💎💎💎💎💎
بسم الله الرحمن الرحيم
__
لقد تجمع أكبر أسطول من الهليكوبتر في التاريخ – ثمان وسبعون طائرة هليكوبتر مسلحة بالـصواريخ والرشاشات، وألف من مشاة الاقتحام – فوق قطاع بن كات الذي يسيطر عليه الشيوعيون. وكان يدعم هذا الاسطول أربعة آلاف من القوات الخاصة (رانجرز) والمجموعات المضادة لحرب العصابات. وكان على
هذه القوات أن تحاصر قوة أكبر قوة من الثوار الفيتناميين، تضم ١٥٠٠ – ٢٠٠٠ رجل، كانوا قد هزموا قبل أسبوعين أربع كتائب حكومية في كمين تام الإحكام.
(وكان سر هذه العملية أقل الأسرار كتماناً خلال هذه الحرب. ففي سايغون، أنذر ضباط الاسـتخبارات المصورين من قبل عدة أيام، والنتيجة: أنه عندما وصلت القوات إلى القطاع كان معظم الثوار قد غادروه ).
انتشرت سريتان من الكوماندوس الفيتناميين الجنوبيين في حقل من الأعشاب الطويلة على بعد أربعـين كيلومتراً شمالي سايغون. وكان مهمة هاتين السريتين، تخليص مركز هاجمه رجال العصابات الـشيوعيون.
وتقدم الجنود بحذر وتوقفوا لاستراحة قصيرة في غاية من أشجار المطاط، ثم اندفعوا إلى حقل مكـشوف، وتوجهوا نحو مجموعة من الأكواخ على بعد أربعمائة متر.
( وفجأة انطلقت أصوات أسلحة آلية، فسقط رجال وتفرق آخرون. وانبطح الملازم وليام ريختر، المستشار العسكري الأمريكي، وعندما رفع رأسه رأى الثوار الفيتناميين النظاميين بثيابهم الخضراء يتقدمون لإكمـال
المجزرة. فوقف على قدميه محاولاً إيجاد ملجأ، فتلقاه ثوار آخرون تحت نيرانهم المتقاطعة، فأصيب في فخـذه وسقط، لكنه استطاع متابعة الزحف حتى الدغل. ولقد ساعده الناجون لمدة ستة ساعات، وأخذ يجر نفسه
حتى وصل إلى قاعدته في بنه مي ولقد حالفه الحظ إذ مات خمسون من رجال الكوماندوس الحكوميين.
( وفي المعسكر قال الملازم: لقد تركونا ندخل إلى المصيدة، وأغلقوا بابها وراءنا، ثم قاموا بمجزرتهم، وقـد تركناهم يفعلون ذلك بدون حذر ).
( وقد عقب على ذلك أحد الضباط العظام الأمريكيين بقوله: " إنها القصة ذاتها دوماً ". وذلك حقاً ما يدور في فيتنام يومياً، مع تغيرات في التفاصيل والشدة. مراكز عسكرية تقتحم، وموظفون يتعرضون للاغتيـال.
وقرى تحرق. هناك حقيقة حزينة لا بد من ملاحظتها: إن الشيوعين أدنى مرتبة في التسليح والفعالية، لكنهم يهزمون الجيش الفيتنامي الجنوبي المؤلف من أربعمائة ألف رجل، والذي يدعمه ويقوده سبعة عشر ألفاً من المستشارين الأمريكيين، والذي يتلقى عوناً يومياً من الولايات المتحدة الأمريكية يصل إلى مليوني دولار.
_______________________
رجل العصابات يمتلك المبادرة فهو الذي يبدأ الحرب، ويقرر أين ومتى يضرب. وعلـى عـدوه العسكري أن ينتظر مستعداً لمواجهته في كل مكان.
ويجد جيش الحكومة نفسه، قبل وبعد بداية الحرب، في موقف الدفاع بسبب دوره كشرطي مكلف بحراسة الممتلكات العامة والخاصة.
ولدى الجندي أشياء كثيرة للدفاع عنها: كالمدن، والتجمعات السكانية، والأراضي الزراعية، والمواصلات، والتجارة، والقاعدة الصناعية، بالإضافة إلى العسكرية البحتة: كالمواقع، والمخافر الأمامية، وخطوط التموين، والقوافل، والمطارات، والقوات نفسها مع أسلحتها الثمينة، التي تشكل واحداً من أوائل أهـداف رجـال
العصابات حتى يتسلحوا بها. وأخيراً فإن عليه أن يحمي ويساند جهازاً سياسياً خاضعاً لتوتر خطير منـذ قيـام الانتفاضة المكشوفة.
ففي كل هذه المجالات، يكون للنظام المعني وذراعه العسكري نقاط ضعف حساسة جداً بالنسبة إلى عـدو
يمكن أن ينزلق كالريح.
وإذا كان الجيش يعاني من موارده، وخاصة من المعدات العالية التكاليف التي لن يستعملها ( المعدات الذرية مثلاً )، فإن رجل العصابات يتمتع بكل الحرية التي يكتسبها من الفقر. فهو لا يمتلك إلا بندقيته وقميـصه، وليس له إلا حياته ليدافع عنها. فهو لا يحتل أية أرض، وليس لديه أي جهاز عسكري يتطلب صيانة صعبة،
ولا يمتلك دبابات تتعرض للمخاطر في المعركة، ولا مواقع يمكن أن تحاصر، ولا وسائل مواصلات معرضة للتدمير من قبل الهجمات الجوية، أو طائرات يمكن أن تسقط، أو فرقٍ يمكن أن نقصف، أو أية أرتال آلية تحمى من الأفخاخ، ولا قواعد أو مستودعات لا يتسع له الوقت لتركها على الفور.
إنه يمكن أن يجيز لنفسه بأن يهرب عندما لا تتوافر لديه في القتال فرص جيدة لإحراز النصر، وأن يتفـرق ويختبئ عندما يصبح التجول من عدم الحذر. وفي أقصى الحالات، يمكن له أن يندمج مع الشعب المـسالم –
ذلك البحر ( حتى نستعمل استعارة ماوتسي تونغ المشهورة ) – الذي لا ينبغي على رجل العـصابات أن يسبح فيه كالسمكة
ويجب أن نبين منذ الآن، بأن الشعب يشكل مفتاح الصراع كله. وبالواقع، ومهما بدت الفكـرة مغيظـة للمحللين الغربيين، فإن الشعب هو الذي يقود الصراع. فرجل العصابات ينتمي إلى الشعب، بنفس المقدار الذي لا يستطيع فيه جندي الحكومة أن ينتسب إليه ( لو لم يكن النظام قد فقد محبة الشعب لما انـدلعت
الثورة ). إن رجل العصابات يقاتل بمعونة الجماهير الشعبية المدنية، التي تشكل تمويهه، ومنـابع امـداده،
ومصدر تطوعه، وشبكة اتصالاته، ومصلحة استخباراته، الموجودة في كل مكان والشديدة الفعالية.
فبدون رضاء الشعب ومساعدته الفعالة، يتحول رجل العصابات إلى قاطع طريق، ولا يبقى طويلاً على قيد الحياة. ولو استطاع الجندي المضاد للعصيان أن يحصل على المساعدة نفسها، لما وجد رجل العصابات أصلاً،
لما كانت هناك حرب أو ثورة، ولنامت القضية، وانطفأت الرغبة الشعبية في التغيير الجذري.
وهكذا نصل إلى المسألة الجوهرية الخاصة بالأهداف التي يبني المعسكران عليهـا بالـضرورة، تكتيكيهمـا واستراتيجيتيهما.
