الجمال الذاتي هو ضابط الوجود غاية وعلة وحكمة
. وتنقص قيمة الجمال وبالتالي ما يعطيه من قيمة وجودية بقدر فقدانه للذاتية. فمثلا لو أتينا بإنسان جميل الوجه والابتسامة تبهرنا ابتسامته وتثير فينا عواطف روحية مدهشة وبهيجة . ودون أن يشعر نزعنا اسنانه ووضعنا مكانها أشكالا مشوهة وشوهنا شفتيه فإن هذا الانسان قد يسير في الطرقات يوزع ابتسامته القلبية هي هي ولكنها ستثير اشمئزاز الجميع فمفارقة اداة الابتسامة من الشفتين والأسنان للذاتية أنقص قيمة الجمال. والدليل على أن الجمال ضابط ذاتي للوجود هو قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه {أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة} والتعدي بله وليس ببه لتضمين معنى التوجه والحركة أي أشرقت في توجهها له كإشراق يشاهد على جباه ووجوه المتعبدين لله وكذلك الماديات فإشراقها بقصدها لنور الله والجملة بعدها تؤكد هذا المعنى (وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة )
. والأمر هو النظام والوجه هو موضع الجمال ونحن نلاحظ أن جزيئات الماء وهو الذي خلق منه كل شيئ حي تبهرنا بأشكالها الجميلة المبهجة المعجزة, ونحن دون قصد منا حين نعمد للتناسبات النافعة المنجزة في أي بناء أو آلة مهمة وضخمة نجدنا قد أنشأنا حالة وصورة جمالية دون وعي منا دليل على أن الجمال ضرورة ذاتية من ضرورات النظام ويكفينا أن الله سبحانه وتعالى وصف الايمان بأنه زينة {وزينه في قلوبكم} وفي الحديث {وزينا بزينة الايمان} مع أن الايمان حالة وجودية بالغة الذاتية, ومن هنا نفهم ضرورة عيش الشوق للذات الأحدية لأنه هو الشوق الذي يوسع الحياة ويعمق الوجود ولأن الانبتات عنها انبتات عن كل وسع باستثناء توسعة الابتلاء والقدر
{من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} والآية بعد التالية {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} فعبر عن المد للضلاّل باسمه “الرحمن” وعبر عن زيادته للمهتدين باسمه “الله” وذلك لصعوبة واستحالة وجود وسع ومدد لأهل الضلال فناسب اسمه الرحمن أي مالك الرحمات وعجائبها ومالك التصرف فيها لتلك القضية
– يسبق للوهم في أذهان الناس أن الكثرة اوسع من الواحد ولذا ترتاح النفوس بسبب هذا الوهم للتعدد على مستويات من الراحة ما بين المباح إلى الكفر . غفلة منها عن اتساع أنوار الأحدية وفسحة مجال الروح والوجود فيها
ولذا يعالج القرآن هذه المشكلة الذهنية فحين يأمر الله نبيه بالانقطاع إليه انقطاعا يقول له ولنا {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا. رب المشرق والمغرب} أي أنك ستنقطع لوسع بهيج مديد .
ولم يأت اسم الواحد في القرآن إلا مقترنا باسم القهار وأحيانا مقرونا بذكر ربوبية الله للسماوات والأرض أو مقرونا بكون الشركاء أسماء مجرد أسماء لا ذوات لها
1- يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}
2- قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16) أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل }
حيث نلاحظ سيلان الماء واتساع سيلانه لولا تقدير الأودية وحيث نلاحظ الكلام عن الحقيقي والزبد بعد اسم الواحد القهار
3-يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار (48) }
حيث يدل تبدلهما على ضآلتهما قياسا بالواحد القهار الذي لا يتبدل ولا يبلى , فإذا انضاف لذلك دلالة وصف الناس بالبروز على الخفاء والضلالة . تعاظم في شعورنا دلالة الاسمين الجليلين الأقدسين
4- قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) } وهذه سورة ص التي أتى في بدايتها تعجبهم قائلين {أجعل الآلهة إلها واحدا}
5- سبحانه هو الله الواحد القهار (4) خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) }
6- ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16) }
وتلك هي المواضع الستة الوحيدة التي ورد فيها اسم الله الواحد وهي أيضا المواضع الوحيدة التي ورد فيها اسم الله القهار وأيضا فإن لفظة “وحده” لم ترد في القرآن إلا ستة مرات
لكن جاء اسم الواحد مسبوقا باللام متبوعا بذكر الوسع في قوله تعالى {إن إلهكم لواحد (4) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) }
– ومن معالجات القرآن بيان ما يصير إليه من أشرك نفورا من الوحدانية إلى وسع متوهم وبيان قيمة ما معه من الوسع
{وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة}
– ثم تأتي آية النور {الله نور السماوات والأرض} وخير من تكلم فيها ابو حامد الغزالي ولا نبغي النقاش هنا ولكن أذكر فقط أن الأقوال محصورة في قول نبينا {أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة} ولعلها إن لم تخني الذاكرة متقاصرة عن بعضه . ومتقاصرة أيضا عن فكرة الذاتية . فآية النور تبين أنه واهب الوجود الذاتي الجميل والرائع وأن عطاياه لن تنحصر بالحالة السببية. وإذا عدنا بالمناسبة لمثال الابتسامة الذي ذكرتها في أول المنشور نتذكر أن في الجنة سوقا تتبدل فيها الأجساد وتباع كأنها الملابس
-{يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار} وتلك صفة النور الذاتي الذي يكاد ان يضيء من زيت الشجرة الزيتونة .
