#مثاني_القرآن_فيض
١- ﴿هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراقل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غروراإن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا﴾ [فاطر: ٣٩-٤١]
٢- ﴿حمتنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيمما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضونقل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقينومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلونوإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾
[الأحقاف: ١-٦]
___________________
● لم ترد جملة (أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات) إلا في هذين الموضعين
● الموضع الأول سئلوا فيه استنكارا وتنبيها عن كتاب حاضر نزل عليهم وسئلوا في الثاني عن كتاب أو علم موروثين
وفي الأول كان الحديث عن عاقبة ذلك في الحال في الدنيا من حيث الترهيب بميل السماوات والأرض للزوال وذكر سنة الأولين وهلاكهم
وفي الثاني كان الحديث عن عاقبة ذلك في الدنيا والآخرة حيث لا يستجيبون لهم في الدنيا ويكونون لهم أعداء في الآخرة
● قال الماتريدي ( ﻭﻗﻮﻟﻪ: (ﻫﻮ اﻟﺬﻱ ﺟﻌﻠﻜﻢ ﺧﻼﺋﻒ ﻓﻲ اﻷﺭﺽ ... (39)
ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ اﻟﻤﺨﺎﻃﺒﻮﻥ ﺑﻪ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﻭﺃﻣﺘﻪ، ﻓﻴﺨﺒﺮ ﺃﻧﻪ ﺟﻌﻠﻬﻢ ﺧﻼﺋﻒ ﻣﻦ ﺗﻘﺪﻡ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﻘﺮﻭﻥ ﻭاﻷﻣﻢ اﻟﻤﺎﺿﻴﺔ ﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﺃﻫﻠﻜﻮا ﺃﻭ اﺳﺘﺆﺻﻠﻮا، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ اﻟﻤﺨﺎﻃﺒﻮﻥ ﺑﻪ ﺑﻨﻲ ﺁﺩﻡ ﻛﻠﻬﻢ ﻓﻴﺨﺒﺮ ﺃﻧﻜﻢ ﺧﻠﻒ ﻣﻦ ﺗﻘﺪﻣﻜﻢ ﻣﻦ اﻟﺠﻦ ﻭاﻟﻤﻼﺋﻜﺔ، ﻷﻧﻪ ﺫﻛﺮ ﺃﻥ اﻟﺠﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﺳﻜﺎﻥ اﻷﺭﺽ ﻗﺒﻞ ﺑﻨﻲ ﺁﺩﻡ، ﻓﺠﻌﻠﻮا ﺧﻼﺋﻒ اﻟﺠﻦ.
ﺛﻢ ﻭﺟﻪ اﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﺟﻌﻞ ﺑﻌﺾ ﺧﻼﺋﻒ ﺑﻌﺾ ﻭﺇﻧﺸﺎء ﻗﺮﻥ ﺑﻌﺪ ﻓﻨﺎء ﺁﺧﺮ، ﻭﺇﻓﻨﺎء ﺁﺧﺮ ﺑﻌﺪ ﺇﻧﺸﺎء ﺁﺧﺮ ﻭﺟﻮﻩ:
ﺃﺣﺪﻫﺎ: ﺃﻥ ﻳﻌﺮﻓﻮا ﺃﻧﻪ ﺇﻧﻤﺎ ﺃﻧﺸﺄﻫﻢ ﻟﻌﺎﻗﺒﺔ ﺗﻘﺼﺪ ﻭﺗﺘﺄﻣﻞ؛ ﺣﻴﺚ ﺃﻧﺸﺄ ﻗﺮﻧﺎ ﺛﻢ ﺃﻓﻨﺎﻫﻢ، ﺛﻢ ﺃﻧﺸﺄ ﻏﻴﺮﻫﻢ، ﻭﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﺇﻧﺸﺎﺋﻬﻢ ﺇﻻ ﻫﺬا، ﻛﺎﻥ ﺇﻧﺸﺎﺅﻩ ﺇﻳﺎﻫﻢ ﻟﻠﻔﻨﺎء ﺧﺎﺻﺔ؛ ﺇﺫ ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﻓﻲ اﻟﺸﺎﻫﺪ ﺑﻨﺎء ﻟﻠﻨﻘﺾ ﻭاﻟﻔﻨﺎء ﻻ ﻟﻌﺎﻗﺒﺔ ﺗﻘﺼﺪ ﺑﻪ، ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺑﻨﺎﺋﻪ ﻋﺎﺑﺜﺎ ﺳﻔﻴﻬﺎ؛ ﻓﻌﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺇﻧﺸﺎء ﻫﺆﻻء ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻌﺎﻗﺒﺔ ﻛﺎﻥ اﻹﻧﺸﺎء ﻟﻠﻔﻨﺎء، ﻭﺫﻟﻚ ﻋﺒﺚ ﻏﻴﺮ ﺣﻜﻤﺔ.
ﻭاﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺃﻥ ﻳﻌﺮﻓﻮا ﺃﻥ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻟﻴﺴﺖ ﻫﻲ ﺩاﺭ اﻟﻘﺮاﺭ ﻭاﻟﻤﻘﺎﻡ، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﺠﻌﻮﻟﺔ ﺯاﺩا ﻟﻵﺧﺮﺓ، ﻭﺑﻠﻐﺔ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﻭﻣﺴﻠﻜﺎ ﻟﻬﺎ، ﻭﻣﻨﺰﻻ ﻳﻨﺰﻝ ﻓﻴﻬﺎ؛ ﺛﻢ ﻳﺮﺗﺤﻞ ﻛﺎﻟﻤﻨﺎﺯﻝ اﻟﻤﺠﻌﻮﻟﺔ ﻟﻠﻨﺰﻭﻝ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﻲ اﻷﺳﻔﺎﺭ ﻭاﻟﺘﺰﻭﺩ ﻣﻨﻬﺎ ﺛﻢ اﻻﺭﺗﺤﺎﻝ، ﻻ ﻟﻠﻤﻘﺎﻡ ﻓﻴﻬﺎ؛ ﻓﻌﻠﻰ ﺫﻟﻚ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﺟﻌﻠﺖ ﻟﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ؛ ﻟﺌﻼ ﻳﻄﻤﺌﻨﻮا ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﻻ ﻳﺮﻛﻨﻮا ﻭﻳﻌﻤﻠﻮﻥ ﻋﻤﻞ ﻣﻦ ﻳﺮﻳﺪ اﻻﺭﺗﺤﺎﻝ ﻋﻨﻬﺎ ﻻ ﻋﻤﻞ اﻟﻤﻘﻴﻢ ﻓﻴﻬﺎ.
ﻭاﻟﺜﺎﻟﺚ: ﺃﻥ ﻳﻌﺮﻓﻮا ﺃﻥ اﻵﻻﻡ اﻟﺘﻲ ﺟﻌﻠﺖ ﻓﻴﻬﺎ ﻭاﻟﻠﺬاﺕ ﻟﻴﺴﺖ ﺑﺪاﺋﻤﺔ ﺃﺑﺪا، ﺑﻞ ﻋﻠﻰ ﺷﺮﻑ اﻟﺰﻭاﻝ ﻭاﻟﺘﺤﻮﻝ؛ ﻷﻥ ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎﺓ ﻟﺬﺓ ﻭﻓﻲ اﻟﻤﻮﺕ ﺃﻟﻤﺎ، ﻓﻼ ﺩاﻣﺖ اﻟﻠﺬﺓ ﻭﻻ اﻷﻟﻢ؛ ﻷﻧﻪ ﺃﺣﻴﺎ ﻗﺮﻧﺎ ﺛﻢ ﺃﻓﻨﺎﻫﻢ ﺛﻢ ﺃﺣﻴﺎ ﻗﺮﻧﺎ ﺁﺧﺮ ﻭﺃﻓﻨﺎﻫﻢ، ﻓﻼ ﺩاﻣﺖ اﻟﻠﺬﺓ ﻭﻻ اﻵﻻﻡ، ﻭﻟﻜﻦ اﻧﻘﻀﻴﺎ؛ ﻟﻴﻌﻠﻤﻮا ﺃﻧﻬﻤﺎ ﻻ ﻳﺪﻭﻣﺎﻥ ﺃﺑﺪا، ﻭﻟﻜﻦ ﻳﺰﻭﻻﻥ.
