، أي نظرا إلى الأدب الإلهي الذي علمه لنا في القرآن بقوله: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها [النساء: ٨٦]
والحنيذ: المشوي، وهو المحنوذ. والشي أسرع من الطبخ، فهو أعون على تعجيل إحضار الطعام للضيف.
ويقال: نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه.
وإنما نكرهم لأن عادة الناس في ذلك الزمان إذا كان النازل بالبيت يضمر شرا لمضيفه أن لا يأكل، كي لا يقع في كفر الإحسان
وقولهم: إنا أرسلنا إلى قوم لوط بيان لكونهم ملائكة ولسبب مجيئهم
والحكمة من ذلك كرامة إبراهيم- عليه السلام- وصدورهم بعد علم منه.
َ وتعجب سارة عليها السلام إما أن يكون من صدور هذا من عند الله وإما أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم- عليه السلام- وامرأته فكان قولهم رحمت الله وبركاته عليكم مفيدا تعليل انتفاء العجبين، أي أنتم أهل للرحمة والبركات

تعليقات
إرسال تعليق