💎💎💎💎💎
فوائد قرآنية ٦
___
قول الله تبارك وتعالى ﴿.... وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ...﴾ [الأنبياء: ٧٩]
¤ فيه البعد الذاتي في العبادة والطاعة، فإن تسبيحها معه ليس لغرض تحصيل الأجر والجزاء، وإنما لغرض إسعاده بما يحبه، أي أن تسبيح الله تبارك وتعالى صار محبوبا له محبة ملأت قلبه وصارت معاينته لتسبيح الخلائق سعادة ذاتية له.
فكما أن الجبال والطير لم تُسخَّر لتكليفٍ تعبّديٍّ مباشر، بل لتشارك داوود وجدَه الروحي، صار التسبيح هنا فعلاً وجدانيًا، يتجاوز الامتثال إلى السرور العلوي الذي امتلأ به قلب داود عليه السلام.
ومن الذاتية أن الله سبحانه وتعالى لما أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة لم يقولوا سنطيعك ربنا فيما تشاء واكتفوا بأن واجبهم الطاعة، بل كان لهم رد فعل ذاتي وأبدوا غيرتهم على مقام التسبيح ﴿... قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ...﴾ [البقرة: ٣٠]
___ ___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى
﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدينففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ٧٨-٧٩]
¤ فيه ضرورة التواضع للإبن وللأصغر فقد فهم سليمان عليه السلام ما لم يفهم والده عليه السلام ، وقد كان عمر رضي الله عنه يشاور الأحداث.
¤ وفيه أن عطية الله كافية مغنية إذ أوتي كلا منهما حكما وعلما ، فما لم تؤتاه لا يقلل قيمة ما أوتيته، وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام مثال.
¤ وفيه تقدير الحكم الأقل صوابا وما فيه من بواعث وغايات وتقديرات، فلا يعني الوصول للأصوب نسيان القيمة التي في الأقل صوابا.
قال الطاهر بن عاشور ((وقد كان قضاء داوود حقاً لأنه مستند إلى غرْم الأضرار على المتسببين في إهمال الغنم ، وأصل الغرْم أن يكون تعويضاً ناجزاً فكان ذلك القضاء حقاً . وحسبك أنه موافق لما جاءت به السنة في إفساد المواشي .
وكان حكم سليمان حقاً لأنه مستند إلى إعطاء الحق لذويه مع إرفاق المحقوقين باستيفاء مالهم إلى حين فهو يشبه الصلح . ولعل أصحاب الغنم لم يكن لهم سواها كما هو الغالب ، وقَد رضي الخصمان بحكم سليمان لأن الخصمين كانا من أهل الإنصاف لا من أهل الاعتساف ، ولو لم يرضيا لكان المصير إلى حكم داوود إذ ليس الإرفاق بواجب .
ونظير ذلك قضاء عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة بأن يمر الماء من ( العُرَيض ) على أرضه إلى أرض الضحاك بن خليفة وقال لمحمد بن مسلمة : لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع؟ فقال محمد : لا والله ، فقال عمر : والله ليَمرنّ به ولو على بَطنك ، ففعل الضحاك .
وذلك أن عمر علم أنهما من أهل الفضل وأنهما يرضيان لما عزم عليهما ، فكان قضاء سليمان أرجح .
وتشبه هذه القضية قضاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزبير والأنصاري في السقي من ماء شراج الحَرّة إذ قضى أول مرة بأن يُمسك الزبيرُ الماء حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الماء إلى جاره ، فلما لم يرض الأنصاري قضى رسول الله بأن يمسك الزبير الماء حتى يبلغ الجَدر ثم يُرسل ، فاستوفى للزبير حقه .
وإنما ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالأرفق ثم لما لم يرض أحد الخصمين قضى بينهما بالفصل ، فكان قضاء النبي مبتدأ بأفضل الوجهين على نحو قضاء سليمان .
