💎💎💎💎💎
لمحات من سورة هود ١
___
﴿فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوصولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريبوإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير﴾ [هود: ١٠٩-١١١]
¤ فيه التسلي بأحوال السابقين على الطريق، أي إن اختلفوا حول القرآن وما جئتهم به فقد حدث ذلك مع موسى من قبل، تلاه التسلي بأن الجميع سيحاسب ، وقد تكرر ذلك بترتيبه في السورة بعد قليل
﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنينوقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملونوانتظروا إنا منتظرون﴾ [هود: ١٢٠-١٢٢]
___
﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصيرولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرونوأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرينواصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنينفلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين﴾ [هود: ١١٢-١١٦]
¤ اقترن النهي عن الغلو والتفريط، فالأمر بعدم الطغيان نهي عن الغلو، والأمر بالاستقامة مع النهي عن الركون للظالمين نهي عن التفريط والتنازل تحت الضغوط
تلاه الأمر بما يثقل الذات ويجعلها متزنة مستقيمة وهو الصلاة والصبر، وفي سورة البقرة (واستعينوا بالصبر والصلاة) وفي الحديث الشريف(الصلاة نور والصبر ضياء)
تلاه حالة أخرى غير حالة عدم الركون للظالمين وهي النهي عن الظلم والفساد ، ووصفهم بأنهم أولو بقية معناه عدم اشتراط الصلاح الكامل في المصلح.
قال ابن عاشور: (والآية تفريع على الأمر بالاستقامة والنهي عن الطغيان وعن الركون إلى الذين ظلموا ، إذ المعنى : ولا تكونوا كالأمم من قبلكم إذ عدموا من ينهاهم عن الفساد في الأرض وينهاهم عن تكذيب الرّسل فأسرفوا في غلوائهم حتى حلّ عليهم غضب الله إلاّ قليلاً منهم ، فإن تركتم ما أمرتم به كان حالكم كحالهم ، ولأجل هذا المعنى أتي بفاء التفريع لأنّه في موقع التفصيل والتعليل لجملة { فاستقم كما أمرت } [ هود : 112 ] وما عطف عليها؛ كأنّه قيل : وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم فَلَوْلاَ كان منهم بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلى آخره ، أي فاحذروا أن تكونوا كما كانوا فيصيبكم ما أصابهم ، وكونوا مستقيمين ولا تَطغوا ولا تركنوا إلى الظّالمين وأقيموا الصلاة)
___ __ __ ___ __ __ ___
لمحات من سورة هود ٢
____
﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشيروأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير﴾ [هود: ٢-٣]
خص الاستغفار لما فيه من التواضع، وأيضا فإن الإنسان قد يشعر بعدم لياقته لمقام العبادة والذكر بسبب لوثة ذنوبه فيعالج ذلك بالاستغفار، ولذا تخرج الخطايا بالوضوء قبل الصلاة ويستغفر المصلي بعدها، وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (فاستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار)
___
قال في الظلال ( «ﻳﻤﺘﻌﻜﻢ ﻣﺘﺎﻋﺎ ﺣﺴﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﺟﻞ ﻣﺴﻤﻰ، ﻭﻳﺆﺕ ﻛﻞ ﺫﻱ ﻓﻀﻞ ﻓﻀﻠﻪ» ..
ﻭاﻟﻤﺘﺎﻉ اﻟﺤﺴﻦ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺑﺎﻟﻨﻮﻉ ﻛﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺑﺎﻟﻜﻢ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﺤﻴﺎﺓ اﻟﺪﻧﻴﺎ. ﺃﻣﺎ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ ﻓﻬﻮ ﺑﺎﻟﻨﻮﻉ ﻭاﻟﻜﻢ ﻭﺑﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺐ ﺑﺸﺮ. ﻓﻠﻨﻨﻈﺮ ﻓﻲ اﻟﻤﺘﺎﻉ اﻟﺤﺴﻦ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﺤﻴﺎﺓ.
ﺇﻧﻨﺎ ﻧﺸﺎﻫﺪ ﻛﺜﻴﺮا ﻣﻦ اﻟﻄﻴﺒﻴﻦ اﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ، اﻟﻤﺴﺘﻐﻔﺮﻳﻦ اﻟﺘﺎﺋﺒﻴﻦ، اﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎﺓ.. ﻣﻀﻴﻘﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺮﺯﻕ.
ﻓﺄﻳﻦ ﺇﺫﻥ ﻫﻮ اﻟﻤﺘﺎﻉ اﻟﺤﺴﻦ؟
ﻭﻫﻮ ﺳﺆاﻝ ﻧﻌﺘﻘﺪ ﺃﻧﻪ ﻳﺘﺤﺮﻙ ﻋﻠﻰ ﺃﻟﺴﻨﺔ اﻟﻜﺜﻴﺮﻳﻦ! ﻭﻻ ﺑﺪ ﻹﺩﺭاﻙ اﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻜﺒﻴﺮ اﻟﺬﻱ ﻳﺘﻀﻤﻨﻪ اﻟﻨﺺ اﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﺃﻥ ﻧﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ اﻟﺤﻴﺎﺓ ﻣﻦ ﺯاﻭﻳﺔ ﺃﻭﺳﻊ، ﻭﻧﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺤﻴﻄﻬﺎ اﻟﺸﺎﻣﻞ اﻟﻌﺎﻡ، ﻭﻻ ﻧﻘﺘﺼﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﻈﻬﺮ ﻋﺎﺑﺮ.
ﺇﻧﻪ ﻣﺎ ﻣﻦ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻳﺴﻮﺩ ﻓﻴﻬﺎ ﻧﻈﺎﻡ ﺻﺎﻟﺢ، ﻗﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ، ﻭاﻟﺪﻳﻨﻮﻧﺔ ﻟﻪ ﻭﺣﺪﻩ، ﻭﺇﻓﺮاﺩﻩ ﺑﺎﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻭاﻟﻘﻮاﻣﺔ، ﻭﻗﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﻄﻴﺐ اﻟﻤﻨﺘﺞ ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎﺓ.. ﺇﻻ ﻛﺎﻥ ﻟﻬﺎ اﻟﺘﻘﺪﻡ ﻭاﻟﺮﺧﺎء ﻭاﻟﺤﻴﺎﺓ اﻟﻄﻴﺒﺔ ﺑﺼﻔﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﻛﺠﻤﺎﻋﺔ ﻭﺇﻻ ﺳﺎﺩ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻌﺪﻝ ﺑﻴﻦ اﻟﺠﻬﺪ ﻭاﻟﺠﺰاء ﻭاﻟﺮﺿﻰ ﻭاﻟﻄﻤﺄﻧﻴﻨﺔ ﺑﺎﻟﻘﻴﺎﺱ ﺇﻟﻰ اﻷﻓﺮاﺩ ﺑﺼﻔﺔ ﺧﺎﺻﺔ. ﻓﺈﺫا ﺷﺎﻫﺪﻧﺎ ﻓﻲ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻣﺎ ﺃﻥ اﻟﻄﻴﺒﻴﻦ اﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ اﻟﻤﻨﺘﺠﻴﻦ ﻣﻀﻴﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺮﺯﻕ ﻭاﻟﻤﺘﺎﻉ اﻟﻄﻴﺐ، ﻓﺬﻟﻚ ﺷﺎﻫﺪ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻻ ﻳﺴﻮﺩﻫﺎ اﻟﻨﻈﺎﻡ اﻟﻤﺴﺘﻤﺪ ﻣﻦ اﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ، اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺪﻝ ﺑﻴﻦ اﻟﺠﻬﺪ ﻭاﻟﺠﺰاء.
ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻷﻓﺮاﺩ اﻟﻄﻴﺒﻴﻦ اﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ اﻟﻤﻨﺘﺠﻴﻦ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻳﻤﺘﻌﻮﻥ ﻣﺘﺎﻋﺎ ﺣﺴﻨﺎ، ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺿﻴﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺮﺯﻕ، ﻭﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺗﻄﺎﺭﺩﻫﻢ ﻭﺗﺆﺫﻳﻬﻢ، ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻥ اﻟﻤﺸﺮﻛﻮﻥ ﻳﺆﺫﻭﻥ اﻟﻘﻠﺔ اﻟﻤﺆﻣﻨﺔ، ﻭﻛﻤﺎ ﺗﺆﺫﻱ اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺎﺕ اﻟﻘﻠﺔ اﻟﺪاﻋﻴﺔ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ. ﻭﻟﻴﺲ ﻫﺬا ﺧﻴﺎﻻ ﻭﻟﻴﺲ اﺩﻋﺎء. ﻓﻄﻤﺄﻧﻴﻨﺔ اﻟﻘﻠﺐ ﺇﻟﻰ اﻟﻌﺎﻗﺒﺔ، ﻭاﻹﺗﺼﺎﻝ ﺑﺎﻟﻠﻪ، ﻭاﻟﺮﺟﺎء ﻓﻲ ﻧﺼﺮﻩ ﻭﻓﻲ ﺇﺣﺴﺎﻧﻪ ﻭﻓﻀﻠﻪ.. ﻋﻮﺽ ﻋﻦ ﻛﺜﻴﺮ ﻭﻣﺘﺎﻉ ﺣﺴﻦ ﻟﻹﻧﺴﺎﻥ اﻟﺬﻱ ﻳﺮﺗﻔﻊ ﺩﺭﺟﺔ ﻋﻦ اﻟﺤﺲ اﻟﻤﺎﺩﻱ اﻟﻐﻠﻴﻆ.
ﻭﻻ ﻧﻘﻮﻝ ﻫﺬا ﻟﻨﺪﻋﻮ اﻟﻤﻈﻠﻮﻣﻴﻦ اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﺠﺪﻭﻥ ﺟﺰاء ﻋﺎﺩﻻ ﻋﻠﻰ ﺟﻬﺪﻫﻢ ﺇﻟﻰ اﻟﺮﺿﻰ ﺑﺎﻷﻭﺿﺎﻉ اﻟﻤﻨﺎﻓﻴﺔ ﻟﻠﻌﺪاﻟﺔ. ﻓﺎﻹﺳﻼﻡ ﻻ ﻳﺮﺿﻰ ﺑﻬﺬا، ﻭاﻹﻳﻤﺎﻥ ﻻ ﻳﺴﻜﺖ ﻋﻠﻰ ﻣﺜﻞ ﺗﻠﻚ اﻷﻭﺿﺎﻉ. ﻭاﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺆﻣﻨﺔ ﻣﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺈﺯاﻟﺘﻬﺎ ﻭﻛﺬﻟﻚ اﻷﻓﺮاﺩ، ﻟﻴﺘﺤﻘﻖ اﻟﻤﺘﺎﻉ اﻟﺤﺴﻦ ﻟﻠﻄﻴﺒﻴﻦ اﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ اﻟﻤﻨﺘﺠﻴﻦ. ﺇﻧﻤﺎ ﻧﻘﻮﻟﻪ ﻷﻧﻪ ﺣﻖ ﻳﺤﺲ ﺑﻪ اﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ اﻟﻤﺘﺼﻠﻮﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ، اﻟﻤﻀﻴﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺮﺯﻕ، ﻭﻫﻢ ﻣﻊ ﻫﺬا ﻳﻌﻤﻠﻮﻥ ﻭﻳﺠﺎﻫﺪﻭﻥ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ اﻷﻭﺿﺎﻉ اﻟﺘﻲ ﺗﻜﻔﻞ اﻟﻤﺘﺎﻉ اﻟﺤﺴﻦ ﻟﻌﺒﺎﺩ اﻟﻠﻪ اﻟﻤﺴﺘﻐﻔﺮﻳﻦ اﻟﺘﺎﺋﺒﻴﻦ اﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﺑﻬﺪﻯ اﻟﻠﻪ.