فرجل العصابات، هو قبل كل شيء داعية، ومحرض، وباذر للأفكار الثورية ، وهو يستخدم الصراع نفسه – القتال المادي – كأداة للتحريض، وهدفه الأساسي رفع مستوى الاستباق الثوري، ثم المشاركة الشعبية حتى النقطة الحرجة، حيث تصبح الثورة عامة في البلاد، وتكمل الجماهير الشعبية العمل النهائي، أي القضاء
على النظام القائم، والقضاء ( غالباً وليس دائماً ) على الجيش الذي يحميه.
وبالمقابل فإن هدف القوات المضادة للثورة سلبي ودفاعي، ويتضمن تأمين استتباب النظام، وحماية الملكية، وصيانة الأوضاع والمصالح الموجودة بقوة السلاح، بعد أن خابت وسيلة الإقناع. وقد تكـون الوسـائل المستخدمة سياسية عندما تتضمن اقناعاً أشد: كالوعود بالاصلاحات الاجتماعية، والاقتـصادية، وشـراء
الضمائر، والدعاية المضادة بمختلف الأشكال. لكن قبل كل شيء، يجب على القوات المضادة للثـورة أن تدمر الثورة عن طريق تدمير وعودها، أي البرهنة عسكرياً بأنها لا يمكن أن تنجح ولن تنجح.
ولهذا لا بد من القهر الكلي للطليعة الثورية، وإبادتها مجزأة حيثما وجدت. والخيار البديل هو إهمال الجهـد
العسكري في سبيل الحل السياسي – مثلاً تقسيم فيتنام بعد ديان بيان فو، أو الحل الجزائـري... إلخ – أو
بقول آخر: حل وسط أو الاستسلام الكامل.
___ __ __ ___ __ __ ___
وإذا حكمنا بحسب التجارب الحديثة، فإن نصراً عسكرياً على حرب عصابات حقيقية يبقى مشكوكاً فيه، إلا إذا لجأنا إلى طرقٍ متقاربة من الإبادة الجماعية، كما فعل الألمان في بعض المناطق خلال الحرب العالميـة الثانية.
__ ___ __ __ ___ __ __
إن مجرد البقاء على قيد الحياة بالنسبة إلى رجل العصابات هو نصر سياسي فذلك يشجع المعارضة الشعبية للنظام المعني وينميها. ويستطيع رجل العصابات أن يتنكر بزي فلاح – وقد يكون فلاحاً بالفعل – متابعاً نشر رسالته الثورية. أما الجندي المضاد للثورة، فإنه يغدو في الحالة المماثلة دليلاً للشرطة، ولا يستطيع نشر
أية رسالة. ويستطيع رجل العصابات أن يضرب ويسرع في الانسحاب، وتكسبه كل إغارة ناجحة أسلحة وذخائر وتؤمن له بعض الدعاية. ولا يحصل الجندي المضاد للعصابات على أي شيء من مثل هذا التكتيك
– حتى إذا استطاع استعماله – فحملته العسكرية يجب أن تكون مستمرة ذات تأثيرات متجمعة. فإما أن ينظف البلد من رجال العصابات، وإما أن يفشل في تحقيق ذلك. وفي هذه الحالة الأخيرة فإنه يـستمر في الخسارة.
__ ___ __ __ ___ __ __
وعلى سبيل التشابه يمكن القول أن العصابات تشن حرب البرغوث، ويعاني عدوها العسكري من السلبيات التي يعانيها الكلب: مساحة كبيرة للدفاع عنها، عدو شديد الصغر ومنتشر في كل مكان وسريع الحركـة بحيث يصعب القبض عليه. فإذا دامت الحرب ما يكفي من الزمن – كما تقول النظرية – فإن الكلب لا بد أن يسقط في ساحة المعركة بسبب الإجهاد وفقر الدم، دون أن يجد ما يعضه بأنيابه أو أن يحكه بقوائمه.
ومن الناحية العملية، فإن الكلب لا يموت بسبب فقر الدم، بل لأنه يضعف باستمرار – بسبب انتشاره إذا استعملنا المصطلحات العسكرية، وبسبب عدم شعبيته إذا استعملنا المصطلحات السياسية، وبسبب زيـادة الكلفة إذا استعملنا المصطلحات الاقتصادية – وفي النهاية، فإنه لا يعود قادراً على الدفاع عن نفـسه. وفي
هذه الفترة، يكون البرغوث قد تكاثر وتحول إلى وباء، بفضل مجموعة طويلة من انتصارات صغيرة، استطاع
في كل واحد منها أن يمتص قطرة من الدم، على شكل أسلحة مسلوبة يسلح بها أنصاره الجدد، وعنـدها يركز قواه كي يحضر إلى الانقضاض الحاسم.
ويعمل الزمن لصالح الثوار سواء في الريف – حيث ينفق العدو يومياً ثروة ليطاردهم – أو على الـساحة السياسية والعسكرية
___ __ __ ___ __ __ ___
الحكومة بسبب حاجتها للقروض والاستثمارات والأسواق الأجنبية وإنشاء علاقات تجاريـة مرضية إلى... فإنها مضطرة لأن تكون جزءاً من مجموعة ذات مصالح متبادلة، وغالباً ما تكون عضواً في اتحاد
عسكري. وبالتالي فإنها مضطرة لأن تحفظ بعض مظاهر الاستقرار لتطمئن شركاءها بأنها ستحترم اتفاقياتها وعقودها، وستتابع دفع فوائد قروضها وتسديد ديونها وجعل التوظيفات آمنة ومثمرة.
إلا أن حرباً أهلية طويلة تسيء إلى ذلك كله، فليس هناك من يرضى أن يوظف مالاً بلا فائدة أو أمان، ولا يمكن لمصرف أن يقرض دون ضمانات، ولا يوجد حليف يرغب في الارتباط مع حكومة يمكن أن تـزول بعنف.
لذا فإن حرب العصابات وتنظيمها السري في المدن، يجب أن يهدفا إلى تدمير صورة الحكومة المـستقرة،
ليحرما هذه الحكومة من أرصدتها ومواردها، وأن يخلقا انشقاقات في الطبقات المالكة الخائفة، وبين الموظفين ( الذين يخافون على رواتبهم )، وبين جنودها.
ويشكل انفجار الانتفاضة الخطوة الأولى ضربة دامية، تحمل في طياتها إصابة بالغة لهيبة النظام – وإن دوام حرب العصابات لمدة من الزمن، يبرهن عن عجز الجيش، ويكمل بالتالي سـياق الحـوادث.
وعندما يزداد الدعم – وذلك يحدث تلقائياً عندما ينكشف ضعف الحكومة – تنشأ القلاقل السياسية على شكل تظاهرات وعرائض واضطرابات، تتلوها أحداث أكثر خطورة: كأعمال التخريب والإرهاب وانتقال الانتفاضة بالعدوى.
وفي ظروف كهذه، لا بد من حكومة فذَّة حتى لا تلجأ إلى التدابير القمعية، كمنع التجول، وتعطيـل الحريات المدنية، ومنع الاجتماعات الشعبية، وغيرها من التدابير غير الشرعية، التي لا تـؤدي إلا إلى زيادة حدة المعارضة، وتفتح حلقة مفزعة يتدمر فيها الاقتصاد، ويتمزق التركيب الاجتماعي، وينتـهي النظام إلى الاهتزاز.
والمسألة في النهاية معرفة ما إذا كانت الحكومة تسقط قبل تدمير قواها العـسكرية، أو أن تـدمير قواها العسكرية يؤدي إلى تنازل النظام السياسي. والحقيقة أن السياقين متكاملان، فالتفسخ الاجتماعي والسياسي يؤدي إلى نزيف القوى العسكرية، كما أن المتابعة غير المجدية للحملة تزيد من هذا التفسخ، فينشأ عـن
ذلك ما أسميه ( مناخ الانهيار ).