فمعنى قوله تعالى : { ففهمناها سليمان } أنه ألهمهُ وجهاً آخر في القضاء هو أرجح لما تقتضيه صيغة التفهيم من شدة حصول الفعل أكثر من صيغة الإفهام ، فدل على أن فهم سليمان في القضية كان أعمق . وذلك أنه أرفقُ بهما فكانت المسألة مما يتجاذبه دليلان فيصار إلى الترجيح ، والمرجحات لا تنحصر ، وقد لا تبدو للمجتهد ، والله تعالى أراد أن يظهر علم سليمان عند أبيه ليزداد سروره به ، وليتعزى على مَن فقده من أبنائه قبل ميلاد سليمان . وحسبك أنّه الموافق لقضاء النبي في قضية الزبير ، وللاجتهادات مجال في تعارض الأدلة .
وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد ، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد أو لم يهتد إلى المُعارض لقوله تعالى : { وكلاً آتينا حكماً وعلماً } في معرض الثناء عليهما )) ثم قال ((وجملة { وكلاً آتينا حكماً وعلماً } تذييل للاحتراس لدفع توهم أن حكم داوود كان خطأ أو جوراً وإنما كان حكم سليمان أصوب ))
¤ وفيه اقتران قيمة العبادة والتسبيح بقيمة العلم، فينتقض الجدلية المعتادة في الموازنة بينهما
¤ وفيه أن العلوم التقنية النافعة للناس مقام يحترم وفضيلة تقدر إذا قصد بها الخير ووجه الله تبارك وتعالى ، ولعل أعلاها وأولاها حسب هذه الآيات ما قلل به الموت والقتل والمرض وساهم في إطالة أعمار الناس، وقد تقدم هذا قبل ذكر رفاهية الانتقال في تسخير الريح لسليمان عليه السلام ورفاهية الأبنية وكشف الكنوز في تسخير الجن
¤ وفيه تخفيف الضرر إذا لم تتمكن من إنهاء أصله، فالدروع تخفيف لضرر الحرب إذا لم يتمكن من منعها، فكذلك كل شر لا تستطيع إيقافه فخفف وقلل منه ما استطعت ، ومن الجهل تقليل قيمة من يخفف الضرر ولا يستأصله ومطالبته بما يعجز عنه وتشويه صورته.
والله أعلم بالصواب
___ __ __ ___ __ __ ___
أقول للمقهورين العاجزين:
هل رأيتم قط في المقهورات السيارات في فلك السماء، إلا حسن الزينة والغايات والنتائج، هل رأيتم غير ذلك في مقهورات الأرض من الأنهار والبحار والرياح، فطوبى لكم إن صبرتم ورضيتم.
﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليموالقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديملا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحونوآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ [يس: ٣٨-٤١]
فاقترن ذكر تسيير المقهورات السماوية بذكر تسيير المقهورين من الناس
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى:
﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراوقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا﴾ [الفرقان: ٢٠-٢١]
¤ أتصبرون) تحفيزية وأيضا تحذيرية إذ تضمنت أتصبرون أم الأخرى من الجزع والخضوع للفتنة، والاستفهام يتضمن أنه المسؤول لديه الجدارة على الصبر.
¤ والآيات تدل أن أول الفتن هي الفتنة بمن يسترذله المرء أو يحتقره أو يستصغره ويقلل من قدره إذا رفعه الله عليه وأعطاه العطاء العظيم، فإن الكفار لم يعجبهم أن يكون الرسول بشريا يأكل الطعام مثلهم ويمشي في الأسواق يطلب الرزق، ويتميز عنهم فطلبوا الملائكة، ونظيره نفسيا في بعض البلاد خضوعهم للغريب ورفضهم لابن بلدهم حتى لو كان متفوقا، وفي المثل: شاعر القوم لا يطربهم.
ثم إن الآية عامة لجعل الناس بعضهم لبعض فتنة لا يخصصها السياق فتنة الضعيف للقوي والقوي للضعيف وفتنة الأحباب والأعداء والأبناء والآباء وغير ذلك.
ثم إن هذا المعنى الذي نوه به السياق وقدَّمه يظهر أمرا مفرحا في كلمة (أتصبرون) وهو أن كفاح الإنسان لنقائصه الشعورية كالشح والحسد ، والألم من تميز الناس وصبره على ذلك مرعي ومطلوب ومقدر، فهذا يخفف ويدعم.