ﻭاﻟﺮاﺑﻊ: ﺃﻥ ﻳﻌﺘﺒﺮﻭا ﺑﻤﻦ ﺗﻘﺪﻡ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﻘﺮﻭﻥ: ﺃﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﺎﺫا ﻳﻜﻮﻥ اﻟﺜﻨﺎء اﻟﺤﺴﻦ، ﻭﻳﺒﻘﻰ اﻷﺛﺮ ﻭاﻟﺬﻛﺮ اﻟﺠﻤﻴﻞ؟ ﻭﺑﺄﻱ ﻋﻤﻞ ﻳﻨﻘﻄﻊ ﻭﻳﻔﻨﻰ ﺫﻟﻚ؛ ﻓﻤﻦ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﻣﺘﺒﻌﻲ اﻟﺮﺳﻞ ﻭﻗﺎﺩﺓ اﻟﺨﻴﺮ ﻭاﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﻭاﻟﻄﺎﻋﺔ، ﻓﺒﻘﻲ ﻟﻪ ﺃﺛﺮ اﻟﺨﻴﺮ ﻭاﻟﺜﻨﺎء اﻟﺤﺴﻦ ﻭاﻟﺬﻛﺮ اﻟﺠﻤﻴﻞ، ﻭﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﺗﺒﺎﻉ ﺃﻫﻞ اﻟﻜﻔﺮ ﻭاﻟﺸﺮ ﻟﻢ ﻳﺒﻖ ﻟﻬﻢ ﺷﻲء ﻣﻦ ﺫﻟﻚ؛ ﻟﻴﻌﻤﻠﻮا ﺑﺎﻟﺬﻱ ﻳﺒﻘﻲ ﻟﻬﻢ اﻟﺜﻨﺎء اﻟﺤﺴﻦ ﻭﻳﻌﻘﺐ ﻟﻬﻢ اﻟﺬﻛﺮ ﻻ اﻟﺬﻱ ﻳﻘﻄﻊ ﺫﻟﻚ، ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ.
ﻭﻗﻮﻟﻪ: (ﻓﻤﻦ ﻛﻔﺮ ﻓﻌﻠﻴﻪ ﻛﻔﺮﻩ).
ﺃﻱ: ﻋﻠﻴﻪ ﺿﺮﺭ ﻛﻔﺮﻩ.)