«ﻭﻳﺆﺕ ﻛﻞ ﺫﻱ ﻓﻀﻞ ﻓﻀﻠﻪ» ..
ﺧﺼﺼﻬﺎ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻔﺴﺮﻳﻦ ﺑﺠﺰاء اﻵﺧﺮﺓ. ﻭﺃﺭﻯ ﺃﻧﻬﺎ ﻋﺎﻣﺔ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭاﻵﺧﺮﺓ، ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺤﻮ اﻟﺬﻱ ﻓﺴﺮﻧﺎ ﺑﻪ اﻟﻤﺘﺎﻉ اﻟﺤﺴﻦ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻫﻮ ﻣﺘﺤﻘﻖ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ اﻷﺣﻮاﻝ. ﻭﺫﻭ اﻟﻔﻀﻞ ﻳﻠﻘﻰ ﺟﺰاءﻩ ﻓﻲ اﻟﻠﺤﻈﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﺒﺬﻝ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻔﻀﻞ. ﻳﺠﺪﻩ ﺭﺿﻰ ﻧﻔﺴﻴﺎ ﻭاﺭﺗﻴﺎﺣﺎ ﺷﻌﻮﺭﻳﺎ، ﻭاﺗﺼﺎﻻ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﻫﻮ ﻳﺒﺬﻝ اﻟﻔﻀﻞ ﻋﻤﻼ ﺃﻭ ﻣﺎﻻ ﻣﺘﺠﻬﺎ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ.
ﺃﻣﺎ ﺟﺰاء اﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﻓﻬﻮ ﻓﻀﻞ ﻣﻦ اﻟﻠﻪ ﻭﺳﻤﺎﺣﺔ ﻓﻮﻕ اﻟﺠﺰاء.
___
﴿ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدوروما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبينوهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين﴾ [هود: ٥-٧]
إن أخفوا ذكر الله عز وجل في صدورهم وكتموا عارض الحياء والخشية فهل سيهربون من رزقه والطمع فيه وكل دابة في الأرض هو رازقها، وهل سيتخذون مجالا بعيدا عنه وهو خالق السماوات والأرض ثم استوى على العرش يدبر الأمر ولم يتركهما هملا، ثم كيف يهربون من قانون القدر الذي محور الحياة والأحداث لغاية الابتلاء (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فتصور حياة طليقة بعيدة عن هذا الابتلاء وعواقب الاستجابة والرفض وهم عريض ولن يتحقق
ثم ذكرت الآيات عدة ابتلاءات
الأول: تأخير العقوبة والعذاب ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ [هود: ٨] فمن مغتر ومن مراجع شاكر
الثاني: نزع العطية ﴿ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور﴾ [هود: ٩]
الثالث: الابتلاء بالعطية ﴿ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور﴾ [هود: ١٠]
الرابع: الابتلاء بمعاندة الكافرين فمن مستمسك بالحق والوحي ومن محرف ليهديهم أو يرضيهم أو يتلاشى أفعالهم
﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل﴾ [هود: ١٢]
___ __ __ ___ __ __ ___
لمحات من سورة هود ٣
____
﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقينفإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون﴾ [هود: ١٣-١٤]
¤ فيه حجية الواقع وأنه يزيد اليقين، ومنه قول الله تبارك وتعالى ﴿والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد﴾ [الشورى: ١٦]
___
﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ [هود: ١٧]
¤ معنى الآية: أفمن كان على بينة من ربه وهي الإنجيل الذي بشر بأحمد صلى الله عليه وسلم ويتلو الإنجيل شاهد من الله وهو القرآن الكريم ومن قبل الإنجيل كتاب موسى إماما ورحمة خير أم من كفر.
