فوائد قرآنية ٢
لا تجعل مماثلة الآخرين مقياسا وغاية وإن كانوا سعداء بحالهم. وانتبه لروعة ما أفردك الله به
فإن بني إسرائيل لما غلبتهم الرغبة في المماثلة أوقعتهم في الجهالة
﴿... قالوا يا موسَى اجعَل لَنا إِلهًا كَما لَهُم آلِهَةٌ ....﴾ [الأعراف: ١٣٨]
ناسين تفردهم الذي ذكرهم به موسى عليه السلام
﴿وَإِذ قالَ موسى لِقَومِهِ يا قَومِ اذكُروا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَيكُم إِذ جَعَلَ فيكُم أَنبِياءَ وَجَعَلَكُم مُلوكًا وَآتاكُم ما لَم يُؤتِ أَحَدًا مِنَ العالَمينَ﴾ [المائدة: ٢٠]
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿إِذ تَمشي أُختُكَ فَتَقولُ هَل أَدُلُّكُم عَلى مَن يَكفُلُهُ فَرَجَعناكَ إِلى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُها وَلا تَحزَنَ وَقَتَلتَ نَفسًا فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتونًا فَلَبِثتَ سِنينَ في أَهلِ مَديَنَ ثُمَّ جِئتَ عَلى قَدَرٍ يا موسىوَاصطَنَعتُكَ لِنَفسِي﴾ [طه: ٤٠-٤١]
جاء في تفسير ابن أبي حاتم :
١٣٤٣٤ - عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ قَالَ: مِنْ قتل النفس وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا قَالَ: أخلصناك إخلاصا
وقال ابن فورك:
ﺃﺻﻞُ (اﻟﻔﺘﻨﺔِ) ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻬﻢ: ﻓﺘﻨﺖُ اﻟﺬﻫﺐ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ ﺇﺫا ﺃﺧﺮﺟﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﺣﺎﻝ اﻟﺨﻼﺹ، {ﻭﻓﺘﻨﺎﻙ ﻓﺘﻮﻧﺎ}
ﺃﺧﺮﺟﻨﺎﻙ ﺑﺎﻷﻣﺮ اﻟﺤﻖ ﺇﻟﻰ ﺣﺎﻝ اﻟﺨﻼﺹ))
* قلت: معنى الاستخلاص هو الأنسب للآية التالية (واصطنعتك لنفسي) فإن خروجه عليه السلام من المدينة بعد قتل القبطي خائفا يترقب البلاء من كل ناحية وهو وحيد بلا مأوى ولا غاية ينشأ عنه تخليص قلبه من حوله. وتوجهه بكليته لربه مقرا بحاجته . وفي ذلك من فتن القلب وصلاحه وإخراج الزبد حاملا معه فتات الأوهام وأدران الترسبات ما فيه
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى
﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل﴾ [المائدة: ٦٠]
فيه أن عباد الطواغيت مسوخ فاقدين للوصف البشري لاقتران ذلك بمسخهم قردة وخنازير .
وفيه أن تحول البشري لعابد الطاغوت عقوبة على جرائمه .. والعبادة غاية الخضوع والاستسلام مع حسن الاعتقاد في الطاغوت وجعل طاعته ونصرته هي القيمة العليا فوق كل حرمة
___ __ __ ___ __ __ ___
قول الله تبارك وتعالى
﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم.......﴾ [ق: ٦]
فيه أن بداية تغيير الحياة لا يشترط أن تكون بتغيير المحيط، بل قد تكون بتغيير زاوية النظر للمحيط وإعادة اعتبار مفرداته وتقييم أحجامها وأوزانها
___ __ __ ___ __ __ ___
والله يضاعف لمن يشاء )
في أحاديث نبوية شريفة أن نصف مد لا يبلغ ربع كيلو صدقة من صحابي خير من صحابي آخر ينفق مثل جبل أحد ..ذهبا .. مضاعفة في الحجم والقيمة ..ﻷن ربع كيلو ذهب يساوي أطنانا من الحبوب
تخيل للتقريب أنك قد تنفق عشرة أطنان من الذهب صدقة .. فينفق آخر رغيفا ويكون أثقل في الميزان عند الله من أطنانك .. ثم تخيل العكس
الله يضاعف لمن يشاء .. فلا تيأس ولا تغتر ولا تحتقر القليل إذا ضاقت بك الظروف .. كما جاء في الحديث ..لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة
اللهم ضاعف لنا فجهدنا قليل .. وأنت أعلم بحالنا
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿... أَحصَنَت فَرجَها .. فَنَفَخنا فيها مِن روحِنا ...﴾ [الأنبياء: ٩١]
سبب ونتيجة. وتدل الآية على أن كل معنى تقع عليه كلمة روح يجوز أن يكون من نصيب من أحصنت فرجها
___ __ __ ___ __ __
﴿عَلَّمَهُ شَديدُ القُوىذو مِرَّةٍ فَاستَوى﴾ [النجم: ٥-٦]
وليس علمه كثير العلوم . فشخصية المعلم محورية في التعليم
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿ فَمَكَثَ غَيرَ بَعيدٍ فَقالَ أَحَطتُ بِما لَم تُحِط بِهِ وَجِئتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقينٍ ﴾
في هذه المكافحة التنبيه على أن أضعف الخلق قد يؤتى ما لا يصل إليه أقواهم ؛ لتتحاقر إلى العلماء علومهم ، ويردوا العلم في كل شيء إلى الله تعالى وحده ، وفيه إبطال لقول الرافضة : إن الإمام لا يخفى عليه شيء ، ولا يكون في زمانه من هو أعلم منه !