ذلك هو الهدف الاستراتيجي الكبير لحرب العصابات: خلق مناخ الانهيار، ويجـب أن يشكل هذا الهدف قاعدة لكل ما تقوم به.
___ __ __ ___ __ __ ___
ولا بد للناس أن يلاحظوا بوضوح عبثية متابعة الصراع من أجل الحصول على أهداف اجتماعية في إطار الحوارات الشرعية وعندما تتمسك قوى القمع بالسلطة ضد القانون القائم، يمكن اعتبار الـسلام محطماً.
( وفي هذه الظروف، يظهر الاستياء الشعبي بأشكال أكثر فعالية...
( فعندما تتوصل حكومة إلى السلطة عن طريق الاقتراع الشعبي، سواء كان هذا الاقتـراع مـزوراً أم لا، وتتمسك بالسلطة مع مظهر الشرعية الدستورية على الأقل، فإنه لا يمكن لحرب العصابات أن تندلع، لأن إمكانات النضال السلمي كلها لم تستنفد بعد ).
لقد قلنا أن حرب العصابات هي امتداد للسياسة بوسائل نزاع مسلح. ومنطقياً لا يمكن لهذا الامتـداد أن يحدث بغتة، إلا عندما تنكشف وتصبح بلا قيمة كل الحلول السلمية المقبولة ( نداءات ) عمل قضائي وقانوني، لجوء إلى صناديق الاقتراع. وفيما عدا هذه الحالة، لا يوجد أي أمل بالحصول على الدعم الشعبي
اللازم للنشاط الثوري.
وحتى يقبل الناس مسؤوليات ومخاطر العنف المنظم، يجب أن يؤمنوا بعدم وجود خيار آخر، وأن تكـون القضية ملزمة، وفرص نجاحها معقولة. وربما كان الدافع الأخير هو الأكثر قوة.
وعندما تبدو القضية عادلة، ويصبح الموقف لا يطاق، ولا يعود من سبيل ضد الطغيان، لا يبقى إلا طريـق العمل. ولا بد عندها من جهد تحضيري ضروري ومنظم، قبل إمكانية افتتاح أية حملـة مـن حـرب العصابات.
وتظهر تجارب الجزائر وكوبا وثورات منتصرة أخرى، أن حرب العصابات تتطلب في معظـم الحـالات، المساعدة الفعالة من تنظيم سياسي لا يشكل جزءاً عضوياٍ منها، ولكنه مخلص للقضية ذاتها، ويقدم ذراعـاً مدينياً للحركة الثورية، قادراً على تأمين المساعدة بوسائل شرعية أو غير شرعية.
وأن أكبر عدو لحركات العصابات، وهو العزلة العسكرية والسياسية. وعلى التنظيم المديني منع هذه العزلة، وافتعال عمليات للإلهاء أو التحريض في الأوقات المناسبة، وإقامة اتصالات، وبذل الجهد في العـالم أجمـع لإثارة شعور بأن الثورة تأخذ مجراها.
ولهذا التنظيم عادة فرعان: أحدهما خفي وغير شرعي، والآخر علني وشبه شرعي.
ويوجد من جهة ( الأشخاص الفعالون ) : كالمخربين والإرهابيين، ومهربي الأسلحة، وصـانعي الأدوات المتفجرة، والصحفيين السريين، وموزعي المنشورات، والمراسلين الذين ينقلون الرسائل من قطـاع حـرب عصابات إلى آخر ويتخذون المدن كمراكز اتصالات.
كما يوجد من جهة أخرى المتعاطفون، موافقوا الطريق، الذين لا يعملون في الخفاء، ويتـصرفون بـشكل عادي ضمن إطار القانون، لكنهم يساندون جهود ( الأشخاص الفعالين ) ويقومون بأنفسهم بمهام أكثر أهمية أيضاً. وتمتلك المنظمة العلنية بالطبع اتصالات غير مكشوفة مع العناصر العاملة في الخفاء، التي تؤمن لها
الاتصال مع العصابات في الأرياف. لكن عملها الحقيقي إعطاء الثورة واجهة محترمة، جبهة مدنية، أو كما يقول الكوبيون ( مقاومة مدنية )، مؤلفة من مثقفين، وتجار، وموظفين، وطلاب وعمال... إلخ – وخاصة
من النساء – قادرين على جمع الأموال، وتمرير العرائض، وتنظيم مقاطعة النظام، وإقامة التظاهرات، وإعلام الصحفيين الأصدقاء، ونشر الشائعات، وتغذية دعاية مكثفة بكل الوسائل المتصورة، بغية تحقيق هـدفين:
إضاءة ( صورة ) الثوار وتقويتها، وتسويد سمعة النطام.
__ ___ __ __ ___ __ __
لنفرض أن قضية ما موجودة، وأن كل إمكانات الحل السلمي قد استنفدت، وأن التنظيمات السرية اتخذت أشكالاً هيكيلية ولكنها كافية للعمل الفوري.
عندها ينفجر الصراع وينتشر في المقاطعة الأكثر بعداً، والتي يجعلها بعدها أكثر ثورية، لأنها أكثر تعرضـاً للإهمال، ولكونها أشد ملاءمة لحرب العصابات، بسبب بدائيتها وصعوبة الوصول إليها.
وتتشكل مجموعة من المدنيين المسلحين، الذين يطلقون على أنفسهم اسم الوطنيين، وتسميهم الحكومة قطاع طرق أو شيوعيين.
ويستولي هؤلاء المسلحون على مستودع أسلحة، ويحرقون مخفراً للشرطة، ويحتلون بشكل مؤقـت محطـة إرسال يذيعون منها بياناً باسم الثورة. لقد أزفت الساعة، وحمل لفيف من الناس السـلاح، وعلى الطاغية ( الأجنبي أو المحلي ) أن يرحل، إن مرحلة التحرير الوطني قد ابتدأت، وانتظمت الجبهات، وأعلنت أهداف
الثورة ومبادئها بالبلاغة المطلوبة، مع استشهادات وطنية، وملاحظات تاريخية. إنها أهداف عادلة، ومبادئمحترمة. فمن يجرؤ أن يطرح أهدافاً ومبادئ أخرى؟ إنها تعبر عن مطالب شعبية وتجد صداها عند الشعب.
وتنتشر الشائعات في المدن والأرياف، ويأخذ الشباب الذين ينتظرون منذ زمن بعيد يوم القرار، بالتـشاور بسرعة، ليحددوا الدور الذي يمكن أو يجب أو يستوجب على كل منهم أن يلعبه في الصراع. أما أعـضاء أحزاب المعارضة، الذين اقتصروا حتى ذلك الحين على إلقاء خطابات أو كتابة مقالات، فإنهم يلفون أنفسهم
مضطرين لاتخاذ موقف ما، وتقوم الضربة المنفذة بدور عامل مساعد على تحديد انتماءات جديدة وأوضاعاً مستقبلية، فمن سينضم للثائرين؟ ومن سيبقى على الحياد؟ ومن سيترك مبادئه ليشارك الطاغية قضيته؟
وبما أن الحكومة لا تتعامل مع مدنيين مسلحين، فلا بد لها من القضاء على العصيان، وإعادة النظام، وترميم الثقة. ومنذ ذلك الحين تبدأ السفارات الأجنبية طرح الأسئلة بكل تؤدة، ولا تتردد عن استشارة المعارضـة
السياسية، بل أنها تتصل مع العصاة بشكل غير مباشر، بغية الحصول على المعلومات أكيدة. ويقلق رجـال الأعمال والصرفيون، الأجانب وأبناء البلد، ويتساءلون باحتراز أقل. إذا تطور الموقف، فسيجذب حتمـاً الصحفيين الأجانب، الذين سيقدمون للعصاة منبراً يعرضون عليه قضيتهم ويضخمونها، رغم ضيق النظـام الحاكم من ذلك.
