#مثاني_القرآن_فيض
١- ﴿قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنينوفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرينقال فعلتها إذا وأنا من الضالينففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلينوتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيلقال فرعون وما رب العالمينقال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنينقال لمن حوله ألا تستمعونقال ربكم ورب آبائكم الأولينقال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنونقال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾ [الشعراء: ١٨-٢٨]
٢- ﴿حموالكتاب المبينإنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرينفيها يفرق كل أمر حكيمأمرا من عندنا إنا كنا مرسلينرحمة من ربك إنه هو السميع العليمرب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنينلا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ [الدخان: ١-٨]
___ __ __ ___ __ __
● لم ترد جملة(رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) إلا في هذينالموضعين. وكذلك جملة( ربكم ورب آبائكم الأولين)
● اعتمد فرعون لعنه الله على التأثير النفسي في حواره مع موسى عليه السلام. فابتدأ بتذكيره بخطيئته والنعمة التي أنعم بها عليه من تربيته ورعايته .. وهذان أخطر ما تواجه به نفس الإنسان الكريم . نفس وفية شكور غير جاحدة لا تتنكر للفضل بل تحتفي بذكراه وتحن .. وقد رد ذلك موسى عليه من خلال المنطق العلي .. وهو العدالة والحرية (وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل ) رد في صيغة السؤال ليعتمد التأثير النفسي على السامعين محفزا للاستنكار في شعورهم . أتمن علي أن ذبحت مواليد بني إسرائيل حتى رمتني أمي في البحر . وأما عن الخطيئة فقد اختارني الله ووهب لي وجعلني من المرسلين فماذا يقال بعد حكم الله واختياره .
(قال فرعون وما رب العالمين) كأنه مجهول.. كأنه لا يعرفه
وغرض فرعون من هذا أن يجعلها مسألة ذهنية يقدر حجمها صوابا أو خطأً في نطاق البحث الجدلي ونزاعاته غموضا واتضاحا .. وتحتويها كفة الموازنات المنطقية صعودا وهبوطا . فتتحجم ولا تعلو أو تكبر . وسأله عن ماهية الخالق سبحانه التي لا تدرك ليطول الجدال وهو يعلم أنها منطقة لا يوصل فيها لشيء ومتاهة لا تبين فيها وجهة
وكان موسى عليه السلام واعيا حكيما . فرده ورد السامعين إلى كبر السماوات والأرض وما بينهما وأن عدم الإيمان بربهما لا علة له إلا خلو النفس تماما من حاسة اليقين .. فاستدعى كبرهما ليضرب تحجيم فرعون . واستدعى اليقين ليغلق خدعة الجدل المذهبة للوعي . وأعرض عن ذكر ماهية الخالق سبحانه وتعالى إلى ذكر بيناته الكبرى
وكان فرعون لعنه الله داهية مكيرا .. فاستدعى ضخامة إحساس الجماعة بذاتها ليكافئ ضخامة السماوات والأرض في إحساس السامعين . خاصة مع البعد الوجداني التفاعلي تجاه الجماعة والذي لا يتوفر تجاه السماوات والأرض
(قال لمن حوله ألا تستمعون)
فيحجمهم موسى عليه السلام إذ يذكرهم أنهم لم يكونوا موجودين زمان آبائهم .. لم يكونوا شيئا ولكن الله كان موجودا وهو الآن موجود وهو الذي يدير التناسل . فأنتم مجرد نسل والله العظيم يذرؤكم فيه
(قال ربكم ورب آبائكم الأولين)
فاتجه فرعون إلى تصغير موسى عليه السلام ليشكك في مصدر الكلام . فإن الطعن في القائل يتوصل له للإعراض عما يقول
(قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون)
ولو ردهم موسى لقدراته العقلية لطال الجدل داخل نفوسهم ولكنه ردهم إلى الأثير عندهم الذي لا يشكون فيه بل ويعتزون به . ردهم إلى قدراتهم العقلية. وهم إذا ردوا إليها تحرروا واستردوا صوابهم . فبادر فرعون للتهديد بالسجن
(قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون)
قال الماتريدي (ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻗﺎﻝ ﻟﻘﻮﻣﻪ: (ﺃﻻ ﺗﺴﺘﻤﻌﻮﻥ) ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﻣﻮﺳﻰ؛ ﺗﻌﺠﺒﺎ ﻣﻨﻪ ﺃﻧﻲ ﺃﺳﺄﻟﻪ ﻋﻦ ﺷﻲء ﻭﻫﻮ ﻳﺠﻴﺒﻨﻲ ﻋﻦ ﺷﻲء ﺁﺧﺮ.
ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﻣﻮﺳﻰ: (ﺭﺑﻜﻢ ﻭﺭﺏ ﺁﺑﺎﺋﻜﻢ اﻷﻭﻟﻴﻦ (26) ﻓﻘﺎﻝ ﻋﻨﺪ ﺫﻟﻚ. (ﺇﻥ ﺭﺳﻮﻟﻜﻢ اﻟﺬﻱ ﺃﺭﺳﻞ ﺇﻟﻴﻜﻢ ﻟﻤﺠﻨﻮﻥ (27) ﻧﺴﺒﻪ ﺇﻟﻰ اﻟﺠﻨﻮﻥ ﻟﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﺃﻧﻪ ﻇﻦ ﺃﻧﻪ ﺣﺎﺋﺪ ﻋﻦ اﻟﺠﻮاﺏ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺫﻛﺮ، ﺇﻧﻤﺎ ﻛﺎﻥ اﻟﺴﺆاﻝ ﻣﻨﻪ ﻋﻦ اﻟﻤﺎﻫﻴﺔ، ﻭﻫﻮ ﻟﻢ ﻳﺠﺒﻪ ﻋﻨﻬﺎ)
● والفارق بين الموضعين أن الأول لما جاء فيه ذكر سؤال فرعون القبيح (وما رب العالمين ) تغميضا لحقيقة الألوهية والربوبية . جاء ذكر السماوات والأرض وتعاقب الأجيال ورعايتها على سبيل التكبير والتضخيم وتعظيم القدرة
أما الثاني فقد جاءا فيه كنوع من الرحمة والرعاية . بالإضافة للقدرة.
قال في الظلال(«ﺭﺣﻤﺔ ﻣِﻦْ ﺭﺑﻚ ﺇﻧﻪ ﻫُﻮَ اﻟﺴﻤﻴﻊ اﻟْﻌَﻠِﻴﻢُ» ..
ﻭﻣﺎ ﺗﺘﺠﻠﻰ ﺭﺣﻤﺔ اﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﺒﺸﺮ ﻛﻤﺎ ﺗﺘﺠﻠﻰ ﻓﻲ ﺗﻨﺰﻳﻞ ﻫﺬا اﻟﻘﺮﺁﻥ، ﺑﻬﺬا اﻟﻴﺴﺮ، اﻟﺬﻱ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﺳﺮﻳﻊ اﻟﻠﺼﻮﻕ ﺑﺎﻟﻘﻠﺐ، ﻭﻳﺠﻌﻞ اﻻﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻪ ﺗﺘﻢ ﻛﻤﺎ ﺗﺘﻢ ﺩﻭﺭﺓ اﻟﺪﻡ ﻓﻲ اﻟﻌﺮﻭﻕ. ﻭﺗﺤﻮﻝ اﻟﻜﺎﺋﻦ اﻟﺒﺸﺮﻱ ﺇﻟﻰ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻛﺮﻳﻢ، ﻭاﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺒﺸﺮﻱ ﺇﻟﻰ ﺣﻠﻢ ﺟﻤﻴﻞ، ﻟﻮﻻ ﺃﻧﻪ ﻭاﻗﻊ ﺗﺮاﻩ اﻟﻌﻴﻮﻥ! ﺇﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﻌﻘﻴﺪﺓ- اﻟﺘﻲ ﺟﺎء ﺑﻬﺎ اﻟﻘﺮﺁﻥ- ﻓﻲ ﺗﻜﺎﻣﻠﻬﺎ ﻭﺗﻨﺎﺳﻘﻬﺎ- ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﺫاﺗﻬﺎ ﺟﻤﺎﻻ ﻳﺤﺐّ ﻭﻳﻌﺸﻖ ﻭﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻪ اﻟﻘﻠﻮﺏ! ﻓﻠﻴﺲ اﻷﻣﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﻣﺮ اﻟﻜﻤﺎﻝ ﻭاﻟﺪﻗﺔ ﻭﺃﻣﺮ اﻟﺨﻴﺮ ﻭاﻟﺼﻼﺡ. ﻓﺈﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﺴﻤﺎﺕ ﻓﻴﻬﺎ ﺗﻈﻞ ﺗﺮﺗﻔﻊ ﻭﺗﺮﺗﻔﻊ ﺣﺘﻰ ﻳﺒﻠﻎ اﻟﻜﻤﺎﻝ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺮﺗﺒﺔ اﻟﺠﻤﺎﻝ اﻟﺤﺒﻴﺐ اﻟﻄﻠﻴﻖ. اﻟﺠﻤﺎﻝ اﻟﺬﻱ ﻳﺘﻨﺎﻭﻝ اﻟﺠﺰﺋﻴﺎﺕ ﻛﻠﻬﺎ ﺑﺄﺩﻕ ﺗﻔﺼﻴﻼﺗﻬﺎ، ﺛﻢ ﻳﺠﻤﻌﻬﺎ، ﻭﻳﻨﺴﻘﻬﺎ، ﻭﻳﺮﺑﻄﻬﺎ ﻛﻠﻬﺎ ﺑﺎﻷﺻﻞ اﻟﻜﺒﻴﺮ.