¤ جملة (وكان ربك بصيرا) تحتمل أن يكون المعنى:
• أن الله سبحانه وتعالى بصير بمن يصبر ومن لا يصبر.
وأن من يصبر لن يضيع عمله
نحو قول الله تبارك وتعالى: (﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير﴾ [البقرة: ١١٠]
• أو بصير بالصراع بين الناس حال الفتنة، ونظيره في سياق رفض بشرية الرسول وطلب الملائكة ما جاء في سورة الإسراء:
﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولاقل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولاقل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا﴾ [الإسراء: ٩٤-٩٦]
• وتحتمل أن يكون المعنى أن الله بصير بما ينقي العباد ويرقيهم ويرفعهم لدرجة العبودية الصحيحة فيأمرهم بالصبر ويبتليهم به نعمة منه عليهم، نحو قول الله تبارك وتعالى:
﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا﴾ [الإسراء: ٣٠]
ويؤيده ذكر الربوبية وتماثل الحروف بين الصبر والبصر وأن الصبر ضياء كما جاء في الحديث.
قال صاحب الظلال(«ﻭﻛﺎﻥ ﺭﺑﻚ ﺑﺼﻴﺮا» . ﺑﺼﻴﺮا ﺑﺎﻟﻄﺒﺎﺋﻊ ﻭاﻟﻘﻠﻮﺏ، ﻭاﻟﻤﺼﺎﺋﺮ ﻭاﻟﻐﺎﻳﺎﺕ. ﻭﻟﻬﺬﻩ اﻹﺿﺎﻓﺔ ﻫﻨﺎ «ﻭﻛﺎﻥ ﺭﺑﻚ» ﺇﻳﺤﺎﺅﻫﺎ ﻭﻇﻠﻬﺎ ﻭﻧﺴﻤﺘﻬﺎ اﻟﺮﺧﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺐ اﻟﺮﺳﻮﻝ- ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ- ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻡ اﻟﺘﺄﺳﻴﺔ ﻭاﻟﺘﺴﻠﻴﺔ ﻭاﻹﻳﻮاء ﻭاﻟﺘﻘﺮﻳﺐ.. ﻭاﻟﻠﻪ ﺑﺼﻴﺮ ﺑﻤﺪاﺧﻞ اﻟﻘﻠﻮﺏ)
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيميوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديدومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريدكتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير﴾ [الحج: ١-٤]
تناقش الآيات هنا مرجعية عقلية ومرجعية قلبية يتخذهما المجادلون منطلقا لرفض الإيمان بالله واليوم الآخر.
فالعقلية التي تتخذ ثبات النظام الكوني مرجعا تُنَبَّه إلى أن الكون في بنيته يحمل دلالات انتهائه
﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ [الأعراف: ١٨٥]
حيث الدورات والفناءات والإهلاكات
﴿والفجروليال عشروالشفع والوتروالليل إذا يسرهل في ذلك قسم لذي حجرألم تر كيف فعل ربك بعاد﴾ [الفجر: ١-٦]
وتصرح سورة القمر بذلك
﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١]
لقد انقسم وانفك ما تتمثلون باتساقه ، ليس أزليا وليس أبديا
في سورة الحج لا يقتصر فقط على منطقية الهلاك بل روعته وتحريك القلوب بعظمته
وفي سورتي القارعة والزلزلة ضرب لمحورية الثقل الفيزيائي حين تأتي الساعة ، واستبدالهما بثقل ومثقال آخر
¤ ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالهاوأخرجت الأرض أثقالهاوقال الإنسان ما لهايومئذ تحدث أخبارهابأن ربك أوحى لهايومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهمفمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرهومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: ١-٨]
فيها فقدان ثقل الجبال وفقدان أهمية
أثقال الأرض وإبقاء ثقل العمل ( مثقال).
¤ ﴿القارعةما القارعةوما أدراك ما القارعةيوم يكون الناس كالفراش المبثوثوتكون الجبال كالعهن المنفوشفأما من ثقلت موازينهفهو في عيشة راضيةوأما من خفت موازينهفأمه هاويةوما أدراك ما هيهنار حامية﴾ [القارعة: ١-١١]
فيها فقدان ثقل الجبال وإبقاء ثقل العمل.