__ ___ __ __ ___ __ __
ولا تهتم الحكومة حقاً لفقد بعض رجال الشرطة أو لمستودع سلاح، لكنها تحس بالهلع إزاء الدعاية الـتي تنتج عن مثل هذا العمل، والتي تبذر الشكوك حول استقرارها وصلابة اقتصادها. وبالإضافة إلى ذلك فإنها تبقى حائرة، لا تعرف ما إذا كانت الانتفاضة ستبقى محدودة.
وتظهر البلاغات المطمئنة، وتعزز الحاميات في المقاطعات بسرعة، بقوات أكبر وبكل سرية ممكنة، من أجل إخماد الانتفاضة واقتلاع جذورها.
تلك هي اللحظة الحرجة. فإذا كان اندلاع الانتفاضة قد حدث في أوانه، وفي موقع أحسن اختياره، وكان على رأس الانتفاضة قادة أكفاء ومصممين، فإن الجهد العسكري يتعرض للإخفاق. إن كـل التجـارب الحاصلة منذ الحرب العالمية الثانية – وحتى قبلها بزمن بعيد، إبان حرب الاستقلال الأمريكية أو الحـرب
الاسبانية في زمن نابليون – تبرهن بأنه من المستحيل عملياً إخماد حرب عصابات في المناطق الريفية، الـتي تكفل مكاناً للتنقل والاختباء، منذ اللحظة التي تتمتع فيها الحرب المذكورة بمساندة السكان المحليين. وجلي أن عملية الإخماد يمكن أن تتحقق بإبادة السكان جميعاً، ولكن حتى هذه الطريقة لم تحقق للنازيين النجاح في
أوروبا الشرقية، مع أنه لا يمكن اتهامهم بالتردد أو نقصان العزم والتصميم.
إن هذا لا يعني أن رجال العصابات يمكن أن يكسبوا معارك. ففي المراحل الأولى، يجب أن يشكل اجتناب المعارك قاعدة بالنسبة إليهم. وتعتمد استراتيجيتهم في تلك الفترة على:
- الهجوم من أجل تحقبق أهداف محدودة، كاغتنام الأسلحة وفك الحصار والمشاغلة، وذلك عنـدما تبدو قوة النار وميزة الموقع وعنصر المفاجأة كافية لضمان النجاح.
- استغلال الحملة لأهداف تعليمية، وكسلاح للدعاية، يكشف عجز العدو، والبرهنة على إمكانية مهاجمته دون قصاص، والتبشير بين سكان الريف بعد تبني تظلماتهم وطموحاتهم، وتحميل الحكومة
مسؤولية إراقة الدماء، وإظهارها كمعتدية، ولا بد أنها ستغدو كذلك عند متابعة عملية القمع.
ولا يمكن في البدء إجراء إلا بعض الأعمال، وفي قطاعات معزولة. وعندما يتزايد عدد الثـوار، يقـسمون
قواتهم إلى مجموعات، بغية حمل رسالتهم إلى مناطق جديدة وإزعاج الجيش على نطاق أكثر اتساعاً، وإجباره على تمديد خطوطه، الأمر الذي يضعفه، ويمنح الثوار فرصة تدمير وحداته الصغيرة، واحدة تلو أخرى.
وفي أثناء الحملة كلها، يجب تجنب البحث عن الحسم العسكري، حتى اللحظة التي يتحقق فيهـا تـوازن القوى، ويصبح بالإمكان مواجهة الجيش الحكومي مع ضمان النجاح بشكل واضح
__ ___ __ __ ___ __
وتصاعد العمل العسكري تدريجياً على الجبهتين، وبدأت دوريات ثوار العصابات بقطع الطرقات الكـبرى
وبتدمير السكك الحديدية. ولم يمض وقت طويل، حتى أصبحت القوافل المحروسة فقط قادرة على التحول،
ثم تعرضت بدورها إلى الهجوم بعد ذلك.
وتحولت العصابات التي كانت صغيرة في البداية إلى جيش، وتزايدت أعمال التخريب والإرهاب في المدن.
وكانت سيارات الجيب التابعة للثوار تخترق هذه المدن بجسارة عند اللزوم. ودمرت حاميات القرى الممتدة على طول الطرق واحدة تلو الأخرى، وأصبحت سانتياغو معزولة. وفي مركز البلاد، خرج قطار مـصفح عن سكته وأحرق. وكان هذا القطار ينقل الجند للدفاع عن سانتا كارلا وسقط الجنود في الأسر، وسمحت الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها بتجهيز متطوعين عدة.
وارتد جنود باتسيتا تدريجياً إلى ثكناتهم المحصنة، بعد أن فقدوا معنوياتهم. ولم تكن لديهم مصلحة بـإجراء
طلعات، فالثوار كانوا يتملصون من كل معركة إلا عندما يمتلكون التفوق الساحق. وكانت كل وحدة أقل من سرية أو حتى كتيبة، عرضة للإبادة في كمين. واختفت الاتصالات بين الحاميات تدريجياً. وعندما دقت ساعة الحسم العسكري، كانت معظم الوحدات محبوسة في حصنها الخاص، ولا تمارس حتى الرقابة علـى المدن التي كانت معنية بالدفاع عنها.
وفي ذلك الحين، كانت الحكومة وهيئة الأركان العامة فريسة لأزمة معنوية خطرة. وسيطر الحذر المتبـادل داخل صفوفها، واستعد كل واحد للهرب أو الانضمام إلى العدو (الثوار). ووصل فقدان الثقة في باتسيتا إلى درجة أن السفير القوي للولايات المتحدة الأمريكية كان يفاوض المعارضة السياسية، ويبحث عـن بـديل محافظ، عندما غادر باتسيتا البلاد مسرعاً مع جنرالاته ووزرائه الرئيسيين.
__ ___ __ __ ___ __
وباستثناء بضع مئات الأسلحة ذات العيار الصغير، التي تم تهريبها من الولايات المتحدة، فإن كافة الأسـلحة التي تجهز ا ١٥ ألف ثائر، قد تم الاستيلاء عليها من جند باتسيتا تباعاً، وبكميات صغيرة في كل مـرة.
وأدى الاستيلاء على سانتياغو عاصمة ( الأورينت ) إلى وقوع دبابات ومدفعين في أيدي الثوار كما أدى استسلام الثكنات في ( لاس فيغاس ) إلى امداد الثوار بوسائل لمواجهة الأفواج التي بقيت لديها إرادة القتال.
لكن في هذه اللحظة، هرب باتسيتا، وأدى إضراب عام إلى سيطرة الثوار على العاصمة ( هافانـا ) كمـا استسلمت الحامية الضخمة لمعسكر ( كولومبيا ) دون أن تطلق رصاصة واحدة، وانـضمت البحريـة إلى
الثورة، وانتهت الحرب
__ ___ __ __ ___ __
الحروب الثورية الطويلة بالضرورة. ولا تنبت بذور الثورة إلا ببطء، وتنتشر الجذور بصمت تحت السطح،
ولمدة طويلة قبل ظهور النبتة الأولى. ومن ثم يطول ساق القمح فجأة، ويصبح الثوار في كل مكان.