ثم قال (ﻭﻗﻮﻟﻪ: (ﻗﻞ ﺃﺭﺃﻳﺘﻢ ﺷﺮﻛﺎءﻛﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﺗﺪﻋﻮﻥ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ اﻟﻠﻪ ﺃﺭﻭﻧﻲ ﻣﺎﺫا ﺧﻠﻘﻮا ﻣﻦ اﻷﺭﺽ ﺃﻡ ﻟﻬﻢ ﺷﺮﻙ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ ﺃﻡ ﺁﺗﻴﻨﺎﻫﻢ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻓﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺑﻴﻨﺖ ﻣﻨﻪ ﺑﻞ ﺇﻥ ﻳﻌﺪ اﻟﻈﺎﻟﻤﻮﻥ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﻌﻀﺎ ﺇﻻ ﻏﺮﻭﺭا (40)
ﻇﺎﻫﺮ ﻗﻮﻟﻪ: (ﺃﺭﻭﻧﻲ) ﺃﻣﺮ، ﻟﻜﻨﻪ ﻳﺨﺮﺝ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻬﻴﻦ:
ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ: ﻋﻠﻰ اﻹﻋﺠﺎﺯ، ﺃﻱ: ﻳﻌﺠﺰ ﻭﻻ ﻳﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﺗﻌﺒﺪﻭﻥ ﻣﻦ ﺩﻭﻧﻪ ﺧﻠﻖ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ ﻭاﻷﺭﺽ، ﻭﻻ ﺇﺷﺮاﻛﻪ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ، ﻭﻻ ﺇﻧﺰاﻝ ﻛﺘﺎﺏ ﻣﻦ اﻟﺴﻤﺎء؛ ﻟﻴﺄﻣﺮﻫﻢ ﺑﺬﻟﻚ، ﺑﻞ اﻟﻠﻪ ﻫﻮ اﻟﺨﺎﻟﻖ ﻟﺬﻟﻚ ﻛﻠﻪ ﻭﻫﻮ اﻟﻘﺎﺩﺭ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻜﻴﻒ ﺻﺮﻓﺘﻢ اﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﻋﻨﻪ ﻭاﻷﻟﻮﻫﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﻦ ﻫﻮ ﻋﺎﺟﺰ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﻛﻠﻪ؟!
ﻭاﻟﺜﺎﻧﻲ: ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻨﺒﻴﻪ ﻭاﻟﺘﻌﻴﻴﺮ ﻟﻬﻢ ﻭاﻟﺘﺴﻔﻴﻪ ﻷﺣﻼﻣﻬﻢ؛ ﻳﻘﻮﻝ - ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ -: ﺇﻧﻜﻢ ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻥ اﻷﺻﻨﺎﻡ اﻟﺘﻲ ﺗﻌﺒﺪﻭﻧﻬﺎ ﺩﻭﻥ اﻟﻠﻪ ﻭﺗﺴﻤﻮﻧﻬﺎ: ﺁﻟﻬﺔ ﻟﻢ ﻳﺨﻠﻘﻮا ﺷﻴﺌﺎ ﻣﻤﺎ ﺫﻛﺮ، ﻭﻻ ﻟﻬﻢ ﺷﺮﻙ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻭﻻ ﻟﻜﻢ ﻛﺘﺎﺏ ﻳﺒﻴﺢ ﻟﻜﻢ ﺫﻟﻚ ﻭﻳﺄﺫﻥ ﻟﻜﻢ، ﻭﺗﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻥ اﻟﻠﻪ ﻫﻮ اﻟﻔﺎﻋﻞ ﻟﺬﻟﻚ ﻛﻠﻪ ﺣﻴﺚ ﻗﺎﻝ: (ﻭﻟﺌﻦ ﺳﺄﻟﺘﻬﻢ ﻣﻦ ﺧﻠﻖ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ ﻭاﻷﺭﺽ ﻟﻴﻘﻮﻟﻦ اﻟﻠﻪ)، ﻭﻻ ﻟﻬﻢ ﻛﺘﺎﺏ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ؛ ﻷﻥ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﺟﻬﺔ ﻭﺻﻮﻟﻪ ﺇﻟﻴﻪ اﻟﺮﺳﻮﻝ، ﻭﺃﻧﺘﻢ ﻻ ﺗﺆﻣﻨﻮﻥ ﺑﺎﻟﺮﺳﻮﻝ، ﻓﻜﻴﻒ ﻋﺒﺪﺗﻤﻮﻫﺎ ﻭﺗﺮﻛﺘﻢ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﻣﻦ ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻧﻪ اﻟﻔﺎﻋﻞ ﻟﺬﻟﻚ ﻭاﻟﻘﺎﺩﺭ ﻋﻠﻴﻪ؟!
ﻭﻗﻮﻟﻪ: (ﻣﺎﺫا ﺧﻠﻘﻮا ﻣﻦ اﻷﺭﺽ).