ثم تنتقل سورة الحج بعد هدم الترابط الفيزيائي إلى هدم الترابط الوجداني والبيولوجي
حيث تضع كل ذات حمل حملها وتذهل كل مرضعة عن رضيعها لو رأيا ذلك اليوم
إن قلوب الظالمين يومها ستكون هواء
وكما جاء ذكر وزن العمل كبديل عن ثقل الجبال وأثقال باطن الأرض
جاء ثقل العمل بديلا عن ترابط النسب بالباطل
﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلونفمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحونومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾ [المؤمنون: ١٠١-١٠٣]
ثم تحدثت السورة عن سقوط العقل ذاته .. العقل الذي يجادلون به .. (سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)
ثم ذكر الجدال بغير علم والوقوع في نظريات تهدي للسعير
والسعير مرتبط بالأكاذيب كما في التفريق بين جهنم والسعير في أول سورة الملك فجهنم للكافرين والسعير للشياطين التي تسترق السمع وتكذب على المنجمين
وفي سورة الفرقان (وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) لأن من كذب بالساعة سيخترع تصورا آخر لنشأة الوجود وغايته
___
موضع سورة الجاثية:
تثبيت نظام عدم المساواة بين المختلفين باعتباره عدل وحق
ثم التذكير بنظام المعادلات والحساب في الخلق
ثم ذكر اتباع الهوى والضلال وعدم العلمية ووضع نظريات على غير أساس .. مطابق لما في سورة الحج لكن لم يذكر فيها هلاك الكون
﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمونوخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمونأفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرونوقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون﴾ [الجاثية: ٢١-٢٤]
و"أضله الله على علم" تدل على أن الضلال هنا ليس جهلاً بل انحرافٌ في منهج العلم،
أي توظيفُ العلم في تأييد الهوى، لا في الوصول إلى الحق.
ثم يتحدث السياق عن الختم والغشاوة، أي انغلاق الحواسّ على دائرة الوجود دون رؤية العلة العليا.
فهو علمٌ مغلق داخل النظام، لا علمٌ مفتوح على الغيب.
___
سورة القمر:
تصريح بعدم ثبات ومرجعية نظام الكون وتصريح بأن ذلك دليل على الساعة
وتوصيف باطل للآيات بأنها سحر
اتباعهم للأهواء العلمية وأن ذلك لن يغير من استقرار النظام والحق
إن وقوفهم على رؤوسهم لن يجعل العالم مقلوبا
ثم تذكير بنهايات المكذبين الذين كانوا أقوى منهم في الأنباء وقد استمرت السورة في ذكر نماذج الأمم المهلكة
﴿اقتربت الساعة وانشق القمروإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمروكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقرولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجرحكمة بالغة فما تغن النذر﴾ [القمر: ١-٥]
وفي نهاية السورة ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر﴾ [القمر: ٤٧]
وختمت السورة بأن المتقين في مقعد صدق
والمقعد استقرار والصدق مضاد لأكاذيب أصحاب السعير
___
من البديع في سورة الحج أن ذكر الزلزلة لما تقدم جاء ذكر اهتزاز الأرض للإنبات دليلا على قيام الساعة وتنويها بتملك الله تبارك وتعالى لأنواع الاهتزازات
ثم عكس النظم بعد ذلك في نفس السورة فجاء الإنبات قبل ذكر منع تدهور السماء ووقوعها على الأرض ثم تنويه بامتلاك الله سبحانه وتعالى للإسقاط أن الله يسقط الماء و يمنع سقوط السماء
﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبيرله ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميدألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيموهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور﴾ [الحج: ٦٣-٦٦]