كثيراً ما يقال بأن حرب العصابات هي حرب استتراف، وليس هذا التعبير صحيحاً تماماً. ففي الموضـوع
تفتيت مثلما فيه من هدم، وتخترق النبتات الشقوق في بناء نخر، وتنتهي بأن تجعله ينفجر.
وتبقى الحكومة خاضعة في المجال السياسي لضغط دائم، سببه اتساع النفقات، والوساوس الناشئة عن حملة
القمع، والجلبة الدائمة من المعارضة والمصارف، وعالم الأعمال: متى ينتهي كل هذا؟ ماذا تنتظرون لتصفوا ذلك؟
لقد تحدثنا عن الاستنزاف الاقتصادي، الذي يشكل التخريب واحداً من أشكاله. والمظهر الآخر والأكثـر أهمية، هو فقدان الهيبة، الذي يتحمله بلد في حالة حرب أهلية. ولا تستطيع أية أمة صغيرة، كما لا تستطيع بعض الأمم الكبرى، الصمود أمام هذا الاستتراف، إلى أجل غير مسمى، على حين يستطيع الثوار ذلك إلى ما لا نهاية.
وليس للثوار أي مصلحة مالية، وليس في صفوفهم معارضة، وليس لديهم مشاكل اقتصادية لا يمكن حلها عن طريق اتساع الحرب والاستيلاء على ما هم بحاجة إليه. لذا فليس لديهم ما يفقدونه، بل لديهم إمكانية
كسب كل شيء بمتابعة الصراع، كما أنهم لن يربحوا شيئاً وسيخسرون كل شيء، إذا ما تخلوا عن الصراع.
__ ___ __ __ ___ __ __
ماو:
(لا يقاتل الجيش الأحمر من أجل القتال، بل لإثارة الجاهير وتنظيمها ومساعدا على إقامة السلطة السياسية الثورية وبدون هذه الأهداف يفقد القتال كل معنى، كما يفقد الجيش الأحمر مبرر وجوده ).
ويؤمن ماو بأن الحرب الثورية هي الجامعة التي يتعلم القوار فيها. وإن هذه الحرب ستولد دروسها ومبادئها الخاصة:
( إن طريقتنا الرئيسية أن نتعلم الحرب بهذا الأسلوب، فالحرب الثورية مشروع جماهيري، وغالباً ما تفترض هذه الحرب التعلم لغرض الفعل، لكنها تتضمن الفعل لغرض التعلم. واستخلاص المعرفة من العمل. وهناك هوة بين المدني العادي وبين الجندي، لكنها ليست بعائق كالسور العظيم، إذ يمكن ردمها بـسرعة. أمـاأسلوب الردم فهو المساهمة في الحرب الثورية ).
وأول واجبات ثوار العصابات هو التعبئة السياسية –و رفع مستوى الوعي السياسي للشعب، ومـساهمة الشعب الفعالة في النضال – وتتطلب طبيعة هذا الجهد فسحة من الزمن، وذلك ما يفسر طول أمد الحرب الثورية. ولكن أقوال ماو تكشف شيئاً آخر:
( لا بد من الزمن، ليس فقط لتحقيق التعبئة السياسية، لكن أيضاً للسماح لنقاط ضعف العدو الداخلية بأن تتفاقم تحت تأثير توتر الحرب )
ومن باب الحاجة، كان على اليابان أن تبحث عن حسم سريع. وكان الحل الصيني يتضمن منعها من تحقيق
هذا الحسم، وذلك بالتملص من كل مواجهة عسكرية، واللجوء إلى أساليب حرب العصابات، والعمـل المتحرك، ومبادلة المجال الصيني الشاسع مقابل الزمن اللازم في البداية، لإعطاء نقاط ضعف اليابان الداخلية
الفرصة للنمو تحت تأثير حرب طويلة، والضروري بعد ذلك لإعطاء المقاومة القدرة على التنظيم اللازمـين لمواجهة آلة الحرب اليابانية المنهكة تدريجياً.
وها هو تحليل ماو:
(لقد قادت اليابان الحرب تبعاً لعظم قدراتها العسكرية والاقتصادية، ولقوة تنظيمها السياسي، إلا أنها كانت
في الوقت نفسه تملك إمكانات طبيعية غير كافية. وكانت هذه الدولة عظيمة من حيث الكيف، لكنـها ضعيفة من حيث الكم. فاليابان بلد صغير نسبياً، ينقصه الرجال والموارد العسكرية، والمالية والماديـة، ولا يستطيع تحمل حرب طويلة الأمد. لذا حاول مسؤولوها حل هذه الصعوبة بواسطة الحرب، فكان لا بـد للنتيجة أن تكون بعكس رغباتها. أقصد أن جهدهم لحل الصعوبة قد فاقها. وانتهى بأن تكـون بعكـس
رغباتهم. وانتهى بأن أنهك مواردهم الأصلية )
يقول ماو: ( إن تكتيكنا هو تكتيك حرب العصابات وأهدافه الرئيسية هي:
١ .تقسيم قواتنا لاستنهاض الجماهير، وتركيزها للعمل ضد العدو
٢ .إذا تقدم العدو فإننا نتراجع، وإذا خيم نناوش، وإذا تعب اجم، وإذا انسحب نطارد.
٣ .توسيع مناطق القواعد، والتقدم بموجات، وعندما يهاجمنا عدو قوي، فإننا نتسلل على أجنابه لنصل إلى مؤخرته.
٤ .إثارة أكبر كتلة جماهيرية ممكنة، في أقصر وقت ممكن، وبأفضل الوسائل الممكنة.
ويعادل هذه التكتيك – رمي الشباك، فيجب أن تستطيع في كل لحظة قذف الشبكة أو سحبها، إننا ننشرها
على أوسع نطاق ممكن، لنكسب الجماهير، ونضيقها لنمسك بالعدو ).
ونرمي الشبكة في المناطق حيث تكون المقاومة ضعيفة. وينتشر ثوار العصابات للقيام بالتوجيه الـسياسي، وتحسين الاقتصاد الداخلي للحركة الثورية، وإقامة قواعد خلفية. قواعد قد تنتشر، أو تتقلص، بل قد تترك من لحظة لأخرى.
وتسحب الشبكة عندما تكون المقاومة قوية. ويتركز رجال العصابات – كما يقول ماو – بمعدل اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو ستة ضد واحد، ويركزون جهدهم على نقطة معادية ضعيفة.
ولا تدوم المعارك طويلاً. ولقد تصور ماو على العكس هجوم ( الخمس دقائق ) الذي يتضمن انقـضاضاً مفاجئاً، وقتالاً قصيراً، عنيفاً، وانسحاباً سريعاً وبنفس الدرجة من الفجائية، بعد أن يسبب الهجوم أكـبر ضرر، ويؤمن الاستيلاء على أكبر عدد ممكن من الأسلحة، ولكن دون أن يكون هناك أي تأخر. إنها عكس الاستراتيجية الغربية. فالجيش المدعوم بصناعة قوية، يستطيع أن يجعل من كل معركة اختباراً تكنولوجيـاً،
حيث يؤدي تفوق التسلح واللوجيستيك في النهاية إلى تحقيق النجاح. لكن العصابات لا تستطيع الاعتماد إلا على السرعة، وميزة الموقع، والتفوق العددي المحلي. وعليها أن تقطع الاشتباك قبل أن تتمكن الأسلحة
الثقيلة من التدخل.