وذكر الأحزاب مع عدم ذكر اليهود معجزة حيث تحالف اليهود والمشركون في غزوة الأحزاب
___
﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمينالذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون﴾ [هود: ١٨-١٩]
¤ جاءت هاتان الآيتان بعد ذكر من قالوا بأن القرآن مفترى، ومنهما يفهم أن من كذب بالحق سيضطر لاختراع أكاذيب بديلة عنه مفتراة في شأن الألوهية وصفاتها وأحكامها، ويفهم أن الذين يصدون عن سبيل الله قد يكون لهم إيمان بالله واعتقادات فيه
____
﴿الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرونأولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرونأولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترونلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرونإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ [هود: ١٩-٢٣]
¤ "أولئك لم يكونوا" فيها الانتقال من الغيبة للحضور وكأن الدنيا مرت ويحكى ما كانوا يفعلون، وهي الطريقة الأمثل في التفكر في الآخرة، حيث لا يفكر فيها المرء كيوم قادم بعد طول زمان ولكن يفكر كأنه يعاين الأحداث
وجملة "وما كان لهم من دون الله من أولياء" أي حقيقيين ينفعونهم وهو موافق لذكر الأحزاب وهؤلاء الأولياء كمثل بيت العنكبوت وهنا كما ذكر الله والآية تحكي انكشاف ذلك في الآخرة ، وتحكي إدراك كم كانت أنفسهم التي خسروها غالية وأنهم هم الأخسرون وليس المؤمنين ، فأخسر على وزن أفعل وهذا اقتضى ذكر المؤمنين وجزاءهم
____
﴿ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون﴾ [هود: ٢٩]
رفض لتفخمهم حيث ذكّرهم بأنه لا يأخذ منهم مالا فعلام تتعاظمون وتطلبون طرد المؤمنين لفقرهم، وعلل رفضه لطرد المؤمنين الفقراء بأنهم سيلاقون الله ، ووجه التعليل أنه إذا كان الله العظيم سيلاقيهم ويقربهم ويكرمهم فكيف لي أن أطردهم
قال الألوسي ("إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ" تعليل للامتناع من طردهم كأنه قيل: لا أطردهم ولا أبعدهم عن مجلسي لأنهم من أهل الزلفى المقربون الفائزون عند الله تعالى وانفهام الفوز بمعونة المقام وإلا فملاقاة الله تعالى تكون للفائز وغيره)
___ __ __ ___ __ __ ___
لمحات من سورة هود ٤
___
قيم نوح عليه السلام أتباعه المؤمنين الذين يسترذلهم الملأ الذين كفروا من خلال أمرين
الأول: "إنهم ملاقوا ربهم" فيكرمهم ويقربهم، وهذا تقييم صعب فإن المسلمين جميعا الذين تعاملهم وتخالفهم وتوافقهم مطيعهم وعاصيهم قيمهم الله بأنهم ملوك في الآخرة ملوك في الجنة حتى ولو دخل بعضهم النار في البداية، والواحد منا لا يطيق أن يقيم الناس على أساس هذا، فليأخذ منه قدر طاقته، ثم هو يخفف حدة العداوة والبغضاء والنفور ويعدلها
الثاني: "الله أعلم بما في أنفسهم" فدواخل النفوس محور في تقييم الناس، وهذا يستعمل في الاجتماع على الدعاء وطلبه من من يظن فيهم الخير أو طلبه من العموم