___ __ __ ___ __ __ ___
في بدايات سورة الأنبياء:
﴿لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ [الأنبياء: ٣]
وفي أواخرها:
﴿واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين﴾ [الأنبياء: ٩٧]
المفارقة بين الإبصارين واضحة، فلا يغرنك دعوى الإبصار والإدراك عند أهل الضلال في الدنيا، بل ولا ما هم عليه من قدرات الإدراك الحقيقية خاصة قدرات الخديعة والمكر ، فإن البصير الحق من يحسب حساب الآخرة
وفي الفارق بين القدرتين، قدرة المستنير بالوحي وقدرة الماكر نقرأ قول الله تبارك وتعالى:
﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملونوكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرونوإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ [الأنعام: ١٢٢-١٢٤]
___ __ __ ___ __ __
قال الله تبارك وتعالى:
﴿إن المتقين في جنات وعيونادخلوها بسلام آمنينونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلينلا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجيننبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيموأن عذابي هو العذاب الأليمونبئهم عن ضيف إبراهيم﴾ [الحجر: ٤٥-٥١]
يدخلونها بسلام آمنين وينزع ما في صدورهم من غل لتكون صدورهم في سلام وهم على سرر آمنين
سالمين لا يمسهم فيها نصب آمنين من التحول عنها والخروج منها
نالوها بمغفرة الله ورحمته ثم ذكرت الآيات قصة واحدة فيها رحمة الله بإبراهيم وسارة حيث بشرا بإسحاق (قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا القوم الضالون)
وفيها عذاب قوم لوط ، و إبراهيم امتدت ذريته، وقوم لوط انقطعت ذريتهم
___ __ __ ___ __ __ ___
قال الله تبارك وتعالى:
﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم﴾ [يوسف: ٦]
هذه الآية أصل لعلم معدوم فيما أعلم متعلق بالرؤى، وهو معرفة واقع الرائي ومقامه من خلال الرؤيا وهذا غير تفسيرها، فإن تفسير رؤيا يوسف عليه السلام أنه سيخضع له إخوته، لكن يعقوب عليه السلام استنبط منها أن الله سبحانه وتعالى سيعلمه من تأويل الأحاديث، ويرزقه النبوة.
___ __ __ ___ __ __ ___
لا تستكثر على إنسان شيئا، فإن مفارقة وروعة إيجاده من طين تمنع استكثار شيء عليه في الدنيا أو الآخرة
﴿أولئك هم الوارثونالذين يرثون الفردوس هم فيها خالدونولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ [المؤمنون: ١٠-١٢]
فالمسافة بين الطين والبشر السوي أطول كثيرا مما تستكثره
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله سبحانه وتعالى
﴿اقرأ باسم ربك الذي خلقخلق الإنسان من علقاقرأ وربك الأكرمالذي علم بالقلمعلم الإنسان ما لم يعلمكلا إن الإنسان ليطغىأن رآه استغنىإن إلى ربك الرجعى﴾ [العلق: ١-٨]
¤ فيه تنويه بعلو ونزاهة نفس النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان أول ما دلل به على عظيم كرم الله تبارك وتعالى الكتابة بالقلم، وهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب، فمعنى ذلك قابليته لإنعام الله على الخلائق نعما لم ينلها وعدم تأثره تأثرا سلبيا بذلك، ومنه تركه ربط الجني لما تذكر دعوة سيدنا سليمان عليه السلام.
¤ وفيه عدم التعلق بالوسائل في طلب العلم فإنه لما قال ما أنا بقارئ، قيل له الذي علم بالقلم سيعلمك بغيره، فلا تتعلق بشيخ ولا كتاب ولا مكتبة ولا هاتف ولا لاب أو كومبيوتر، وهذه من الأمور التي قد يغفل عنها طلبة العلم ، إذ شدة الشغف مع عدم المعرة التي قد توجد في طلب المال قد تجعله يندفع ويتحسر، لكن ينبغي إذ حصل سببا من هذه الأسباب أن يشكر الله ويشكر الناس.