[ نظم الدرر - البقاعي ]
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿ﻭﺃﺧﺮﻯ ﻟﻢ ﺗﻘﺪﺭﻭا ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻗﺪ ﺃﺣﺎﻁ اﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ ﻭﻛﺎﻥ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺷﻲء ﻗﺪﻳﺮا﴾ [اﻟﻔﺘﺢ: ٢١]
فيها غناء قدرة الله عن قدرة العبد . وأن العبد إذا لم يقدر ففي إحاطة الله وقدرته غنى عن قدرته وإحاطته . فإن الله لم يخبرهم بشيء يجهلونه حين قال لهم (لم تقدروا عليها) فهم لم يقدروا على فتح مكة ويعلمون ذلك . وإنما أخبرهم ليقول إذا لم تقدروا فأنا أقدر وأنا على كل شيء قدير
فإذا سرت في طريق الله سبحانه وتعالى فقدرته تغني إذا عجزت
وعلمه يغني إذا جهلت
وقوته تغني إذا ضعفت
وغناه يكفي إذا افتقرت
قال يحيى بن معاذ :
ﺣﺴﺒﻲ ﺣﻴﺎﺓُ اﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣَﻴﺖ ... ﻭﺣﺴﺒﻲ ﺑﻘﺎءُ اﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻫﺎﻟﻚْ
ﺇﺫا ﻣﺎ ﻟﻘﻴﺖُ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻲ ﺭاﺿﻴًﺎ ... ﻓﺈﻥ ﺳﺮﻭﺭَ اﻟﻨﻔﺲ ﻓﻴﻤﺎ ﻫﻨﺎﻟﻚْ
____
﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليمأولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين﴾ [آل عمران: ٢١-٢٢]
¤ كيف يوصفون بقتل النبيين وليس إلا نبي واحد باق هو محمد صلى الله عليه وسلم ؟ وكيف وهم لم يقتلوا جميع النبيين؟
والجواب أن حرصهم على قتل محمد صلى الله عليه وسلم جعلهم في مرتبة القتلة الذين قتلوا جميع النبيين .
¤ قوله (بغير حق) هل هناك قتل للنبيين بحق؟
والجواب أن جملة (بغير الحق) في القرآن الكريم لم تأت إلا في البغي والكبر والخيلاء
وجملة (بغير حق) لم تأت كفعل للمجرمين إلا في قتل الأنبياء
وقد بين الله علة قتلهم للأنبياء فقال
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧]
ولما كان الجزاء من جنس العمل ضربت عليهم الذلة والمسكنة بسبب هذا القتل الناشئ عن الكبر
قال الله تبارك وتعالى:
﴿..... وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [البقرة: ٦١]
وقال جل جلاله:
﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [آل عمران: ١١٢]
وفيه بيان عظم الكبر الذي في نفوس قتلة أهل الحق الداعين إليه واستحقاقهم لجهنم
وبيان لعدم قدرتنا على تخيل ما في نفوسهم من الشر والقبح لقول الله تبارك وتعالى(﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا﴾ [مريم: ٦٩-٧٠]
وهو أعلم بالظالمين .
¤ حبوط أعمالهم في الدنيا ألا يؤتون في الدنيا ثواب الله وبركاته على أعمالهم الخيرة ومنه قول الله تبارك وتعالى(من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) سورة النساء
وأخطر ما فيه أن الجماعات التي ترضى بقتل المصلحين سيحرمون بركات الله تباركت أسماؤه وأعمالهم الصالحة لا ثواب لها لا في الدنيا ولا في الآخرة . ويذوقون في الدنيا الهوان والذلة والمسكنة
___ __ __ ___ __ __ ___
﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين﴾
قال فخر الدين الرازي -رحمه الله-:
"والذي جربته من أول عمري إلى آخره أن الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله صار ذلك سببا إلى البلاء والمحنة والشدة والرزية،
وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه،
فهذه التجربة قد استمرت لي من أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين، فعند هذا استقر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه..."
تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي
___ __ __ ___ __ __ ___

تعليقات
إرسال تعليق