تلك هي كما قلنا حرب البرغوث. فهو يخز، ويقفز، ويعاود الوخز، ويتحنب بحذق القائمة الـساعية إلى سحقه. إنه لا يستهدف قتل خصمه، بل إنهاكه، والحصول على الغذاء منه، وإزعاجه، وإثارته، ومنعه من الراحة، وإتلاف أعصابه، ومعنوياته، ولتحقيق ذلك لا بد من الزمن، اللازم أيضاً للتكاثر. إن ما يبدأ وكأنه عدوى محلية، يجب أن يصبح وبائياً، عن طريق تقارب المناطق المهاجمة واندماجها، وكأا بقع حبر علـى ورق النشاف
___ __ __ ___ __ __
وفي خلال المرحلة الثانية – مرحلة التوازن – تقوم هدنة، عندما تتأكد الحكومة بأنها لن تستطيع القضاء على ثوار العصابات، فتكتفي عندها وقتياً باحتوائها، ريثما تحضر الهجمات الجديدة. ولا يـستطيع ثـوار العصابات القضاء على الجيش، فيتابعون، إزعاجه، مستفيدين من الجمود العسكري لتنمية قواعدهم الثورية،
وقضم المناطق المنزوعة السلاح التي تحيط بكل منطقة محررة، وتحسين تنظيم الإمداد والتمـوين ومـشاغل تصليح الأسلحة، وتشديد تحريضهم للشعب، وشن حرب الدعاية، وإضرام النزاعات الداخلية التي يعاني منها المعسكر الآخر بالضرورة، نظراً لأن نهاية النزاع تتباعد أمامه أكثر فأكثر.
___ __ __ ___ __ __
وتبدأ المرحلة الثالثة، مرحلة الهجوم الثوري العام، عدما تصل القوى المتواجهة إلى التوازن، فيأخـذ ثـوار العصابات زمام المبادرة، ويعملون منذئذ كجنود قادرين على شن معارك نظامية. فيهاجمون بدلاً من اللجوء
إلى التملص، مركزين على نقاط العدو الأشد حساسية وضعفاً، ولا ينتشرون، فإذا حوصروا عند التعرض للتطويق، فإنهم يحاولون اختراق الطوق بالقوة – ربما بتغطية عمل تشتيتي يتم في مكان آخر.
ويؤدي تصرفهم هذا، واستخدامهم لتكتيكهم القديم تارة والجديد تارة أخرى، إلى النجالح في قطع خطوط
المواصلات، وبتطويق المفارز المعادية وتدميرها واحدة تلو أخرى، ويحتلون بدورهم أقاليم شاسعة، ويوسعون قواعدهم، ويجعلون العدو عاجزاً عن البقاءفي الأرياف، ثم يهاجمون المدن الصغيرة دافعين الجيش المعادي إلى نقاطه المدينية القوية، التي يمكن القضاء عليها بالتتابع.
وبقدر ما تتقلص القوة البشرية المعادية، بسبب الأسر والإبادة والهرب، ( تزداد حالات الهرب عندما يكون في جيش العدو المستعمر وحدات من السكان المحليين يكتسب الثوار أسلحة ثقيلة – دبابـات ومـدافع –
تسمح لهم بمهاجمة مواضع ذات قوة أعظم، إلى أن تؤدي هجمات الثوار، المدعومة بالانتفاضة الشعبية، إلى
استسلام الجيش وانهيار الحكومة.
__ ___ __ __ ___ __
الفرنسيون والعصابات في الهند الصينية (فيتنام)
__
ولم يفهم الفرنسيون بأن عدوهم، الذي لا يمتلك المدفعية ووسائل النقل، لم يكن بحاجة للطرق، وبأن المراكز المحصنة لا تشرف على شيء، لأن عددهم المتحرك لا يتمسك بالأرض، ولا ينوي الصراع من أجلها.
وكان الفرنسيون يسيطرون على الطرق، وثوار العصابات يمرون بشكل خفي، عبر الأدغال أو مزارع الأرز، على بعد مائة متر من الطرق. وكان الفرنسيون يحتلون المدن دون أن يحفل أعداؤهم بذلك، وكانوا يسعون للإشراف على الأرض عن طريقة إحتلالها، بينما انصب اهتمام أعدائهم فقط على اكتساب السكان. وهذا هو التباين الجوهري بين الحرب التقليدية وحرب العصابات. فالجيش يقاتل للاستيلاء، على الأرض والطرق والمرتفعات الاستراتيجية والمناطق ذات الأهمية الرئيسية، في حين يقاتل ثوار العصابات لتحقيق إشرافهم على السكان، الذين بدون تعاونهم تصبح الأرض عديمة الفائدة لمن يحتلها.
__
إن تكتيك بقعة الزيت، الأكثر فعالية ضد عصابات المجرمين مما هو ضد العصابات الثورية، كان بوسعه أن يعطي نتائج في الهند الصينية، لو استطاع الفرنسيون أن يكرسوا له قوات أكبر. لكن في الوضع الثوري – وخاصة عندما يجد الجند النظاميون أنفسهم في مواجهة مع ثوار محليين – فإن القمع لا يمكن أن يـؤثر إلا محلياً، ولا توجد إلا طريقة واحدة لمنع الانتقاضات الجديدة: ألا وهي: إبادة السكان قاطبة. وخلال ثمـاني سنوات، كانت خسائر الفيتناميين كبيرة، ويقدرها الدكتور ( فول ) بثلاثة أمثال الخسائر الفرنسية، لكنها أصابت على الأرجح المدنيين الأبرياء أكثر من ثوار العصابات .
وكان الجهد الفرنسي محكوماً بالفشل منذ البداية. فالبلد شاسع، والكثافة السكانية عالية، وكانت هنالك ملاجئ طبيعية كثيرة لثوار العصابات. وكانت القوات العسكرية أضعف بكثير مما ينبغي. فالخبراء يقدرون أنه من الضروري وجود جنود مقابل كل ثائر، وقد يقفز الرقم إلى عشرين، وحتى مائة، في بلد يشكل كـل مواطن فيه ثائر عصابات محتمل.
__
وقد نظمت قوات الفييتمينة في ثلاث فئات، وفق النموذج المتبع في الصين:
١ .المحاربون النظاميون الدائمون ( تشولوك )، الذين يمكن استخدامهم اسـتراتيجياً في أي مكـان، ويؤلفون كبد القوات في عملية كبرى.
٢ .ثوار العصابات الأقليميون، المحاربون في مقاطعتهم، والقادرون في كل لحظة على العودة إلى حالتهم كفلاحين أو عمال عند الضرورة.
٣ .رجال الميليشيا الريفيون ( دوكتيش ). وهم رجال عصابات في الليل، وفلاحون في النهار، ويقع على عاتقهم تنفيذ المهمات المحدودة: تخريب جسر، نصب الكمين، زرع ألغام على الطرقات، نقل الرسائل والأموال، ولكنهم يعودون إلى قراهم عندما تظهر أول بوادر الفعل العسكري.
__
وعند الإعداد لتطبيق مشروع نافار، ألفى الفرنسيون أنفسهم أمام مأزق: فهم لا يستطيعون القيام بالهجوم دون حشد قواهم، وإذا حشدوها، أضحوا عاجزين عن الدفاع عن الحلقات العديدة والضعيفة من سلسلة مراكزهم الدفاعية.