وفي البخاري (ﻋﻦ ﺃﻡ ﻋﻄﻴﺔ، ﻗﺎﻟﺖ: «ﻛﻨﺎ ﻧﺆﻣﺮ ﺃﻥ ﻧﺨﺮﺝ ﻳﻮﻡ اﻟﻌﻴﺪ ﺣﺘﻰ ﻧﺨﺮﺝ اﻟﺒﻜﺮ ﻣﻦ ﺧﺪﺭﻫﺎ، ﺣﺘﻰ ﻧﺨﺮﺝ اﻟﺤﻴﺾ، ﻓﻴﻜﻦ ﺧﻠﻒ اﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻴﻜﺒﺮﻥ ﺑﺘﻜﺒﻴﺮﻫﻢ، ﻭﻳﺪﻋﻮﻥ ﺑﺪﻋﺎﺋﻬﻢ ﻳﺮﺟﻮﻥ ﺑﺮﻛﺔ ﺫﻟﻚ اﻟﻴﻮﻡ ﻭﻃﻬﺮﺗﻪ)
وفيه (ﻋﻦ ﻣﺼﻌﺐ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ، ﻗﺎﻝ: ﺭﺃﻯ ﺳﻌﺪ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﺃﻥ ﻟﻪ ﻓﻀﻼ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﺩﻭﻧﻪ، ﻓﻘﺎﻝ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: «ﻫﻞ ﺗﻨﺼﺮﻭﻥ ﻭﺗﺮﺯﻗﻮﻥ ﺇﻻ ﺑﻀﻌﻔﺎﺋﻜﻢ»
وفي صحيح ابن حبان"ﻋﻦ ﺃﺑﻲ اﻟﺪﺭﺩاء، ﻗﺎﻝ ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ: «اﺑﻐﻮا ﻟﻲ ﺿﻌﻔﺎءﻛﻢ، ﻓﺈﻧﻤﺎ ﺗﺮﺯﻗﻮﻥ، ﻭﺗﻨﺼﺮﻭﻥ ﺑﻀﻌﻔﺎﺋﻜﻢ» صححه شعيب الأرناؤوط.
___
﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون﴾ [هود: ٣٧]
قال الألوسي: (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فيه إشارة إلى رقة قلبه عليه السلام بعد احتمال جفوتهم وأذيتهم، وهكذا شأن الصديقين)
مع أنه قد دعا عليهم فقال (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) ولكن الله يعلم رقة قلبه وأن العذاب إذا اقترب قد يطلب تأخيره أو صرفه.
ومثله في السورة ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوطإن إبراهيم لحليم أواه منيب﴾ [هود: ٧٤-٧٥]
_____
قال الله لنوح عن ابنه الكافر (إنه ليس من أهلك) وفيه من العبرة ضعف علم الإنسان لدرجة أن لا يعلم حقيقة من رباه ونشأه وعلمه، وهذا يورث الالتجاء لعلم الله وتعليمه وقدرته في كل الأحوال والملابسات مهما ظن الإنسان يسرها وقربها لفهمه وقدرته ويورث ملازمة الدعاء.
_____
﴿يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون﴾ [هود: ٥١]
الاستدلال بعطية الفطر على أن الأجر إنما يطلب من الفاطر سبحانه وتعالى، لأنها عجب فالذي خلقني ولم أك شيئا وأعطاني الوجود دون تقديم خير مني وإحسان سيعطيني الأجر من باب أولى إن أحسنت وفعلت الخير
____
﴿إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾ [هود: ٥٦]
علل التوكل على الله تبارك وتعالى بأمرين:
الأول: امتلاك الله للمخلوقات ومسيرها فلن يستطيع أحد أن يفعل لي شيئا إلا والله آخذ بناصيته،
الثاني: أن هذه الدواب لا تخرج عن القانون العادل المستقر والسنن الثابتة ذلك أن ربي على صراط مستقيم واحد وواضح لا نشاز فيه ولا خلف
__
﴿وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد﴾ [هود: ٥٩]
فيه أن طاعة الجبابرة وتقليدهم هلاك وخسائر
___
﴿... فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب﴾ [هود: ٦١]
أي قريب الرضا وليس كالبشر إذا أخطأ البعض في حقوقهم وهذا إغراء بالتوبة لله سبحانه وتعالى
قال الزمخشري: (ﻗﺮﻳﺐ ﺩاﻧﻰ اﻟﺮﺣﻤﺔ ﺳﻬﻞ اﻟﻤﻄﻠﺐ)
وقال ابن عطية: (ﺇﻥ ﺭﺑﻲ ﻗﺮﻳﺐ ﻣﺠﻴﺐ، ﺃﻱ ﺇﺟﺎﺑﺘﻪ ﻭﻏﻔﺮاﻧﻪ ﻗﺮﻳﺐ ﻣﻤﻦ ﺁﻣﻦ ﻭﺃﻧﺎﺏ)
وقال ابن عاشور: (وجملة إن ربي قريب مجيب استئناف بياني كأنهم استعظموا أن يكون جرمهم مما يقبل الاستغفار عنه، فأجيبوا بأن الله قريب مجيب)
___ __ __ ___ __ __ ___
لمحات من سورة هود ٥