«ﺭﺣﻤﺔ ﻣِﻦْ ﺭﺑﻚ» ﻧﺰﻝ ﺑﻬﺎ ﻫﺬا اﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﻲ اﻟﻠﻴﻠﺔ اﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ.. «ﺇﻧﻪ ﻫُﻮَ اﻟﺴَّﻤِﻴﻊُ اﻟْﻌَﻠِﻴﻢُ» . ﻳﺴﻤﻊ ﻭﻳﻌﻠﻢ، ﻭﻳﻨﺰﻝ ﻣﺎ ﻳﻨﺰﻝ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﻋﻠﻢ ﻭﻋﻠﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺑﻤﺎ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ ﻭﻣﺎ ﻳﻌﻤﻠﻮﻥ، ﻭﻣﺎ ﻳﺼﻠﺢ ﻟﻬﻢ ﻭﻳﺼﻠﺤﻮﻥ ﺑﻪ ﻣﻦ اﻟﺴﻨﻦ ﻭاﻟﺸﺮاﺋﻊ ﻭاﻟﺘﻮﺟﻴﻪ اﻟﺴﻠﻴﻢ.
ﻭﻫﻮ اﻟﻤﺸﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﻫﺬا اﻟﻜﻮﻥ اﻟﺤﺎﻓﻆ لمن ﻓﻴﻪ ﻭﻣﺎ ﻓﻴﻪ:
«ﺭَﺏِّ اﻟﺴَّﻤﺎﻭاﺕِ ﻭَاﻷَْﺭْﺽِ ﻭَﻣﺎ ﺑَﻴْﻨَﻬُﻤﺎ. ﺇِﻥْ ﻛُﻨْﺘُﻢْ ﻣُﻮﻗِﻨِﻴﻦَ» ..
ﻓﻤﺎ ﻳﻨﺰﻟﻪ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻳﺮﺑﻴﻬﻢ ﺑﻪ، ﻫﻮ ﻃﺮﻑ ﻣﻦ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﻟﻠﻜﻮﻥ ﻛﻠﻪ، ﻭﻃﺮﻑ ﻣﻦ ﻧﻮاﻣﻴﺴﻪ اﻟﺘﻲ ﺗﺼﺮﻑ اﻟﻜﻮﻥ..
ﻭاﻟﺘﻠﻮﻳﺢ ﻟﻬﻢ ﺑﺎﻟﻴﻘﻴﻦ ﻓﻲ ﻫﺬا ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﻋﻘﻴﺪﺗﻬﻢ اﻟﻤﻀﻄﺮﺑﺔ اﻟﻤﺰﻋﺰﻋﺔ المهوﺷﺔ، ﺇﺫ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻌﺘﺮﻓﻮﻥ ﺑﺨﻠﻖ اﻟﻠﻪ ﻟﻠﺴﻤﺎﻭاﺕ ﻭاﻷﺭﺽ، ﺛﻢ ﻳﺘﺨﺬﻭﻥ ﻣﻦ ﺩﻭﻧﻪ ﺃﺭﺑﺎﺑﺎ، ﻣﻤﺎ ﻳﺸﻲ ﺑﻐﻤﻮﺽ ﻫﺬﻩ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﻧﻔﻮﺳﻬﻢ ﻭﺳﻄﺤﻴﺘﻬﺎ ﻭﺑﻌﺪﻫﺎ ﻋﻦ اﻟﺜﺒﺎﺕ ﻭاﻟﻴﻘﻴﻦ.
ﻭﻫﻮ اﻹﻟﻪ اﻟﻮاﺣﺪ اﻟﺬﻱ ﻳﻤﻠﻚ اﻟﻤﻮﺕ ﻭاﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻫﻮ ﺭﺏ اﻷﻭﻟﻴﻦ ﻭاﻵﺧﺮﻳﻦ)
فالسماوات والأرض في السورة تبكيان
﴿فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين﴾ [الدخان: ٢٩]
فإن قلت فما قولك في ذكر الموت فالجواب أنها موتة بين حياتين أخراهما للأبد . وقد جاء الاهتمام بالتنبيه على ذلك في السورة أيضا
﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم﴾ [الدخان: ٥٦]
والله أعلم

تعليقات
إرسال تعليق