ومرة أخرى شلهم نقص القوات. ولكي يخرجوا من المأزق، شكلوا وحدات جديدة ( كان معظمهم مـن المجندين الفيتناميين ) لتحل محل الوحدات الثابتة، والتي سحبت من مواقعها وأرسلت سراً إلى الدلتا من أجل زيادة الحشد ( التركيز ). وقد أدى هذا المخطط إلى جعل الفييتيمنة يتخذون قرارات هامة. ويقول جياب في هذا الصدد:
( كانت المشكلة الواقعية هي أن العدو يحتشد في دلتا النهر الأحمر، ويشن هجماته ضد مناطقنا الحرة. فهل كان علينا أيضاً أن نحتشد أمامه، أو أن نستعمل قواتنا في اتجاهات أخرى؟ ففي الحالة الأولى، أي لو أننـا قاتلنا في الدلتا، لكان بإمكاننا الدفاع عن منطقتنا الحرة، لكن العدو بقي قوياً، لذا فإن بالإمكان أن نتعرض للإبادة. وفي الحالة الثانية، أي لو أننا هاجمنا في اتجاهات أخرى، لكان بإمكاننا العمل ضد نقـاط العـدو
الضعيفة، بغية تدمير كبد قواته، إلا أن ذلك يعني تعرض منطقتنا المحررة للخطر )
وانكبت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي جماعياً على هذه المعضلة، وانتهت إلى تبني الشق التالي: ( فعالية، ومبادرة/ وحركية، وسرعة في الحسم أمام المواقف الجديدة ) ويشرح جياب معنى هذا الشعار بقوله:
( باتخاذنا زمام المبادرة، كان بوسعنا حشد قوانا لمهاجمة النقاط الاستراتيجية الضعيفة نسبياً/ والحصول على نجاحات، وإجبار العدو على توزيع قواته. ومن جهة أخرى، لو اقتصرنا على الدفاع/ لما كان بإمكاننا تدمير كثير من الأعداء ولأصبح تعرضنا للخسائر ممكناً ولخاطرنا نحن بتحمل الخسائر ).
ولقد تقرر القيام بحملة ديناميكية:
( كانت اللجنة المركزية مقتنعة دائماً بأن الأمر الجوهري هو القضاء على قوات العدو، فوضـعت مخطـط عملها استناداً إلى التحليل العلمي، وكان هذا المخطط: تركيز هجومنا على النقاط الاستراتيجية حيث كان العدو ضعيفاً نسبياً، لإبادة جزء من وسائله، وإجباره على توزيع قواه، من أجل الدفاع عن النقاط الحيوية، التي لا بد له من السيطرة عليها بأي ثمن، وظهرت هذه الاستراتيجية صحيحة، فبينما كان العدو يحشد قواته الهامة في الدلتا ليهدد منطقتنا الحـرة، جمعنا قواتنا، بدلاً من تركها في الدلتا، أو توزيعها في المنطقة المحررة للدفاع عنها، وذلك بغية الهجوم ببسالة باتجاه الشمال الغربي ).
ونتج عن ذلك، كما قال جياب إبادة: ( آلاف من المجرمين المحليين [ المسلحين من قبـل الفرنـسيين ] )،
وتحرير أربع نقاط استراتيجية محصنة، والإخفاء شبه النهائي لرتل فرنسي، وتطويق ديان بيان فو، ( مما أجبر العدو على نقل تعزيزات عاجلة لمنع سقوطها ) ويضيف جياب: ( وهكذا أضحت ديان بيان فو نقطة ثانية لحشد القوات المعادية ).
وفي الوقت نفسه، حقق الهجوم في المنطقة المركزية من لاووس عدة نجاحات، فاضطر الفرنسيون لإرسـال تعزيزات باتجاه آخر على حساب حشودهم في الدلتا، وخلقوا منطقة حشد أخرى في مطار ( سينو ) الذي غدا مهدداً.
وكان هناك عمليات تشتيتية أخرى، من بينها انقضاض على الهضاب الغربية العليا، وهجـوم في الجـزء الشمالي من لاووس. وأسفرت هذه العمليات، عن قيام الفرنسيين بإرسال تعزيزات جديدة.
ويقول جياب: ( تضمنت المرحلة الأولى من حملة الشتاء _ الربيع بالنسبة إلينا، مجموعة مـن الهجمـات المشنونة في الوقت ذاته، باتجاه قطاعات هامة، حيث كان العدو حساساً نسبياً، ما سمح لنا بتدمير جزء من قواته، وتحرير أقاليم، كما ساعدنا على دفع العدو إلى التبعثر في اتجاهات متعددة. واحتفظنا دائماً بالمبادرة في العمليات، ورددنا العدو إلى حالة الدفاع... أما على الجبهة الرئيسية، فقد ثبتنا العدو في ديان بيـان فـو، وخلقنا بهذا الشروط الملائمة لقواتنا في ساحات معارك أخرى ).
وكانت النتيجة إنقاص الضغط على المناطق المحررة، بحيث ( استطاع مواطنونا العمل حتى في وضح النهار، دون أن يعانوا من الطائرات المعادية ) بالإضافة إلى تثبيت الفرنسيين، المشغولين والمبعثرين، إلى حد لا يسمح لهم بتنفيذ عمليات التطهير المصممة في مشروع نافار، كفاتحة للهجوم العام ضد كبد قوات الفييتمينيـة في الشمال. وبالنتيجة لم يستطع الفرنسيون تصفية مناطق العصابات في جنوبي فيتنام، وأمام ذلك التهديد الدائم المتزامن مع الضغط على ديان بيان فو، لم يلبث أمل الفرنسيين باستعادة المبادرة أن تبخر.
__
واختنق المشروع قبل أن يوضع جدياً موضع التنفيذ. وكان تدمير قاعدة ديان بيان فو الحصينة، واستسلام ما تبقى من حاميتها حدثاً حاسماً
. ويقول برنارد فول: ( في الثامن من أيار ١٩٥٤ ،وفي الساعة الواحـدة وثلاث وخمسين دقيقة، - بالتوقيت المحلي – سكتت المدافع الأخيرة في ديان بيان فو، بعد انقضاض يائس
بالسلاح الأبيض، شنه، الجزائريون وجنود الفرقة الأجنبية الذين كانوا يدافعون عن معقل ( ايزابيل )، عندما اجتاحته أعداد كبير من الفيتناميين الظافرين. وهكذا انتهت تقريباً، الحرب التي دامت ثمانية أعوام ).
___ __ __ ___ __ __
الحرب الأمريكية الفيتنامية
__
وفي بداية حرب فيتنام، لم يعمل الثوار إلا بأعداد صغيرة لا تتجاوز الفصيلة لينصبوا كميناً لشاحنة أوليهاجموا مركزاً صغيراً منعزلاً.
( وبقدر ما جمعوا من الأسلحة الأمريكية من بين جثث الجنود الحكوميين، فإنهم زادوا من تجهيزهم، وانتقلوا من الفصيلة إلى السرية.
( وتدعي الفيتكونغ بأنها حررت ثلاثة أرباع مساحة الوطن، وأقامت المدارس والمستشفيات والمباني العامة.
( ولا يمسك نظام سايغون (الحاكم الفيتنامي العميل) وأسياده الأمريكيون إلا بالمدن. وبالواقع فإن القوات الحكومية تمـضي معظـم أوقاتها في المناطق المدينية الأمنية نسبياً. وتنتقل في أغلب الأحيان جواً بواسطة الهليكوبترات، وإذا ما أرادت
الانتقال براً، استخدمت العربات المصفحة والدبابات، ومع ذلك فإنها تقع في الكمائن.