ﻳﺤﺘﻤﻞ ﺟﻮاﻫﺮ اﻷﺭﺽ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﻭﻳﺤﺘﻤﻞ اﻟﺨﺎﺭﺝ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻤﺎ ﺑﻪ ﻣﻌﺎﺷﻬﻢ ﻭﻗﻮاﻣﻬﻢ؛ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻗﻮﻟﻪ: (ﺃﻡ ﻟﻬﻢ ﺷﺮﻙ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ) ﻳﺤﺘﻤﻞ ﻓﻲ ﺟﻮاﻫﺮﻫﺎ، ﻭﻳﺤﺘﻤﻞ ﻣﺎ ﻳﻨﺰﻝ ﻋﻨﻬﺎ ﻣﻤﺎ ﺑﻪ ﻣﻌﺎﺷﻬﻢ ﻭﺃﺭﺯاﻗﻬﻢ.
ﻭﻗﻮﻟﻪ: (ﻓﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺑﻴﻨﺖ ﻣﻨﻪ) ﺃﻱ: ﻋﻠﻰ ﺣﺠﺔ ﻭﺑﻴﺎﻥ ﻣﻨﻪ.
ﻭﻗﻮﻟﻪ: (ﺑﻞ ﺇﻥ ﻳﻌﺪ اﻟﻈﺎﻟﻤﻮﻥ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﻌﻀﺎ ﺇﻻ ﻏﺮﻭﺭا).
ﻳﺤﺘﻤﻞ ﻭﻋﺪﻫﻢ اﻟﺬﻱ ﺫﻛﺮ ﻟﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﻌﻀﺎ ﻣﺎ ﻗﺎﻟﺖ اﻟﻘﺎﺩﺓ ﻣﻨﻬﻢ ﻭاﻟﺮﺅﺳﺎء ﻟﻷﺗﺒﺎﻉ: (ﻫﺆﻻء ﺷﻔﻌﺎﺅﻧﺎ ﻋﻨﺪ اﻟﻠﻪ)، ﻭ (ﻣﺎ ﻧﻌﺒﺪﻫﻢ ﺇﻻ ﻟﻴﻘﺮﺑﻮﻧﺎ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ ﺯﻟﻔﻰ) ﻭﻣﺎ ﻟﺒﺴﻮا ﻫﻢ ﻋﻠﻰ اﻷﺗﺒﺎﻉ ﻣﻦ ﺃﻣﺮ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭاﻟﺮﺳﻮﻝ: ﻫﻮ ﺳﺎﺣﺮ ﻛﺬاﺏ، ﻭﺃﻧﻪ ﻣﻔﺘﺮ، ﻭﺃﻣﺜﺎﻝ ﺫﻟﻚ ﻣﻤﺎ ﻳﻜﺜﺮ ﻋﺪﺩﻩ، ﻓﺬﻟﻚ ﻛﻠﻪ ﻣﻨﻬﻢ ﺗﻐﺮﻳﺮ ﻟﻷﺗﺒﺎﻉ )
__
ثم قال (ﻭﻗﻮﻟﻪ: (ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻳﻤﺴﻚ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ ﻭاﻷﺭﺽ ﺃﻥ ﺗﺰﻭﻻ ﻭﻟﺌﻦ ﺯاﻟﺘﺎ ﺇﻥ ﺃﻣﺴﻜﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻩ ﺇﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﺣﻠﻴﻤﺎ ﻏﻔﻮﺭا (41)
ﻳﺤﺘﻤﻞ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﺬا ﺻﻠﺔ ﻣﺎ ﺗﻘﺪﻡ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ: (ﺃﺭﻭﻧﻲ ﻣﺎﺫا ﺧﻠﻘﻮا ﻣﻦ اﻷﺭﺽ)، ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻫﺬا ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻥ اﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺭاﻓﻊ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ ﻭاﻷﺭﺽ ﻭاﻟﻤﻤﺴﻚ ﻟﻬﻤﺎ ﻭاﻟﻤﺎﻧﻊ ﻋﻦ ﺃﻥ ﺗﺰﻭﻻ ﻋﻦ ﺃﻣﻜﺎﻧﻬﻤﺎ، ﻻ ﻳﻘﺪﺭ ﺃﺣﺪ ﻋﻠﻰ ﺇﻋﺎﺩﺗﻬﻤﺎ، ﻭﻻ ﺃﻣﺴﻜﻬﻤﺎ ﺳﻮاﻩ، ﻓﻜﻴﻒ ﺗﻌﺒﺪﻭﻥ ﻣﻦ ﻻ ﻳﻤﻠﻚ ﺫﻟﻚ؟!
