قول بشر بن الحارث للرجل (فإن قوي قلبك على أن تعطيها واحدا فافعل) يدل على بصر بطبائع القلوب والنفوس . لأن المبلغ واحد سواء أعطاه لفرد أو لجماعة ولكن الإعطاء لفرد فيه من ثقل الشح أكثر من الإعطاء لجماعة . وفيه من المحبة أكثر من الإعطاء لجماعة . والشح غير البخل . فالشح أعم وهو الاستكثار على صاحب النعمة . فقد لا يبخل الإنسان بمبلغ ما . لكنه يستكثر سعادته على فرد واحد شحا .
وأيضا فإن الإعطاء لجماعة فيه من زهوة النفس وتكثرها .. إلا أن يكون عدالة في الإسعاف .
وأيضا في مقارنته بين الإنفاق والسفر إدراك لهوى النفس في السفر واسترواحه .
وقد وقع لي موقف كهذا مع أخ من إخوة التبليغ كان جديدا معهم وكان فيه تواضع فأحببت نصحه فسألته كم تعد للخروج خارج مصر قال طول العام تقريبا. أوفر سبعة آلاف جنيه. فقلت له أنت التزمت بسبب معاونة أحدهم لك ؟ فقال لي : حصل. قلت فكرر ما حدث معك . وضربت له مثل بأن مائة شمعة متفرقة في البلاد لن يفيدوا بينما لو وضعوا في مكان واحد فسوف ينيرونه . فركز نفقتك في بلدك . سيقلدك أناس وتشرق البلدة . ونصحته أن يعطيهم لشخص واحد . وأن يجعل الناس يعتقدون أنه ليس ماله وذلك فيه فائدتان. الأولى : عدم طمع الناس فيه إذ سيظنون غناه . ولضعف حالهم وإيمانهم ولغير ذلك
والثانية دفع الرياء والسمعة . لكنه استعظم ذلك فسألته عن الفارق ما دام كله لله . وهو أنفع للدعوة وللدين . فقال ما تنصحني به يحتاج لأنوار في القلب غير متوفرة عندي . ربما أتحصل عليها بعد .. ومن تواضعه أن قال لي إنك رجل قديم وليس عندي الأنوار التي عندك
___ __ __ ___ __ __ ___
قال أبو حامد الغزالي في الإحياء
(وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ إِنَّ رَجُلًا جَاءَ يُوَدِّعُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَقَالَ قَدْ عَزَمْتُ عَلَى الْحَجِّ فَتَأْمُرُنِي بِشَيْءٍ فَقَالَ لَهُ كم أعددت للنفقة فقال ألفي درهم
قال بشر فأي شئ تبتغي بحجك تَزَهُّدًا أَوِ اشْتِيَاقًا إِلَى الْبَيْتِ أَوِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ قَالَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ أَصَبْتَ مَرْضَاةَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْتَ فِي منزلك وَتُنْفِقُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَتَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى أَتَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ قال اذهب فأعطها عشرة أنفس مديون يقضي دينه وفقير يرم شعثه ومعيل يغني عِيَالَهُ وَمُرَبِّي يَتِيمٍ يُفْرِحُهُ وَإِنْ قَوِيَ قَلْبُكَ تُعْطِيهَا وَاحِدًا فَافْعَلْ فَإِنَّ إِدْخَالَكَ السُّرُورَ عَلَى قلب المسلم وَإِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ وَكَشْفَ الضُّرِّ وَإِعَانَةَ الضَّعِيفِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ قُمْ فَأَخْرِجْهَا كَمَا أَمَرْنَاكَ وَإِلَّا فَقُلْ لَنَا مَا فِي قَلْبِكَ فَقَالَ يَا أبا نصر سَفَرِي أَقْوَى فِي قَلْبِي فَتَبَسَّمَ بشر رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ الْمَالُ إِذَا جُمِعَ مِنْ وَسَخِ التِّجَارَاتِ وَالشُّبُهَاتِ اقْتَضَتِ النَّفْسُ أَنْ تَقْضِيَ بِهِ وَطَرًا فَأَظْهَرَتِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ وَقَدْ آلَى اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ إلا عمل المتقين)

تعليقات
إرسال تعليق