( ويطبق ثوار الفيتكونغ التقية الشيوعية: خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء. ولقد وصلوا بهذا التكتيك إلى مرونة لم يستطع خصومهم مساواتهم فيها
. إن موقفاً عسكرياً كهذا ميؤوس منه، كموقف الفرنـسيين
أثناء حصار ديان بيان فو. وهذا ما يفسر رد فعل واشنطن اليائس، المتمثل بالتصعيد )
__
ففي منتصف العام ١٩٦٤ ،أصبح ثوار العصابات المتفرقون في فيتنام جيشاً يضم أكثر من مائة وأربعـين ألفاً تجري على مستوى الكتيبة وحتى الفوج. وكان هذا الجيش يمتلك مناطق خلفية حسنة التنظيم، وأضحت الحكومة معزولة عملياً عن السكان الرفيين الذين يشكلون ٨٥ %من أمة تقارب ١٦ مليون نسمة، وتقطن مساحة تزيد عن ٣٠٠ ألف كيلو متر مربع.
وكان ثوار العصابات يسيطرون على الجزء الأعظم من البلاد خارج التجمعات الـسكنية الكـبرى. ولم يكونوا ليهاجموا إلا من قبل الطائرات، وعرضياً من قبل القوات المحمولة بالهليكوبترات، والتي كانت تضرب على غير هدى باحثة عن الإبر في كومة من القش. وكانت الأرتال الحكومية تتوغل في مناطق الفيتكونغ،
فتتعرض للكمائن. ولم يكن لديها أمل بممارسة أية سلطة على السكان.
وكانت طرق المواصلات الثانوية كلها تقريباً مقطوعة، مع جزء لا بأس به من الطرق الرئيسية. ولم يكـن الوصول إلى بعض العواصم الإقليمية ممكناً إلا عن طريق الجو. وكانت حول سايغون شبكة من القواعـد تعيش جو حصار، حيث كان يجري القتال غالباً على بعد يقل عن خمسة عشر كيلومترات من المدينة.
وحافظ الفيتكونغ في قطاعاتهم على اقتصاد ريفي، فكانوا يجبون الضرائب على التجارة التي استمرت بـين المناطق، حتى أن الوقود المستعمل لمواصلات القوات الحكومية، كان يخضع أحياناً للرسوم قبل أن يصل إلى الثكنات.
ودفع الأمريكيون إلى سايغون ٢٥٠ مليون دولار سنوياً، لتحسين الاقتصاد الزراعـي وكـسب سـكان الأرياف. لكن ( جيمس كيلن ) مدير وكالة المساعدة الدولية، قدر بأن ١٠ – ١٥ %من العـون كـان يذهب إلى المناطق التي كانت تتناقلها الأيدي باستمرار.
وفي ١٥ آب ١٩٦٤ ،كتبت النيويورك تايمز: ( إن السيطرة على أي منطقة كانت تتغير بين ليلة وضحاها.
وفي كثير من الأمكنة. وبعد الانتهاء من عمل كبير: جسر أو طريق أو بئر، وبمجرد انسحاب العمال مـن موقع العمل، يقوم الفيتكونغ باحتلاله ).
وتكرر ما حدث في الصين وكوبا، إذ أقام الثوار نظاماً اقتصادياً وسياسياً موازياً. وكان الجيش قادراً على الذهاب حيثما يشاء – وبالقوة دائماً – لكنه ظل عاجزاً عن البقاء في المكان الذي يصل إليه، وإلا أصـبح عرضة للهجمات ولذا بقيت القوات عملياً ضمن إطار التجمعات السكنية، وغدت عاطلة عن العمل.
واصطدمت سايغون ومستشاروها الأمريكيون بنفس مأزق الفرنسيين، الذي شرحه جياب بقوله: ( فبتوزيع قواتهم، أصبحوا أضعف من أن يقوموا بالدفاع عن أنفسهم، وصاروا يعرضون قواتهم للتـدمير بـالمفرق.
وبتركيزهم للقوات، كانوا يتركون الأرض التي سعوا إلى احتلالها، لأن النصر - بالنسبة إليهم - لا يعـني شيئاً إذا لم يكن مصحوباً باحتلال الأرض ).
وكان ثوار العصابات يستطيعون اختيار أهدافهم فيقبلون المعركة أو يرفضون حسب رغبتهم. ولم تكـن لدى الحكومة المعلومات التي يقدمها العون الشعبي، لذا تصرفت على غير هدى، وكانت عملياتها محكومة بالصدفة إلى حد ما، وباهظة التكاليف بالنسبة إلى نتائجها.
وكبلت حكومة سايغون نفسها بعائق خطير، عندما رفضت، ولعدة سنوات، الاعتراف بوجود معارضـة مسلحة في فيتنام الجنوبية. وكانت تؤكد أن ثوار العصابات الذين تصطدم بهم، ما هم إلا محاربون قدماء من الفييتمينة، وأنهم مكابرون وقليلو العدد. ولم تعترف بالحقيقة إلا بعد خمس سنوات.
واستفاد الفيتكونغ من هذه المهلة لتنظيم حركة سياسية سرية قوية، وجدت من الثوار على مستوى القرية والمنطقة. وكانت استراتيجيتها الأولية تهدف إلى تحطيم ارتباط الحكومة السياسي مع المناطق الريفية، وذلك بإفساد أو خطف أو قتل عناصر السلطات المحلية – وخاصة رؤساء القرى ومستشاريهم – ولقـد بـدأت الحملة في العام ١٩٥٧ ،الذي قُتل فيه أكثر من ٧٠٠ موظف، وقدرت الخسائر المماثلة في العـام ١٩٦٣ بثلاثة عشر ألف شخص، رغم الجهود التي بذلتها الحكومة لإيقافها.
وبعد تدمير شبكة الارتباطات السياسية، عمد الفيتكونغ إلى تنظيم جيشهم. وعلى الرغم من التـصريحات المتحدثة عن المعتدين الشماليين فإن من المرجح أن الفيتكونغ حصلوا على حوالي ٩٠ % من تـسليحهم بفضل الأسلحة الأمريكية التي غنموها من القوات الحكومية.
وتعترف إحصائيات سايغون نفسها، بأن الفيتكونغ غنموا ٤٨٥٣ سلاحاً في العام ١٩٦٠ ،ولم يخـسروا سوى ٩٢١ سلاحاً، والفرق يكفي لتجهيز فوج. وفي العام ١٩٦٢ كانت غنائم الفيتكونغ ٥٢ ألف قطعة سلاح وخسائرهم ٤٨٥٠ قطعة فقط. وفي العام ١٩٦٣ كانت الغنائم ٨٣ ألف قطعة والخـسائر ٥٤٠٠ .
وهكذا غنم الفيتكونغ في عامين ١٢٨٦٨٢ سلاحاً، أي أن غنائمهم كانت كافية لكل المقاتلين في ذلـك الحين.
__
.ومنذ منتصف العام ١٩٦٤ ،بدأ الفيتكونغ بترك تكتيك حرب العصابات، للقيام باختبارات حرب محلية. وكان ذلك دلالة هامة، تشير إلى تبدل في مرحلة الحرب، والانتقال من مرحلة الدفاع الاستراتيجي، ودخول مرحلة توازن القوى وأخذ زمام المبادرة من قبل الثوار.
__
ومن المعروف أن الفيتكونغ عرفوا أكثر الاحتياطات تطوراً، فقد حفروا في مناطق قواعدهم الرئيـسية الأنفاق والمغارات، التي يمكن لبعضها أن يقاوم تأثيرات قنابل زنتها ٥٠٠ رطل.
( وفي بعض الوحدات، تلقى عدد من المقاتلين، تدريباً خاصاً لتعداد القنابل والقذائف التي تـسقط، وتعـداد الإنفجارات، بحيث يتمكنون من تمييز أمكنة المقذوفات التي لم تنفجر، واستعمالها بعد ذلك ( لصنع الألغام الأرضية أو القنابل أو الرمايات... إلخ )
__
مأخوذ من روبرت تابر

تعليقات
إرسال تعليق