__
قالت ثمود لصالح عليه السلام(قد كنت فينا مرجوا) لكنه قال لهم (فما تزيدونني غير تخسير) فلم يعتبر علو القدر عندهم مكسبا إذا كان شرطه معصية الله سبحانه وتعالى، بل اعتبرهم خسارة وضياع
__
(ويا قوم من ينصرني من الله إن عصيته)
فيه أن الخوف من الله مثبت ومشجع
ومنه قول الله تبارك وتعالى
﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ...﴾ [العنكبوت: ١٠]
وقد يقع من عند الله في الواقع إيلام شديد الإفزاع مصحوب بتخويف لمن يفكر في الاستسلام بحيث يشعر العبد أنه أشد من تعذيب البشر كثيرا ويرتعب منه ويوقن أنها رسالة من عالم الغيب
فيثبت الله بذلك العبد
__
﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز﴾ [هود: ٦٦]
أي ومن خزي يوم إذ جاء أمرنا، وفيه أن عذاب الله يورث تصاغر النفس فإن الخزي هوان وتصاغر
__
﴿ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب﴾ [هود: ٧٧]
فيه قوة الحاسة الأخلاقية عند الأنبياء حيث كرب شفقا على ضيوفه
__
﴿وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات ..﴾ [هود: ٧٨]
فيه أن السيئة المتراكمة ليست كالسيئة الأولى ، ونظيرها (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) وقول الله سبحانه وتعالى(آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين)
وعكس قصة فرعون في قضية الغرق (فلولا أنه كان من المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون)
وعكسها قول الله تبارك وتعالى( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح)
ومن بابتها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم(بادروا بالأعمال فتنا) فإن من له الأعمال الصالحة السابقة عند الفتن ليس كمن ليس له أعمال
وفي القرآن (وافعلوا الخير) وفيه (وقل اعملوا)
ومن أعجبها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن خطيئة حاطب بن بلتعة (ﻭﻣﺎ ﻳﺪﺭﻳﻚ ﻟﻌﻞ اﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻗﺪ اﻃﻠﻊ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻞ ﺑﺪﺭ ﻓﻘﺎﻝ: اﻋﻤﻠﻮا ﻣﺎ ﺷﺌﺘﻢ ﻓﻘﺪ ﻏﻔﺮﺕ ﻟﻜﻢ )
أسأل الله لي ولك أن يهبنا صفقة لا نشقى بعدها أبدا
وفي الحديث (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)
___
(واتخذتموه وراءكم ظهريا)
فيه جواز استعمال المجاز في الحديث عن الله عز وجل ما لم يوهم نقصا، ويشابهه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم(وألجأت ظهري إليك)
__
﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديدإن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ [هود: ١٠٢-١٠٣]
الآية فيه أن العذاب وقع على غير قانون طبيعي نمطي متكرر، فدل على قصد الحساب واختياره ،ومن يخاف الآخرة يعتبر بتلك الآية، خاصة وأن عذاب الدنيا أهون
___
(واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين)
فيه أن الإغراء بالترف ليس عذرا لمن يغرق في الفساد ، والغرق تدل عليه كلمة "اتبع" بخلاف السقطات، فلها حكم آخر على حسب كل سقطة

تعليقات
إرسال تعليق