ﺃﻭ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ ﻗﻮﻟﻪ: (ﺗﻜﺎﺩ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ ﻳﺘﻔﻄﺮﻥ ﻣﻨﻪ ﻭﺗﻨﺸﻖ اﻷﺭﺽ. . .) اﻵﻳﺔ، ﻛﺎﺩﺗﺎ ﺃﻥ ﻳﺘﻔﻄﺮﻥ ﻭﻳﺘﺸﻘﻘﻦ ﺣﻴﻦ ﻗﺎﻟﻮا: ﻟﻠﻪ ﻭﻟﺪ، ﻭﻟﻪ ﺷﺮﻳﻚ، ﻓﺈﺫا ﻗﺎﻟﻮا: اﺗﺨﺬ اﻟﻠﻪ ﻭﻟﺪا ﻛﺎﺩﺗﺎ ﺃﻥ ﺗﺰﻭﻻ ﻣﻦ ﻣﻜﺎﻧﻬﻤﺎ، ﻭﺗﺴﻘﻄﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺗﻌﻈﻴﻤﺎ؛ ﻟﻤﺎ ﻗﺎﻟﻮا ﻓﻲ اﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ.
ﻭﺟﺎﺋﺰ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻻ ﻋﻠﻰ اﻟﺼﻠﺔ ﺑﺸﻲء ﻣﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﻭﻟﻜﻦ ﻋﻠﻰ اﻻﺑﺘﺪاء، ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻰ اﻻﺑﺘﺪاء ﻓﻬﻮ ﻳﺨﺒﺮ ﻋﻦ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻭﺳﻠﻄﺎﻧﻪ؛ ﺣﻴﺚ ﺭﻓﻊ اﻟﺴﻤﺎء ﻭﺃﻣﺴﻜﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﻬﻮاء ﻣﻊ ﻏﻠﻈﻬﺎ ﻭﺷﺪﺗﻬﺎ ﺑﻼ ﻋﻤﺪ ﻣﻦ ﺗﺤﺖ ﻭﻻ ﺷﻲء ﻣﻦ ﻓﻮﻕ، ﻳﻤﻨﻌﻬﺎ ﻋﻦ اﻻﻧﺤﺪاﺭ ﻭاﻟﺰﻭاﻝ ﻋﻦ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ ﻭاﻹﻗﺮاﺭ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﻭاﻟﺘﻘﺮﻳﺮ، ﻭﻓﻲ اﻟﺸﺎﻫﺪ ﺃﻥ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻭﺳﻊ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﺨﻼﺋﻖ ﺇﻣﺴﺎﻙ اﻟﺸﻲء ﻓﻲ اﻟﻬﻮاء ﻭﻻ ﺇﻗﺎﻣﺘﻪ ﺇﻻ ﺑﺄﺣﺪ ﻫﺬﻳﻦ اﻟﺴﺒﺒﻴﻦ: ﺇﻣﺎ ﻣﻦ ﺗﺤﺖ، ﻭﺇﻣﺎ ﻣﻦ ﻓﻮﻕ، ﻭﻛﺬﻟﻚ اﻷﺭﺽ ﺣﻴﺚ ﺩﺣﺎﻫﺎ ﻭﺑﺴﻄﻬﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺎء، ﻭﻣﻦ ﻃﺒﻌﻬﺎ اﻟﺘﺴﺮﺏ ﻭاﻟﺘﺴﻔﻞ ﻓﻲ اﻟﻤﺎء ﻻ اﻟﻘﺮاﺭ ﻋﻠﻴﻪ؛ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﺤﻔﺮ ﻣﻜﺎﻥ ﻣﻨﻬﺎ ﺇﻻ ﻭﻳﺨﺮﺝ ﻣﻨﻪ اﻟﻤﺎء؛ ﻓﺪﻝ ﺗﻘﺮﻳﺮ اﻷﺭﺽ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺎء ﻭﺇﻣﺴﺎﻙ اﻟﺴﻤﺎء ﻓﻲ اﻟﻬﻮاء ﺑﻼ ﺷﻲء ﻳﻘﺮﻫﻤﺎ ﻭﻳﻤﻨﻌﻬﻤﺎ ﻋﻦ اﻟﺘﺴﻔﻞ ﻭاﻻﻧﺤﺪاﺭ - ﺃﻧﻪ اﻟﻮاﺣﺪ اﻟﻘﺎﺩﺭ ﺑﺬاﺗﻪ ﻻ ﻳﻌﺠﺰﻩ ﺷﻲء.
ﻭﻗﻮﻟﻪ: (ﺇﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﺣﻠﻴﻤﺎ ﻏﻔﻮﺭا).
ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (ﺣﻠﻴﻤﺎ): ﺣﻴﻦ ﻟﻢ ﻳﺮﺳﻞ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ ﻋﻠﻴﻬﻢ؛ ﻟﻌﻈﻴﻢ ﻓﺮﻳﺘﻬﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻭاﻟﻘﻮﻝ ﻓﻴﻪ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﻠﻴﻖ ﺑﻪ - ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ اﻟﻈﺎﻟﻤﻮﻥ ﻋﻠﻮا ﻛﺒﻴﺮا - ﻭﺣﻴﺚ ﻟﻢ ﻳﻌﺠﻞ ﺑﻌﻘﻮﺑﺘﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ، (ﻏﻔﻮﺭا): ﺭﺣﻴﻤﺎ ﺣﻴﺚ ﺳﺘﺮ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺫﻟﻚ، ﻭﻟﻢ ﻳﻔﻀﺤﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ.
قلت (فيض): وصلة أخرى محتملة وهي أن تكون متصلة بجعل الله الناس والجان خلائف . يزولون . فالأصل زوال الدنيا وزوال المخلوقات وما ترونه من استقرار السماوات والأرض استثنائي . ويناسبه لفظة فريدة من فرائد القرآن الكريم وردت في السياق وهي (دار المقامة) وصفا للجنة
وصلة أيضا لذكر الغرور فإن الأوضاع المستقرة وتوارث التعبدات الباطلة والنظم الفاسدة ردحا من الدهر يورث الغرور بها . فنبههم أن أصل الاستقرار الذي تقوم عليه الدنيا وهو ثبات الأرض والسماوات غير أصيل لولا إمساك الله سبحانه وتعالى . ألا ترون أنهما ممسكين في الهواء والماء
● من فرائد القرآن الكريم في سورة الأحقاف كلمة أثارة وكلمة بدعا فاجتمع فيها ذكر الأثر وعدم الابتداع وهو اجتماع لطيف . وأيضا ذكر الأحقاف وارتبط بها من الأثارة قوله (بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه) فهي إشارة لبقايا آثار المنذرين المكانية . إذا لا يتصور خلو زماني من خلفه. وذلك كقول الله سبحانه و تعالى( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها) . ولا أعلم مفسرا فسرها بالمكان إلا سيد قطب لكنه قرنها بالزمان ويرجح اختياري ذكر الأحقاف موضع دعوتهم ولا فائدة منها إلا ما ذكرت والله أعلم بالصواب . وأيضا قوله تعالى (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم)
والله أعلم

تعليقات
إرسال تعليق