– (لاشرقية ولا غربية} ذاتية نسبتها لها لا لغيرها
– {الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد} والقراءات الواردة في لفظتي ” دري يوقد” تبين لنا هذه الذاتية
1- 1- دِرّيءٌ تَوَقَّدَ: وقرأ بها أبو عمرو.
صفة لــكوكب على وزن ” فِعّيل ” مأخوذ من ” الدِّر ” وهو الدفع والانقضاض وشدة الضوء.
وضخامة الكوكب المنير
وتوقد فعل ماض لابد وأن يعود على الكوكب
أي أن الزجاجة المحيطة بالمصباح تتوقد توقد كوكب توقد من شجرة يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار وتلك هي صفة الزجاجة على قراءة أبي عمرو بعد صفة المصباح بنفس الصفة على قراءة حفص
2-2- دِرّيءٌ تُوقَدُ: وقرأ بها الكسائي. } وهي أبلغ في وصف الزجاجة من القراءة السابقة لأن السابقة تشبهها بالكوكب المتوقد من زيت يكاد يضيء ذاتيا أما هذه فتذكر صفة الزجاجة نفسها
3-3- دُرّيءٌ تُوقَدُ: وقرأ بها شعبة وحمزة. هذه إضافة أخرى للكوكب أي أن نوره مزدحم يدفع بعضه بعضا نور متحرك
وهو على وزن ” فُعّيل ” وهو من الدرء بمعنى الدفع، أي: يدفع بعضه بعضاً أو كما جاء في « القاموس . وبالتالي هي وصف مضاف لضوء الزجاجة الذاتي المتدافع في ازدحام يبعث السرور
أما وصف الكوكب بمشابهة الدٌّر فقد ورد
– دُرّيٌّ يُوقَدُ: وقرأ بها نافع وابن كثير وحفص ويوقد عائدة على المصباح . وورد دُرّيٌّ تَوَقَّدَ: وقرأ بها ابن كثير وأبو جعفر ويعقوب. وتوقد عائدة على الكوكب . دُرّيٌّ تُوقَدُ: وقرا بها خلف العاشر وتوقد عائدة على الزجاجة
. والحاصل أن الزجاجة تتوقد صفاء كالدر ونورها يندفع مواجها كأن شعاعه سينفذ في مواجهه أما علاقته ببعضه فهو متدافع كأنها عشر ابتسامات مشعات بالنور الهادئ الدافئ في ثغر واحد أزلي لا تمسسه عوامل الزمان وتلك هي الزجاجة آلة ووسيلة إظهار النور ليست كالأسنان التي ذكرتها في أول المنشور وضوءها من زيت يكاد يضيئ ولو لم تمسسه نار والمصباح كذلك وحتى الكوكب المشبه به كذلك . وعلى هذا المنوال ينبغي تذكر نعيم الجنة وابتسامة الحورية التي ستضيؤها ونفهم لماذا القرآن سيظل وسيلة للرقي في الجنة مع أنه في كثير من آياته عالج قضايا دنيوية قد انتهت ولكنه النور غير خالق ولا مخلوق فلا ينبغي أن يكون مجرد سبب لحالة زمنية وينتهي
ورجم الله من قال
فلتصبر حينا لا تعجل *** وستدرك صحو اللذاتِ
فلتصبر حينا ولتبشر *** بجمال ذاتيّ آتِ
......
صور تظهر أن للجمال قيمة ذاتية مقصودة
تعليقات
إرسال تعليق