¤ وفيه أن عدم وجود الميزة عند أصحاب المقامات العالية لا ينقص من علو تقديرها، فإن الله وصف نفسه بأنه الأكرم مدللا على ذلك بهبة الكتابة بالقلم وهي ليست من الهبات التي وهبها لنبيه صلى الله عليه وسلم
¤ وفيه أن الله يهب طالب العلم أكثر مما توقع وهو في بدء الطلب، وهذا مستفاد من صيغة "أفعل" في قوله تبارك وتعالى (وربك الأكرم) لأنها تسلتزم مقارنة أي أكرم من كذا
¤ وفيه ارتباط الخلقة بالتعليم كما في سورة الرحمن (خلق الإنسان. علمه البيان)
¤ وفيه أن الهبات والمهارات تنبغي أن تكون سببا لمنع الطغيان، فإن نعمة القراءة والكتابة نعمة عظيمة إذا لم يذلل الله بكرمه ذهن الإنسان لها لن تسلس له، والغفلة عن تيسير تلك المرونة للعبد في التعاطي مع العلوم غفلة كبيرة، وقد جعل الله للإنسان في الناس عبر
أولاها: من هو أكثر منه ذكاء ولم يتعلم او كان اقل منه في بعض العلوم
ثانيها: من هو أقل منه ذكاء وتعلم أو تفوق عليه في بعض العلوم
ثالثها: توزيع المهارات والإدراكات فما يحسنه شخص لا يحسنه آخر، وهذا أشد ظهورا وتدليلا إذا لوحظ في المجال الواحد
___ __ __ ___ __ __ ___
ممارسة الشكر تساعد في تحصيل الحكمة، فقد قال الله تبارك وتعالى(ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) ومعنى الآية أن الشكر ناتج عن الحكمة، لكن ممارسة النتيجة تساعد في تحصيل السبب، كالتباكي عند عدم البكاء والتزام السكون والخضوع جسديا في الصلاة، ثم إن مبنى الصلاة على هذا، فإن الركوع والسجود سلوك جسدي يجسد الخضوع وهو بلا شك ينتج تواضعا.
وممارسة الكفران كذلك يساهم في إنتاج ضعف العقل ، ومن بديع ما يلاحظ أن اجتمع في وصف المذمومات من النساء ناقصات عقل ويكفرن العشير ، فطابق ذلك (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله)
#الحكمةوالشكر
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلونولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [يوسف: ٦٧-٦٨]
¤ جملة (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) متحققة مشاهدة، فإنه عليه السلام نهاهم عن الدخول من باب واحد و أمرهم بالدخول من أبواب متفرقة سترا لنعمة كثرة عددهم وحسن بهائهم خشية من الحسد وغوائل النفوس، وأيضا لعدم لفت الأنظار وإثارة فضول المنقبين وأهل الأذى والضرر.
وأنت ترى الناس يفتخرون ويزدهون بجمال الأبناء وكثرتهم وقوتهم وكذلك بسائر النعم، وقد يفعلون ذلك بلا داع، فتصيبهم العين، ويستثيرون أهل الحقد أو أهل الظلم والبغي و يصل إليهم الضرر بقصد أو غير قصد، وقد كان من دعاء جداتنا أن يرزق الحفيد برزق مستور.
_______________
قال الله تبارك وتعالى:
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباوآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا﴾ [النساء: ١-٢]
¤ إيجاب التقوى معلل بالخلق من نفس واحدة وهو دليل القدرة ودليل ضآلة كل منا وعدم تفرده المطلق وتميزه التام، والمعنى الثاني يؤيده ذكر اليتامي ثم من بعد في السورة ذكر عدم البغي على الزوجة المطيعة لأن الله علي كبير.
قال الفخر الرازي: (الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّاسَ إِذَا عَرَفُوا كَوْنَ الْكُلِّ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ تَرَكُوا الْمُفَاخَرَةَ وَالتَّكَبُّرَ وَأَظْهَرُوا التَّوَاضُعَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ)
¤ ومعلل بأننا سنحتاج حتما أن يتقي الناس الله، (واتقوا الله الذي تساءلون به) وإلا فسد الحال فيجب نشر تقوى الله وذكره لمن يريد صلاح المجتمع، كما سنحتاج لشيوع صلة الرحم، فإن رحمة ذوي الأرحام ومعونتهم وصبرهم لا يوجد بديل لها في غالب الأحوال بما وضع الله من خاصية في النفوس تقتضي ذلك،
__ ___ __ __ ___ __

تعليقات
إرسال تعليق